Menu
حضارة

في ذكرى الخامس من حزيران : عبد الناصر لم يسلم بنتائج الحرب وأعاد بناء القوات المسلحة لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي

عليان عليان

حرب 1967.jpeg

خاص بوابة الهدف

في ذكرى الخامس من حزيران ،  يجري الحديث بأثر رجعي من قبل مختلف التيارات  السياسية ومن ضنها القوى اليسارية والقومية، عن أسباب الهزيمة وتداعياتها  ، ، كونها الأخطر في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بعد نكبة فلسطين عام 1948 ،وكون الوطن العربي لا يزال يعاني بشكل خطير من نتائج هذه الهزيمة ، لا سيما بعد انقلاب السادات في 15 مايو  على نهج عبد الناصر، وما جر  هذا الانقلاب من ويلات ليس على مصر وحدها بل على مجمل القضايا العربية ،إثر توقيعه اتفاقات كامب ديفيد التي أخرجت مصر بثقلها الجيوسياسي والديمغرافي من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني .

لقد تباينت المواقف بشأن تشخيص أسباب الهزيمة ، وبهذا الصدد نتوقف أمام مختلف  الأسباب من وجهة نظر أطراف عديدة:

أولاً :الخطة الصهيو أمريكية الرجعية :

 لقد أعاد بعض الباحثين هزيمة 1967 ، لأسباب تتعلق بالخطة الصهيو أمريكية ، على نحو: استخدام إسرائيل لعنصر المفاجأة في ضرب القوات العربية/تفوق القوات الإسرائيلية المسلحة بأفضل الأسلحة الغربية الحديثة و خاصة سلاح الطيران الإسرائيليالذي سيطرت به (إسرائيل) على ميادين القتال في جبهات مختلفة/مساندة الولايات المتحدة الأمريكية و الدول الأوروبية  للكيان الصهيوني عسكرياً و اقتصاديا/ دورالقوات الجوية الأمريكية المتمركزة "بقاعدة هويلز"وكذلك القوات البريطانية المتمركزة "بقاعدة العدم" في ليبيا وذلك قبل الانقلاب على الحكم الملكي في ليبيا الذي قاده العقيد معمر القذافي.

يضاف إلى ما تقدم ما كشفته الوثائق المتعددة عن دور الحكم السعودي في حرب حزيران إلى جانب الكيان الصهيوني، بعد التدخل السعودي في اليمن  في مواجهة عبد الناصر لصالح الثورة اليمنية، التي قادها المشير عبد الله السلال ضد الحكم الإمامي الرجعي المتخلف ، وسعي  الولايات المتحدة في تلك المرحلة،إلى خنق مصر اقتصادياً عبر مخطّط أميركيسعودي،  وسعي واشنطن  قبل  ذلك لإنهاك   مصر وسورية ، بخلافات وصراعات بين القوى الإسلامية والسلطة– وفق ما أشار الدكتور رفعت سيد أحمد- في مقال له بعنوان"هل كان للسعودية دور في هزيمة عبد الناصر عام 1967؟"

 

ثانيا:أسباب تقنية

وذهب البعض الآخر من الباحثين إلى إضافة أسباب تقنية للأسباب سالفة الذكر، على نحو: عدم وضع القائد العسكري المناسب في الموقع المناسب، وترهل  العديد من القيادات العسكرية/تلبية مطلب السوفييت في أن لا تكون مصر هي  البادئة في الحرب/سيطرة مراكز القوى في مصر على دائرة القرار العسكري والأمني/وأن التحرك المصري العسكري جاء في إطار رد الفعل دونما خطة موضوعة أصلاً للحرب.

ثالثاً : الاسباب من وجهة نظر الأحزاب اليسارية

ردت الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية الهزيمة لطبيعة النظام البرجوازي الصغير في مصر وسورية – على حد ما جاء في أدبياتها- وأن بنيته الطبقية لا تمكنه في خوض حرب ضد الكيان الصهيوني

لكن في التقدير الموضوعي أن هذه القراءة، بحاجة لتدقيق بأثر رجعي، إذ ليس قدراً أن النظام الوطني البرجوازي ،غير قادر على الخوض في حرب ضد الكيان الصهيوني  والظفر فيها، بل يمكن الدخول في داخل تركيبة النظامي القومي في مصر  - على وجه التحديد -آنذاك لتفسير ما حصل، عبر الإشارة إلى أن قوى طبقية كانت ضمن الاتحاد الاشتراكي وضمن بنية النظام ، معادية للثورة المصرية وتوجهاتها ، وأخرى مترهلة ، مع ضرورة الإشارة هنا إلى ضرورة التمييز بين ظاهرة عبد الناصر ونهجه القومي العربي التقدمي والمنحاز للعمال والفلاحين ، وبين قوى طبقية أخرى معادية للثورة ، داخل التحالف الفضفاض " اتحاد قوى الشعب العامل"

بعد مرور 53عاماً على نكسة حزيران 1967 ، نترحم على روح خالد الذكر جمال عبد الناصر  الذي حمل نفسه مسؤولية   الهزيمة بشكل كامل، بوصفه رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية ، رغم أن الخلل كان في ثنايا النظام وفي مراكز القوى ، وبشكل رئيسي يتحمله القائد الفعلي للقوات المسلحة " المشير عبد الحكيم عامر " ، الذي كان عراباً لمراكز القوى ( صلاح نصر وشمس الدين بدران وغيرهما) التي كانت تشكل ميزان قوى معرقل لنهج عبد الناصر .

عبد الناصر تعامل مع ما حصل في الخامس من حزيران " كنكسة وليس كهزيمة " على قاعدة أن الهزيمة تعني الركون لليأس والقبول بشروط العدو ، في حين أن النكسة تعني عدم التسليم بأن ما حصل هزيمة، والاستعداد للرد على العدوان وتوفير شروط الانتصار.

وفي إطار الاستعداد لتحرير  الأراضي المصرية والعربية المحتلة عام 1967 أنجز عبد الناصر ما يلي :

أولاً : -قاد قمة الخرطوم العربية التي رفضت الاعتراف بنتائج الحرب ورفعت شعار"  لا صلح .. لا مفاوضات .. ولا اعتراف".

ثانياً : أجرى عبد الناصر مراجعة نقدية جريئة للتجربة السياسية من خلال إصدار بيان 30 مارس 1968 ، الذي كان بمثابة وثيقة سياسية تؤسس لدولة المؤسسات وحكم القانون، وكان ثورة تصحيح حقيقية ضد أوضاع خاطئة شهدتها الحقبة الناصرية قبل النكسة.

ثالثاً :  تصفية مراكز القوى بإنهاء دورها وإخضاعها للمحاكمة ، والنزول عند طلب الشعب بمحاكمة قيادات في سلاح الطيران الذين أهملوا القيام بالمهمات المنوطة بهم وتسببوا بشكل رئيسي في نكسة 1967 ،وإصدار أحكام بالسجن لفترات طويلة بحقهم .

رابعاً : بدأ عبد الناصر بتكثيف العمل الفكري والسياسي في "إطار التنظيم الطليعي" ليكون بديلاً للاتحاد الاشتراكي العربي الذي تسللت قوى الثورة المضادة إليه .

خامساً: تحقيق الصمود الاقتصادي  ، فقد  كان محتماً – على حد تعبير جمال عبد الناصر- أن يسير مطلب الصمود الاقتصادي جنباً لجنب مع عملية إعادة بناء القوات المسلحة ،" إذ أنه بغير اقتصاد سليم ، من الصعب توفير متطلبات الحرب، ولا كان مجدياً أن نقف رابضين على خطوط النار، بينما مقدرتنا على الإنتاج معطلة وراء الخطوط، وشبح الجوع يهددنا بأسرع من تهديد العدو لنا."

سادساً :عمل عبد الناصر على معالجة أوجه القصور في القوات المسلحة المصرية بشكل عام وفي القوات التي تتولى مهام الدفاع الجوي بشكل خاص، و التي كشفت عنها حرب 5 حزيران  ولذا وضعت القيادة السياسية جملة من الأهداف لتجاوز النكسة تتمثل فيما يلي:

1-إعادة بناء القوات المسلحة  بالاعتماد على الحلفاء السوفييت .

2-إعادة الثقة للجنودوالضباط  في أنفسهم وفي قادتهم ، لتجاوز الآثار السيكولوجية الناجمة عن حرب يونيو- حزيران 1967 .

3- إعادة الثقة للشعب المصري بالقيادتين السياسية والعسكرية

4- إعادة تدريب القوات المسلحة  ، والتركيز  على الضبط والربط العسكري
5-رفد القوات المسلحة بطلاب الجامعات، وبالمؤهلين علمياً القادرين على استيعاب الأسلحة المتطورة وتنفيذ خطط العمليات بكفاءة
6-تنظيم الوحدات العسكرية ووضع القائد العسكري المناسب في المكان المناسب.

وفي ضوء ما تقدم أعاد عبد الناصر بناء القوات المسلحة، وخاض حرب الاستنزاف ضد العدو الصهيوني ابتداءً من شهر آذار – مارس 1968 لمدة ثلاث سنوات، والتي شكلت في محصلتها خسارة صافية للعدو الصهيوني ، ما دفع وزير الخارجية الأمريكية ويليام  روجرز لطرح  مبادرته  في  5 يونيو حزيران 1970، لإيقاف القتال مدة ثلاثة أشهر، على أن يدخل الطرفان  المصري والإسرائيلي في مفاوضات جديدة لتنفيذ القرار 242.

لقد طرح روجرز مبادرته  بسبب المعارك الجوية التي دارت بين القوات المسلحة المصرية والقوات الإسرائيلية المعادية، وأسقط فيها طائرات حديثة جداً -أمريكية الصنع- تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وأيضاً وقوع إسرائيل في مأزق عسكري داخلي كبير جداً، بسبب الخسائر البشرية اليومية في صفوف قواته المسلحة.

لقد استجاب الطرفانالمصري  والإسرائيلي لإيقاف النيران في (8) أغسطس- آب1970إلا أن  الكيان الصهيوني  لم يلتزم بها لاحقا، ولم يلتزم  ببقية بنود المبادرة ، وسقطت المبادرة في 4 فبراير - شباط 1971،حيث أعلنت مصر رفضها تمديد وقف إطلاق النيران، واستمرار حالة اللاسلمواللاحرب.

 لقد استثمر عبد الناصر آنذاك  المشاريع السياسية  المطروح  للتسوية  ، في سياق تكتيكي  بالتنسيق وبالاستناد إلى القادة السوفييت، من أجل بناء حائط الصواريخ لحماية العمق المصري من الهجمات الجوية الإسرائيلية ، وفي الذاكرة عندما فرض على أصدقائه في الاتحاد السوفييتي -بقوة الصداقة - أن يطير الطيارون السوفييت في السماء المصرية – لحماية العمق المصري أثناء بناء حائط الصواريخ.
لقد وضع عبد الناصر بالتنسيق مع حلفائه السوفييت الأوفياء خطط تدمير خط بارليف " خطة جرانيت 1 وخطة جرانيت 2 ، وتم محاكاة الخطة على مواقع مشابهة على نهر النيل .. وهذه الخطط تم تطبيقها عند بدء حرب تشرين – اكتوبر يوم دمرت القوات المسلحة المصرية خط بارليف بعد اقتحام قناة السويس .
عبد الناصر ظاهرة قومية يسارية تقدمية نادرة في التاريخ العربي ، انحاز للجماهير الشعبية ولمصالحها ، وعمل على إنشاء التنظيم الطليعي لتجذير ثورة 23 يوليو وتحالفاتها الداخلية والخارجية.

لقد توفي عبد الناصر قبل أن ينجز مشروعه في تحرير الأراضي المحتلة ، ليتسلم الحكم من بعده أنور السادات ، الذي انحرف بالكامل عن نهج عبد الناصر وأودع القيادات السياسية والعسكرية الناصرية بالسجن في انقلاب 15 مايو 1971 ، وقام بتوظيف حرب تشرين 1973 التي أعد لها جمال عبد الناصر باتجاه التسوية، والارتماء في خانة التبعية لأمريكا ، ومن ثم الولوج في معاهدة كامب ديفيد عام 1977 التي أخرجت مصر من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني.

وبتغييب دور مصر- كإقليم قاعدة- لحركة التحرر العربي وللمشروع النهضوي العربي، خسرت منظمة التحرير الفلسطينية العمق الرئيسي لها ، فكان أن خرجت المقاومة الفلسطينية من بيروت عام  1982 ، وحصلت الحرب العراقية الإيرانية والعدوان الثلاثيني على العراق 1991  واحتلاله عام 2003، وكانت قبل ذلك اتفاقية أوسلو التصفوية للقضية الفلسطينية وشقيقتها معاهدة وادي عربة.

 وبتغييب دور مصر- كإقليم قاعدة- لحركة التحرر العربي وللمشروع النهضوي العربي، أصبح النظام المصري في عهد مبارك كنزاً استراتيجياً (لإسرائيل)– على حد تعبير الوزير الإسرائيلي ديفيد اليعازر -  وكان الخريف العربي والمؤامرة الصهيو أميركية الرجعية على سورية منذ عام 2011 وتسيد مملكة آل سعود المشهد العربي لمرحلة معينة، التي نجحت إلى حد كبير في حرف بوصلة التناقض الرئيسي ليصبح ضد إيران وعموم محور المقاومة ، حيث شكل مؤتمر الرياض في أيار 2017 بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب  محطة مركزية لتشكيل تحالف "سني رجعي أمريكي إسرائيلي" ضد قوى المقاومة في المنطقة ، هذا كله بالإضافة إلى إندغام  أنظمة عربية خليجية وغيرها، في التطبيع المذل مع الكيان الصهيوني والتحالف معه ضد إيران وعموم محور المقاومة.

انتهى