Menu
حضارة

ارفعوا أرجلكم عن رقابنا

حاتم استانبولي

جورج فلويد.jpg

خاص بوابة الهدف

حادثة مقتل جورج فلويد أشعلت الشوارع في الولايات الأمريكية، وبالرغم من أنها ليست الحادثة الأولى التي يُقتل فيها أمريكي (من أصول إفريقية)؛ إلا أن الجريمة وقعت في ظروف اتخذ الصراع بين القوى السياسية والاجتماعية ذروته نتيجة لسياسات الإفقار التي طالت فئات اجتماعية واسعة وعمقتها أزمة كورونا التي اخذت أبعادًا سياسية داخلية وخارجية. داخليًا تعاملت الإدارة الأمريكية مع أزمة كورونا بخفة واستهتار، ومع وصول الفايروس إلى البر الأمريكي وانتشاره الواسع وُضع البيت الأبيض أمام تحديات لم يتعاطَ معها بمنهجية صحيحة، إن كانت على المستوى الداخلي أو الخارجي، وبدلاً من أن يركز على انتشار الفايروس داخليًا بدأ بتصعيد سياسي ضد خصومه وأعدائه. أما الرئيس الأمريكي، فقد أراد استخدام أزمة كورونا انتخابيًا عبر إطلاق تصريحات متناقضة، وكان أبرزها أن ضحايا الفايروس لن يتخطى المائة ألف، وحين اقتربت وتجاوزتها قام بإطلاق حملة سياسة بمسحة أيديولوجية خارجية ضد الصين، واتهمها بالمسؤولية عن انتشار الفايروس،

وانسحب من منظمة الصحة العالمية التي اتهمها بعدم الشفافية، وصعد العداء ضد إيران وسوريا. كل ذلك في محاولة لتصدير أزمته في التعامل مع أزمة كورونا المتصاعدة. جريمة جورج فلويد طرحت عنوانًا قديمًا حديثًا عن السلوك العنصري لجهاز الشرطة الأمريكي، الذي يتعاطى بشكل مباشر مع المجتمع المدني ووظيفته الرئيسية هي حمايته بعيدًا عن سياسة التمييز، هذا الجهاز في كل الدول يجب أن يكون مستقلاً عن الأهداف السياسية، ويفترض أن يقف على مسافة واحدة من جميع الفئات والقوى الاجتماعية، ويتعاطى معها على أساس القانون، حيث هو الجهاز التنفيذي للسلطة القضائية،

بمعنى عليه أن يكون الأكثر حرصًا على تنفيذ القانون بشكل يحقق العدالة بين جميع المواطنين، بغض النظر عن صفات الغنى أو الفقر أو اللون أو الجنس أو العرق، وهو جهاز دولة، وليس جهاز نظام، وهذا يعني أن جهاز الشرطة عليه أن يعبر عن قيم الدولة الديمقراطية، كما تصف نفسها دوائره، وليس مصالح قوى النظام الاستغلالي الحاكم. جريمة جورج فلويد جاءت لتكشف وجه العدالة والحرية والمساواة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لا عدالة ولا حرية؛ إلا للاغنياء،

 في حين أن المساواة أمام القانون أسقطته ركبة ضابط الشرطة؛ ديريك تشوفين التي بقيت لمدة تجاوزت ال5 دقائق فوق رقبة جورج فلويد الذي كان يخاطبه بأنه لا يستطيع التنفس، هذه الركبة التي قتلت جورج فلويد فقط لذنب أن بشرته السوداء التي لم يختارها وولادته في الولايات المتحدة سببه أجداده الذين لم يأتوا إلى الولايات المتحدة بمحض إرادتهم، بل تم خطفهم من أوطانهم من قبل تجار الرق،

ووضعوا في أقبية سفن وبيعوا كسلع في الولايات الأمريكية، وقتلوا وعذبوا وكانت نسائهم تغتصب أمام أعين أزواجهم وأبائهم، وكانوا يجلدون حتى الموت، وعندما تحسنت شروط معيشتهم التي لم تكن تعبر عن رغبة إنسانية، بل لكي يبقوا بقواهم ويتم استغلالهم لفترات أطول واصبحوا يعملوا كخدم للمجتمع الأبيض، وفصلوا بغاتوات ولم يسمح لهم السكن في أحياء البيض أو قريبًا منها، وحتى عليهم أن يجلسوا في مؤخرة الحافلات، ومن يعتق من العبودية عليه أن يحمل شهادة عتقه. بعد نجاح نضالهم من أجل المساواة المدنية القانونية، وأصبحوا مواطنين، فما زال التعاطي معهم بمصطلح (African American) هذا المصطلح الذي يحمل مفهومًا عنصريًا، كما يطلق مصطلح (Latino) على المواطنين من أصول لاتينية. كل هذا يعبر عن أن المواطنة الأصيلة هي للإنسان الأبيض المنحدر من أصول أوروبية،

 هذه الاصول التي أبادت السكان الأصليين (الهنود) في أكبر جريمة ارتكبت على الأرض الأمريكية. بالرغم من كل هذا يخرج ترامب على العالم ويرفع بيده الإنجيل في محاولة لتشريع تصرفاته العنصرية وإعطائها صبغة دينية التي لا يخجل من إجهار إطلاقها ضد الفئات الاجتماعية الأمريكية، إن كانت سوداء أو لاتينية أو صينية أو مسلمة. هذا الظهور الذي أثار حفيظة الكثيرين، مما اضطر بابا الفاتيكان للتصريح عن سماحة الدين المسيحي في إشارة للتنصل من تصرف الرئيس ترامب، الذي لم يبقَ له أصدقاء سوى كوشنير ونتنياهو وحاضنتهم الصهيونية العنصرية الأصيلة.

عبارة جورج فلويد لا أستطيع التنفس التقطتها جماهير باريس وبرلين وستوكهولم ولندن، وخرجت لتستنكر وتعلن رفضها للعنصرية والقتل الميداني. وهنا يطرح تساؤلاً مشروعًا: لماذا لا تخرج التظاهرات للقتل الميداني اليومي للفلسطينيين، بالرغم من أن مشهد جريمة جورج فلويد تتكرر كل يوم في فلسطين؟ لماذا لا تخرج الجماهير الفلسطينية إلى الشوارع لتعبر عن استيائها للجرائم اليومية؛ من قتل ومصادرة واعتقال لتصرخ ارفعوا أرجلكم عن رقابنا؟ ما الذي جرى للإنسان الفلسطيني؟ لماذا اللامبالاة هذه؟ الجريمة بكل المواصفات إن كانت في فلسطين أو الولايات المتحدة ذاتها؛ من حيث الشكل والجوهر ولذات النظام الاستغلالي، إن كان في واشنطن أو فلسطين المحتلة،

والفرق الوحيد أن في فلسطين المغتصبة صيغة الدولة والنظام متلاحمة ومتداخلة وتحمل ذات الصفات الصهيونية العنصرية. هذه الأسئلة برسم القوى الفلسطينية التي تعودت على الممارسات العنصرية الصهيونية، وأصبحت تتعاطى معها على إنها مسألة عادية فقط، تصلح كمادة للمقالات الاستنكارية أو الخطابات، في حين أنها يجب أن تكون مادة فعل استنكاري ميداني؛ يدفع العالم وقواه الحية أن تخرج للتضامن مع النضال الفلسطيني، كما خرجت تستنكر جريمة جورج فلويد. في فلسطين كل يوم يقتل (جورج فلويد) الفلسطيني، وكان آخرهم الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة إياد الحلاق، الذي اغتالته الشرطة الإسرائيلية في القدس ،

 ومن قبل ذات أداة القتل العنصرية. كل يوم تصرخ أمهات الشهداء والأسرى بأنهن لا يستطعن التنفس؛ الأسرى المحجوزة أنفاسهم وحريتهم وشهداء الاغتيال الميداني، يجب أن يكونوا العنوان الأول والمهمة النضالية الأولى على جدول أعمال القوى الفصائلية والمجتمعية والإعلامية لتكون مهمة تجمع الجميع من أجل تحقيقها. إن معيار حرية وعدالة أي مجتمع تقاس بمدى التزام السلطة القضائية والتنفيذية بتنفيذ القانون على الجميع.