Menu
حضارة

"برايتون أصبحت مركزًا للصراع"

"معاداة السامية!".. كيف أسقط حزب العمّال كوربين وأصبح مواليًا لـ "إسرائيل"؟

احتجاج خارج مقر حزب العمال البريطاني المعارض في وسط لندن، 4 سبتمبر 2018.

ترجمة محمد أبو ضلفة - بوابة الهدف

 تعهّد زعيم حزب العمال البريطاني الجديد، كير ستارمر، باتخاذ إجراءات سريعة للتعامل مع أزمة "معاداة السامية" التي طال أمدها في الحزب من خلال تنفيذ نتائج تحقيق هيئة مراقبة المساواة.

ومن المتوقع أن تقدم لجنة التحقيق تقريرها قريبًا، إلا إنها تخضع الآن لتدقيق جدي حول "التحيز المؤيد للمحافظين".

ووافق ستارمر على مطالب مجموعة استشارية "مستقلة"، بما في ذلك كل من حركة العمل اليهودية الموالية لـ "إسرائيل" (JLM) ومجلس نواب اليهود البريطانيين، لحل القضايا والإشكاليات العالقة في التقرير.

وقال رئيس حركة العمل اليهودية الموالية لـ "إسرائيل" (JLM)، مايك كاتز: "لقد شجعنا بالفعل إدانة كير ستارمر القوية لمعاداة السامية، واعتذاره للمجتمع اليهودي والتزامه بالسيطرة على هذه المشكلة، لكننا قلنا دائمًا إن الأفعال هي ما يهم، سيستغرق إصلاح ثقافة الحزب وكذلك جعل إدارته وعملياته مناسبة للغرض بعض الوقت والتركيز".

وأفادت اللجنة المشتركة بأن مجلس النواب أرسل إحاطة إلى حزب العمل بشأن 11 حالة من حالات معاداة السامية المزعومة، التي قالوا إنها "معلّقة وكانت أمثلة على فشل العملية التأديبية للحزب".

كما شمل ذلك عضو اللجنة التنفيذية الموقوف بيت ويلسمان، وعضو آخر في اللجنة الوطنية للانتخابات، ومستشار، ومرشح للمجلس، ورئيس حزب العمل المحلي ورئيس الفرع، بالإضافة إلى العديد من الأعضاء العاديين.

وتم جمع هذه المعلومات بـ "مساعدة مجموعة العمل ضد معاداة السامية (LAAS)"، التي استهدفت أعضاء حملة التضامن مع فلسطين (PSC) في برايتون على مدى عدة سنوات.

 وقد عملت مع مجموعة أخرى وهي "ساسكس أصدقاء إسرائيل" (SFI)، والمعروفة بتكتيكاتها العدوانية تجاه النشطاء - بما في ذلك عدد من أعضاء حزب العمل - الذين يقومون بحملة ضد الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات الفلسطينيين.

في غضون ساعات من اجتماع ستارمر مع مجلس النواب عبر تطبيق ZOOM، تلقى عضوان من PSC إخطارًا بفصلهما، إلى جانب آخرين، مثل أستاذ جامعة بريستول ديفيد ميللر، المؤلف المشارك للكتاب الأخير، Bad News for Labour، إذ قدم الكتاب فحصًا نقديًا للتغطية الإعلامية تجاه كوربين ومعاداة السامية.

وتم طرد أحد أعضاء PSC، ريبيكا ماسي، التي تم فصلها من الحزب في أواخر مايو، بسبب دعمها في السابق لطرد النائب العمالي السابق كريس ويليامسون.

وقالت ريبيكا: إن "اسمها قد تم إدراجه بشكل شبه مؤكد في القائمة التي أعطيت لستارمر، مشيرة إلى أن هذا "لن يحدث أي فرق في دعمي للشعب الفلسطيني".

مع تبني حزب العمل لتعريف معاداة سامية الدولي لمحاربة ذكرى المحرقة (IHRA) في عام 2018، فقد تم تحديد الطريقة التي يمكن أن تنتقد بها "إسرائيل" من قبل أعضاء الحزب، وأثارت المناقشات حول الصهيونية إشكالية كبيرة.

(المترجم: معاداة السامية أو معاداة اليهود، مصطلح يمنح لمعاداة اليهودية كمجموعة عرقية وإثنية، وتم استعماله أوّل مرّة لوصف موجة العداء لليهود في أوروبا الوسطى أواسط القرن الـ 19، وهناك جدل كبير حوله واختلاف، ليس فقط بين الباحثين والأكاديميين، إنما بين السياسيين أيضًا).

لا شك، كانت هناك حالات لأعضاء من حزب العمل ومرشحين محليين استخدموا اللغة والصور الساخرة "MEMES" التي تشمل معادية للسامية، وكان بعضها أمثلة كلاسيكية على معاداة السامية.

وتعامل حزب العمال حينها مع هذه التصرفات من خلال الإجراءات التأديبية، وفي العديد من الحالات، نفى الأشخاص المتورطون بشدة أنهم معادون للسامية، واعتذر البعض عن مشاركتهم هذا النوع من المواد.

رغم ذلك، فقد تم وضع الإجراءات الآن في أيدي المجموعات الخارجية ذات الأجندة السياسية الواضحة، التي يمكنها الآن إغلاق النقاش بتغريدة واحدة أو الاتصال بمقر حزب العمل الرئيسي، وفي بعض الحالات تكون المزاعم التأديبية التي يتم رفعها ضعيفة في أحسن الأحوال ويبدو أنها تهدف إلى إسكات منتقدي "إسرائيل" فقط.

(المترجم: يتضمن تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة "IHRA"، الذي تبناه حزب العمال، على أحداث تافهة وبسيطة منها: السخرية على اليهود من قبل جماعة بسيطة من النازيين الجدد، وبعض الأحداث الكبيرة مثل سن قوانين ضد اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، والكره تجاه المهاجرين المسلمين، وحتى غرف الغاز التي استعملت للقتل على يد النازية في معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة، وما يجعل المصطلح غير دقيق هو أن هذه ظواهر مختلفة جدًا عن بعضها، وشملها جميعًا تحت ذات التعريف يعتبر خطأ معرفيًا).

في برايتون، تخضع نيكي برينان، عضو مجلس العمل المدعوم من جماعة مومينتوم اليسارية، للتحقيق بشأن صورة من احتجاج صورت فيه وهي تحمل لافتة تقول "إسرائيل دولة فصل عنصري".

وفرض على نيكي التنحي عن منصب نائب حزب العمل للإسكان، وهي الآن قيد التحقيق بعد أن قالت مؤخرًا إنها ستواصل معارضة "جميع أشكال التفوق الأبيض".

حاليًا، التصريح بأن "إسرائيل" دولة فصل عنصري هو أمر شائع، ويمكن قراءته في صحيفة مثل هآرتس، والسؤال الذي يبرز هنا: كيف وصل الأمر إلى نقطة أن معارضة "التفوق الأبيض - بما في ذلك التفوق الإسرائيلي اليهودي الأبيض - خاصة خلال الانتفاضة ضد العنف المؤسسي ضد السود،" إلى شيء يعتبره حزب العمل عنصريًا وسوف يعاقب أولئك الذين يمارسونه؟

التخويف وإساءة المعاملة

إضافة إلى ذلك، ما لم يتم الإبلاغ عنه في وسائل الإعلام، هو مستوى المضايقات والتهديدات اللفظية والجسدية، إلى جانب الهجمات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعرّض لها النشطاء المؤيدون لفلسطين، وذلك من قبل عدد من النشطاء المؤيدين لـ "إسرائيل".

كما تعرض العضو العمالي، الذي قدم الاقتراح الناجح إلى مؤتمر حزب العمال 2019 لدعم حق الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم الذين طردوا منهم منذ عام 1948، للإساءة الجنسية الشنيعة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتلقى أحد أعضاء حزب العمل، لوك ستانجر، الناشط في مجموعة "ساسكس أصدقاء إسرائيل" (SFI)، عددًا من الشكاوى من الإساءات والمضايقات التي وجهتها ضده العديد من الناشطات العاملات وعضوة في حزب برايتون وهوف.

جرّاء ذلك، تم تعليق ستانجر من قبل الحزب في عام 2019 بعد تصريحات مسيئة حول مجتمع الروما، إلا أن قضيته لم تصل إلى نتيجة بعد أكثر من عام من تعليقه، ورفض حزب العمل التعليق على قضيته للإعلام.

الصراع في برايتون

يعتقد معظم الناس أن برايتون مدينة ومنتجع يسهل الوصول إليها من لندن، وهي منتجع صحي للأمير ريجنت، وأنها لديها نائب وحيد لحزب الخضر في المملكة المتحدة، وهي موطن لمهرجان Pride السنوي.

لكن هناك جانب آخر لها، وهو أنها لسنوات عديدة، كانت مركز للمواجهة بين النشطاء المؤيدون لفلسطين الذين يدعمون حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) مع النشطاء المؤيدين لـ "إسرائيل"، وهي معركة اجتاحت في نهاية المطاف حزب العمال.

ويعتبر ما يحدث هناك بمثابة "الصدام السياسي بطيء الاحتراق والمرير الذي أدى إلى انقسام الحزب المحلي، وانعكاس لما سيحدث لحزب العمال بعد انتخاب جيريمي كوربين في عام 2015.

طوال فترة ولاية كوربين بأكملها حتى هزيمة الحزب في انتخابات ديسمبر الماضي، وجد مؤيدو برنامجه اليساري الذين كانوا صريحين في انتقاداتهم لـ "إسرائيل" أنهم متهمون بمعاداة السامية، مع تعليق عشرات الأعضاء وطرد بعضهم.

قبل انتخاب كوربين، شهدت برايتون أحد الانتصارات الأولى لحملة مقاطعة "إسرائيل" الدولية ضد مصنع "صودا ستريم" الإسرائيلي، والمالك لمصنع في مستوطنة غير قانونية في الضفة الغربية.

في الآونة الأخيرة، شن النشطاء الموالون لـ "إسرائيل" حملة منسقة ضد النشطاء المؤيدين للفلسطينيين في جميع أنحاء المملكة المتحدة، بما في ذلك إنشاء خريطة تحدد المواقع الجغرافية "المعادية للسامية" المزعومة في المملكة المتحدة وخارجها، إلى جانب عناوين الشوارع.

وأبلغ نشطاء فلسطينيون الشرطة بالخريطة، وتم تسجيلها على أنها حادثة كراهية في حزيران/ يونيو 2019، لكن دون اتخاذ أي إجراء.

في السنوات الأخيرة، ركزت الجماعات الموالية لـ "إسرائيل"، وحملة مناهضة كوربين، أنشطتها على نشطاء حزب العمل اليساريين المعروفين بانتقادهم على الإنترنت لـ "إسرائيل" ودعمهم للقضية الفلسطينية، إذ تم تعليق أو طرد العديد من الأشخاص بسبب معاداة السامية المزعومة، بما في ذلك العديد من نشطاء حملة التضامن "PSC" من برايتون.

يذكر أنه في عهد جيريمي كوربين، تم تقديم نظام تتبع سريع جديد لحالات معاداة السامية والعنصرية "الفظيعة" في 2018، وذلك في سياق عاصفة سياسية وإعلامية غير مسبوقة بسبب أزمة "معاداة السامية" المزعومة.

قال كوربين في تصريحات سابقة له: إن عدد حالات "معاداة السامية" المؤكدة في حزب وصل عدد أعضائه إلى نصف مليون يعتبر صغير جدًا، رغم ذلك أكد على أنه يجب التعامل معهم بـ "حزم وأن هذا كان هدفه عندما كان زعيمًا للحزب".

وتم استخدام نظام التتبع السريع للتعامل مع عدد من الحالات التي توقفت داخل النظام التأديبي للحزب، كما كشف عنه تقرير حزب العمل المسرّب عن تعامل الحزب مع قضايا معاداة السامية من 2014-1919.

وأشار التقرير إلى أن هذا حدث عمدًا لزيادة الأضرار التي لحقت بكوربين من قبل كبار موظفي الحزب الذين كانوا معاديين لقيادته.

وكشف التقرير أيضًا عن لغة عنصرية وجنسية غير رسمية تجاه عضوات حزب العمال السود وأعضاء من ذوي الإعاقة، مع ذلك لم يعلق الحزب أو يحقق رسميًا مع المسؤولين المتورطين في تلك التصريحات.

مطالبات زائفة

إذا أخذ حزب العمل معاداة السامية الآن على محمل الجد، فإن بعض الشكاوى تبدو زائفة، بل سخيفة. ويظهر هذا في تعليق عضوة ليفربول اليسارية جو بيرد العام الماضي، وهي يهودية، إذ أنها أدلت بتصريحات لمدونة صوت اليهود.

ووصفت جو بيرد طرد ناشط حزب العمال المخضرم مارك وادزورث بأنه "غير عادل"، وقالت: "مدونة صوت اليهود تطالب بإيقاف جلسات التأديب مؤقتًا حتى يتم إرساء الإجراءات القانونية على أساس مبادئ العدالة الطبيعية، وهو ما أسميه العملية اليهودية". ما هو ما تسبب باعتبار هذه المزحة معادية للسامية.

بعد التحقيق في هذه المزحة، تم إلغاء تعليق عضويتها، ثم في وقت سابق من هذا العام توقفت أيضًا خلال حملتها الانتخابية بسبب تحقيق زائف آخر، وتم إبطاله بعدها مما سمح بانتخابها.

وتشير هذه الحالات إلى واقع غير مريح حيث تم التحقيق مع بعض أعضاء حزب العمل اليساري، بما في ذلك أعضاء يهود، بسبب آرائهم السياسية ودعمهم لفلسطين، وليس بسبب "معاداة السامية".

وإذا كان لأي شخص الحق في انتقاد "إسرائيل"، فمن المؤكد هم اليهود والعرب الفلسطينيين الذين تأثرت حياتهم بشكل مباشر بسبب سياسات "إسرائيل".

وبحسب مدونة صوت اليهود، كان هناك ما لا يقل عن 25 تحقيقًا في أعضاء حزب العمل اليهودي بتهمة معاداة السامية، وتنبع العديد من هذه الشكاوى من جماعات ناشطة مؤيدة لـ "إسرائيل".

 كان هدف هذه التحقيقات المعلن هو تقويض قيادة كوربين وقاعدة دعمه في الحزب، ومعارضة حملات المقاطعة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

الانفصال عن كوربن

بصفته حزبًا مناهضًا للعنصرية، يجب على حزب العمل أن يعارض سياسات الفصل العنصري الإسرائيلية وخطة الضم الإسرائيلية للضفة الغربية.

ومع ذلك، يبدو أن الحزب من خلال توجهه لحالي إلى تأييد الصهيونية دون انتقاد، وخلط انتقاد "إسرائيل" بمعاداة السامية، وتوجيه القضايا التأديبية إلى الهيئات الموالية لـ "إسرائيل"، يبدو أن إسكات هذه الأصوات هو النتيجة الرئيسية لحملة الحزب في حل أزمة معاداة السامية المزعومة.

ومن الواضح أن رئيس الحزب الحالي ستارمر، يريد إصلاح العلاقات مع الجماعات اليهودية الموالية لـ "إسرائيل" من أجل إعادة الناخبين اليهود، إلا أن الوقت وحده هو الذي سيحدد ما إذا كان سينجح، وما تأثيره على مواقف الحزب السياسية في الشرق الأوسط.

هذه المادة مترجمة عن مقال كتبه الصحافي البريطاني جو جيل، الذي عمل سابقًا في لندن وعُمان وفنزويلا والولايات المتحدة.