Menu
حضارة

رضوخًا للضغوطات "الإسرائيلية"

تقريرالاتحاد الأوروبي والتمويل المشروط للمُؤسّسات الفلسطينيّة: دسٌ للسم في العسل

أحمد بدير

خاص بوابة الهدف

بعث وزير الشؤون الإستراتيجيّة "الإسرائيليّ"، غلعاد أردان برسالة إلى وزير خارجية الاتحاد الأوروبيّ، جوزيف بوريل، في بداية العام الجاري 2020، دعا فيها الاتحاد الأوروبيّ إلى وقف تمويل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينيّة، التي زعم وادّعى أنّها "منظمات لها علاقة بمنظمات إرهابيّة".

وادّعى أردان في حينه أنّه "من الضروري أن يُطالب الاتحاد الأوروبيّ المنظمات، التي تحظى بتمويل، أن تكون شفّافة بشأن استخدام أموال المساعدات. وأطالبكم بالحفاظ على شروط التمويل التي وضعتموها والامتناع بحزم عن تحويل أموال للمنظمات، المرتبطة بالإرهاب"، على حد تعبيره.

موجة من الرفض والاستنكار، أعربت عنها مؤسّسات أهليّة فلسطينيّة عديدة، إزاء ما اعتبرتها "شروط تمويل جديدة"، فرضها الاتحاد الأوروبي لتقديم التمويل لها.

واعتبرت المؤسّسات الأهليّة أنّ الشروط الجديدة "غير مُبرّرة، وتشكّل رضوخًا لحملة التحريض والضغط الإسرائيليّة على دول الاتحاد"، ووفقًا لشبكة المنظمات الأهليّة، التي تضم 135 مؤسسة غير حكوميّة، تنص "الشروط الجديدة على ألّا يكون المتعاقدون مع الاتحاد الأوروبي، أو المشاركون في الورشات التدريبيّة، ممن تندرج أسماؤهم ضمن قائمة المنع الخاصّة بالاتحاد الأوروبيّ".

"محاولة لتجريم كفاح شعبنا"

بدوره، اعتبر الكاتب والباحث في مجال المجتمع المدني محسن أبو رمضان خلال اتصالٍ هاتفي أجرته "بوابة الهدف"، أنّ "هذه الشروط التمويليّة تأتي في ظل استجابة الاتحاد الأوروبي لضغوطات إسرائيل ومجموعات اللوبي الصهيوني في أوروبا الذي يُحاول تجريم كفاح الشعب الفلسطيني وينزع الشرعيّة الدوليّة والقانونيّة عن طبيعة هذا الكفاح"، مُشيرًا إلى أنّ "إسرائيل لديها علاقات اقتصاديّة وتجاريّة وماليّة وإستراتيجيّة وعسكريّة مع بلدان الاتحاد الأوروبي وتريد أن تستثمر وتوظّف هذه العلاقات لصالحها في مواجهة الشعب الفلسطيني".

ورأى أبو رمضان خلال حديثه مع الهدف، أنّ "إسرائيل نجحت في موضوع شروط التمويل الذي يتضمّن إدراج بعض فصائل المقاومة الفلسطينيّة على قائمة الإرهاب، وهي: فتح وجناحها العسكري، حماس وجناحها العسكري، الجهاد الاسلامي وجناحها العسكري، الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبيّة – القيادة العامة"، لافتًا إلى أنّه "ليس من المنطقي موافقة منظمات العمل الأهلي على هذه الاشتراطات؛ لأنّها تصب في خدمة الرؤية الصهيونيّة لكفاح الشعب الفلسطيني، لشعبٍ يخضع تحت الاحتلال ومن حقه وفق القانون الدولي ممارسة كافة أشكال النضال المشروعة لكنس هذا الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال الوطني".

"حل وسط ليس كافيًا"

كما أكَّد أنّ "شبكة المنظمات الأهليّة ومنظمات حقوق الإنسان قامت بإجراء مفاوضات وحوارات مع ممثلي الاتحاد الأوروبي في فلسطين وجرى التوصّل إلى حل وسط مفاده أنّ مندوب الاتحاد صاغ رسالة أكَّد فيها أنّه لا يُجرّم كفاح الشعب الفلسطيني وفصائل العمل الوطني، واُعتُبر هذا كحلٍ وسط مع التأكيد على استمراريّة النضال من أجل إقناع الاتحاد بضرورة تغيير شروط العقد من الأساس، وعدم ذكر هذه المنظمات بأي حالٍ من الأحوال، على اعتبار أنّ كفاح شعبنا الفلسطيني وفصائله الوطنيّة عملاً مشروعًا".

وأردف أبو رمضان بالقول: "أنا شخصيًا لا أرى أنّ هذا الحل الوسط مُلائمًا، ويجب أن يستمر موقف منظمات العمل الأهلي في الضغط من أجل إنهاء هذا الأمر، وعدم الموافقة، خاصة إذا أدركنا أنّ شروط التمويل المُسيّس يتناقض مع القانون الأساسي الفلسطيني في المادة (31) التي تمنع المنظمات الأهليّة من الحصول على تمويل مغلّف بشروطٍ سياسيّة".

يُشار إلى أنّ "البند 1.5 الوارد في الملحق رقم 2 من اتفاقيات التمويل ينص على أن المؤسسات الفلسطينيّة مُلزمة بالتأكّد أنّه لا يكون المتعاقدون الفرعيون أو الثانويون معها، أو المشاركون في ورشاتها التدريبيّة، أو من يحصل من خلالها على دعم ماليّ، ممن تندرج أسماؤهم ضمن قائمة "المنع" الخاصّة بالاتحاد الأوروبيّ"، فيما يمنح "البند 12.2 من الملحق الثاني الاتحاد الأوروبيّ الحقّ في فسخ العقد من طرف واحد، إذا تبيّن له -من خلال حُكم قضائيّ نهائيّ أو قرار إداريّ أو من خلال أدلّة في حوزته - بأن المستفيدين من المشروع الذي يموّله متورطون بتهم تتعلّق بالرشوة والفساد، أو المشاركة في تنظيمات إجراميّة، أو في ارتكاب هجمات إرهابيّة أو في تمويل ما يُسمى الإرهاب".

وفي السياق، تحدّثت "بوابة الهدف" مع الكاتب والمُحاضر في العلوم الاجتماعيّة بجامعة بيت لحم وسام رفيدي، والذي شدّد بدوره على أنّه "دائمًا وأبدًا هناك ضغوطات لفرض شروطٍ تمويليّة على المؤسّسات الفلسطينيّة غير الحكوميّة، وكانت الضغوطات الأبرز من قِبل الوكالة الأمريكيّة (USAID). هذه المؤسّسة تاريخيًا كانت ذراعًا لوكالة الاستخبارات المركزيّة الأمريكيّة (CIA) وتم فضح دورها التخريبي في كثير من المؤامرات وتبيّن أنّها ليست وكالة تنميّة".

وأكَّد رفيدي أنّ "المشكلة الجديّة ليست في أنّ الشروط من حيث المبدأ فقط يجب أن تكون مرفوضة، ولكن الكارثة هي تحويل المنظمات غير الحكوميّة إلى مخبرين (جواسيس)، ويطلب المموّل من المنظمات تزويده بأسماء الموظفين والمنتفعين والمستفيدين من برامجها".

مؤسّساتٌ وهميّة

وبيّن رفيدي أيضًا أنّ "هدف التمويل المشروط هو ضرب صلب الموقف الوطني لأنّه من المفترض أن النشاط الاجتماعي والمجتمعي للمنظمات غير الحكوميّة يكون نابعًا من استقلاليّة القرار والموقف بعيدًا عن الشروط"، مُضيفًا: "أنا شخصيًا لا أضع كافة المنظمات غير الحكوميّة في سلّة واحدة، فعلينا التمييز ما بين المنظمات التي تستهدف قطاع الفلاحين والمزارعين وتعمل على اسنادهم بشكلٍ جدي، ومؤسّسات الخدمات الصحيّة، وبين المنظمات التي لا يوجد أي داعٍ لوجودها إطلاقًا. هناك مؤسّسات تعمل في الشفافيّة والحوكمة، عن أي شفافيّة وحوكمة نتحدّث لشعب تحت الاستعمار؟! وهناك منظمات تصب كافة جهودها لتعزيز حقوق الإنسان، أي حقوق إنسان وأنتم من 30 عامًا تتحدّثون عن حقوق الإنسان وتزداد الأمور سوءًا؟! تتحدّثون عن حقوق المرأة ويزداد وضع المرأة سوءًا، وبالتالي هناك قاطعًا واسعًا من المنظمات غير الحكوميّة تكون الاستفادة الوحيدة منها هي استفادة القائمين عليها فقط".

وتابع رفيدي: "الهدف غير المُعلن للتمويل المشروط هو خلق فئات طبقيّة مُستفيدة من التمويل، وهذه الفئات ترهن موقفها السياسي لموقف الاتحاد الأوروبي وتصبح هذه الفئات تُفكّر بطريقةٍ ليبراليّة، ومع الوقت تصبح فئات مُسالمة تطبيعيّة مُعادية للعمل الثوري والوطني، وهذه هي الاستفادة الأساسيّة من كل هذه المنظمات"، لذلك رأى رفيدي أنّ "القاطع الواسع هذا من المنظمات بات مُخرّبًا على الأرض أكثر منه نافعًا، لكن المشكلة الآن في أنّ الهجمة تجري على المنظمات ذات التأثير الحقيقي على الأرض، وتقوم بأعمال حقيقيّة كالاتحادات الزراعيّة والصحيّة، كل هذه المؤسّسات لها تأثير حقيقي لذلك يتم استهدافها والتضييق عليها".

وأضاف رفيدي أيضًا أنّه "في ظل هذه الشروط التمويليّة والاستهدافات المُتكرّرة تصبح حتى المؤسّسات التي تلعب دورًا تخريبيًا على الساحة الفلسطينيّة تتبجّح وتقول أنّها مُستهدفة".

طوقُ النجاة 

رفيدي أوضح أنّه "على المؤسّسات المستهدفة وهي ذات تأثير حقيقي اللجوء للخيار الأصعب. وبالمُناسبة هذه المنظمات جمعيها تأسّس في الانتفاضة الشعبيّة عام 1987؛ سواء اللجان الطوعيّة للعمل الصحي، أو للعمل الزراعي، وكان تمويل هذه اللجان ذاتيًا من قِبل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، لكن بالأساس كان نشاطها طوعيًا وليس مؤسّسة مليئة بالموظفين!، هذه المؤسّسات يجب أن تعمل على تغيير جدّي وأنّ تُعيد بناء نفسها كمنظماتٍ طوعيّة وليس على أساس مؤسّساتي، ويجب أن تستند لتمويل داخلي. لماذا الجميع يفكّر بأن التمويل هو من أوروبا فقط؟! هناك تمويل عربي، أو لتبحث هذه المنظمات عن مصادر تمويليّة جديدة، أو مشاريع حيويّة تُدر عليها دخل".

وانتقد رفيدي هيكلة بعض المنظمات غير الحكوميّة، يُتابع: "هناك مؤسّسات فيها 300 أو 400 موظّف وهنا نتحدّث عن ميزانيات ضخمة، لكن عندما يكون لدينا في المؤسّسة 20 أو 30 موظف والباقي متطوعين تستطيع المؤسّسة توفير رواتب الموظفين من أي مصدر، وبالتالي هناك مشوار طويل أمام هذه المؤسّسات لتُعيد بناء نفسها كمؤسّساتٍ طوعيّة، وليس مؤسسات تتطلّب كم هائل من الرواتب للموظفين والمكاتب والتجهيزات".

تقصير السلطة

كما أكَّد الأكاديمي رفيدي على أنّ "المنظمات المُؤثّرة وتتعرّض للاستهداف حاليًا هي بالأساس مؤسّسات طوعية مُساندة، ولكن تأثيرها وحجمها الكبير الأرض هو بسبب أنّ المؤسّسة الحكوميّة غير قائمة بدورها الحقيقي، وفي النقاش التاريخي حول المجتمع المدني دائمًا تكون الحاجة لمؤسّسة وسيطة ما بين العائلة والدولة، أي أنّ هذه المؤسّسات هي صوتٌ مُعارض، صوتٌ بديل، وبالتأكيد لسنا بحاجة لمُؤسّسة بديلة إذا كانت المؤسّسة الرسميّة قائمة بدورها، فمثلاً هناك مؤسسات صحية تدير مراكز صحية تتبع لوزارة الصحة التابعة للسلطة! وكانت تدفع رواتب الموظفين وأجرة المقرات من ميزانيتها الخاصة"، مُؤكدًا أنّ "الدور الحقيقي والمهمة الأساسيّة هو طرح بديل مجتمعي لدور هذه السلطة، وليس الصرف عليها، ما يحتّم وجود حد فاصل ما بين المُساندة في بعض الخدمات الزراعيّة والصحيّة الهامة جدًا جدًا، ولكن لا أذهب لتمويل السلطة الفلسطينيّة!". 

وختم رفيدي حديثه مع "بوابة الهدف"، مُشددًا بالقول: "بدلاً من أن تُخصّص السلطة 37% من موازنتها العامة للأجهزة الأمنيّة لتضع هذه النسبة لدعم القطاع الزراعي، حينها ستُصبح في غنى عن المؤسّسات الزراعيّة غير الحكوميّة، وكذلك الأمر في المجال الصحي، ولذلك المنظمات غير الحكوميّة ليس من دورها تمويل السلطة، بل تقديم بديل سياساتي مجتمعي خارج إطار السلطة الرسميّة وسياساتها الاجتماعيّة التي تخدم رأس المال وبعيدة كل البعد عن خدمة الفئات الشعبيّة، فهُنا يوجد بعد طبقي في سياسة هذه المنظمات غير الحكوميّة".

ويُشار إلى أنّ قائمة "المنع" الأوروبيّة، أقرت عام 2001، وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2019، وسلّمت 135 مؤسّسة أهليّة فلسطينيّة، رسالة للقائم بأعمال ممثّل الاتحاد الأوروبي في القدس ، توماس نكلسون، توضّح موقف المؤسسات "الرافض لشروط تمويل جديدة من قبل الاتحاد الأوروبي"، مُطالبةً "بشطب البنود التي تنصّ على تمويل مشروط".

وفي وقتٍ سابق، أكَّدت الحملة الوطنية لرفض التمويل المشروط، أنّه "من الطبيعي أن تسعى إسرائيل، كأي قوة استعمارية عرفها التاريخ، إلى دفع الدول الأخرى إلى تبني روايتها بالكامل، وفي الحالة الفلسطينية، تهدف إسرائيل من هذه الهجمة إلى دفع الاتحاد الأوروبي إلى تبني روايتها كاملة بنفي حقوق الفلسطينيين بشكلٍ عام، لا سيما حقهم في تقرير مصيرهم والعودة والمقاومة حتى تحقيقهما".

وشدّدت على أنّ "ما يجري من هجوم لا يعدو كونه محاولة إسرائيلية لتحقيق مزيد من الابتزاز للاتحاد الأوروبي من جهة، وإغراء للمؤسسات الفلسطينية للقبول بشروط التمويل من جهة أخرى؛ وهو الأمر الذي اعتاد الفلسطينيون على مواجهته كلما برز لديهم موقف وطني متماسك ومتقدم".

ودعت الحملة "الاتحاد الأوروبي إلى الغاء شروطه الجديدة بشأن تمويل المؤسسات الأهلية، على الأقل لحفظ هيبته وكرامته أمام اسرائيل التي تنعم بما يمنحها الاتحاد من امتيازات وأفضلية في العلاقات والتعامل، وبلا شك فإنّ هذه الهجمة الإسرائيلية تثبت أن الادعاءات الإسرائيلية الكاذبة التي تتحول إلى مطالبات وشروط غير متناهية، وأن السبيل إلى مقاومتها هو رفض الرضوخ لها".

ومن المقرّر أنّ تعقد شبكة المنظمات الأهلية اجتماعًا لها يوم الثلاثاء القادم في رام الله لمُناقشة واتخاذ قرار بشأن الشروط الأوروبية الجديدة التي تجرّم النضال الفلسطيني.