Menu
حضارة

أمريكا في عين العاصفة: تدهور إمبراطورية أم نهاية حلم!

م. تيسير محيسن

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

تشهد الولايات المتحدة احتجاجات واسعة على خلفية مقتل جورج فلويد، في وقت لا زالت ترزح فيه تحت وطأة جائحة كورونا، حيث الانتشار السريع وارتفاع أعداد الإصابات والوفيات وتفشي البطالة في ظل أزمة اقتصادية كبيرة.

تضفي شخصية الرئيس ترامب طابعًا مأساويًا على المشهد، وهو يحاول استغلال الأزمة لحسابات انتخابية، وإظهار نفسه بوصفه زعيمًا قويًا يمثل "النظام والقانون". هذه المقالة محاولة لفهم ماذا يحدث هناك من منظور تحليلي؟!

قبل أيام قليلة من إعلان فوزه، كتب حازم صاغية سلسلة من المقالات تناول فيها شخصية ترامب وقدم تأصيلا لما أسماه "الترامبية"، حيث ردها إلى شخصيات واتجاهات اتسمت بالتطرف والمغالاة في هوامش الحزب الجمهوري. كانت المحطة الأولى مع زعيم شعبوي عارض الاتجاه توزيع المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية بشكل عادل. محطة ثانية مع زعيم شعوبي آخر نادى بالفصل العرقي ودعا إلى الارتداد إلى كونفدرالية الجنوب. ثم برز جوزف مكارثي، وذاك الذي هدد باستخدام السلاح النووي لحسم صراع الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي السابق. في المحطة الأخيرة، تعدت جماعات اليمين المتطرف الهامش الجمهوري إلى المتن الحزبي.

بينما يعتبر كل من نيكسون وريغان مجرد حليفين سياسيين لليمين المتطرف، ينظر لليمين الإنجيلي باعتباره حليفًا انتخابيًا. جورج بوش الابن أطلق هامشًا جمهوريًا مختلفًا هو "المحافظون الجدد" بوصفهم نخبة من المثقفين لا تيارًا في الحزب (تدخليون في السياسة الخارجية وليسوا انعزاليين) يتمسكون بالدور الريادي للولايات المتحدة في العالم، ويجمعون بين القيم والمصالح، فيما يعرف بالديموقراطية الليبرالية.

الترامبية خلاصة كل ما سبق الذي يحمل جوهرًا واحدًا "القومية العدوانية البيضاء" التي ترفض المساواة بين الأبيض والأسود، وبين الرجل والمرأة. ترامب يضيف على كل ذلك نكهته الخاصة ارتباطًا بشخصية تاجر العقارات.

كيف تعامل ترامب مع الأزمة؟

لم يكن مقدرًا لترامب إجادة التعامل مع الأزمات؛ فهو الديماغوجي الذي وصل إلى الحكم محملًا على الكراهية العرقية والطائفية؛ أيد عنف الشرطة وشجع عليه، كما عزز عسكرتها، هذا ونسب اخفاق إدارته في التعامل مع الأزمة إلى الآخرين. لجأ إلى الانجيل ليظهر حزمه وقوته وليكسب تعاطف الكنائس الإنجيلية، هذا وقد تعرض لانتقادات واسعة من النخبة الأمريكية وزعماء العالم.

كشفت الأزمة مدى ضعف الحزب الجمهوري أمام ترامب، الذي جاء من هوامشه وبدلًا من لومه أو تقريعه تواطأ الحزب مع الأكاذيب الصريحة للرئيس ومضارباته التي لا أساس لها، وتفاخره العلمي المبالغ فيه حد السخرية. وإذا صح أن هيبة أمريكا تتراجع مثلما سوف نرى لاحقًا، فالسبب ليس السلاح ولا المال، وإنما ترامب نفسه والانقسام الداخلي الذي يتعمق طالما بقي في الحكم. نعته تشومسكي بالمعتل الاجتماعي والمهرج الذي لا يهتم إلا لنفسه والشخص الأسوأ الذي يمكن أن يقود أمة "جريحة" و"منقسمة"، كما يحذر من أن العالم بقيادة ترامب يواجه مصيرًا مروعًا ارتباطًا بخطرين وجوديين هما الحرب النووية والاحتباس الحراري.

كان لتزامن مقتل فلويد مع كورونا دور في كشف الأوضاع المزرية التي تعيشها الأقلية السوداء في مجتمع رأسمالي، الأكثر عرضةً للإصابة بالعدوى، الأكثر تضرّرًا من التبعات الاقتصادية والاجتماعية (معدل البطالة في صفوفها وصل إلى 16.8%). اجتمع على الأقلية شكلان من الظلم العنصري، جائحة بلغت فيها نسبة الوفيات في أوساطها أعلى بثلاث مرات منها بين السكان البيض، والثانية وحشية الشرطة، ويدلّ ذلك على مدى التهميش والتمييز المؤسسي الذي تتعرّض له هذه الأقلية (40 مليونًا، 13% من السكان). تعاني أوساط الأقلية من معدلات متدنية في التعليم وفي الأجور ومن الاختلال في توزيع الثروة بين الأسر البيضاء والسوداء بأكثر من 10 مرات لصالح الأولى.

دللت الأزمة الأخيرة على أن أمريكا لم تنجح بعد في تجاوز التاريخ المرير للعبودية والتمييز العنصري في الممارسة العملية والثقافة السائدة حتى في بعض مؤسسات تطبيق القانون، على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على شمول الأميركيين من أصل أفريقي في الديمقراطية الليبرالية، وانتصار مبدأ المواطنة والحقوق المدنية.

هناك من شبه "العنصرية الممأسسة" بالفيروس التاجي من حيث سرعة الانتشار، واعتبارها "أمرًا واقعًا" يجب التعايش أو التكيف معه. لم يكن مقتل جورج فلويد حادثًا غريبًا أو فريدًا؛ فكل عام يسقط عشرات الأشخاص ضحايا الحوادث العنصرية التي تطول كل الفئات المجتمعية والثقافية وقد تفاقم الحال منذ وصول ترامب إلى البيت البيضاوي، ويرى البعض أنه حتى وصول باراك أوباما الأمريكي من أصل إفريقي للحكم لم يؤد إلى تغيير حقيقي، بل حدث العكس تماما.

من يكسب الانتخابات؟

في نتيجة ذلك كله، يبدو أن ترامب بات مكروهًا على نطاق واسع، ومع ذلك يصعب التكهن اليوم بنتائج انتخابات الخريف؛ أولًا، بايدن، المرشح الديموقراطي الذي لم يخرج من عباءة أوباما، ليس أفضل حالًا، وترامب، رغم نتائج استطلاعات الرأي الحالية (55% من المستطلعة أراءهم رفضوا طريقة تعامله مع الأزمة، وعبر 64% منهم عن تعاطفهم مع المتظاهرين) يمكن أن يحصل على 270 مندوبًا في المجمع الانتخابي للفوز بفترة رئاسية ثانية، وقد أظهر حزمًا وحسمًا دفاعًا عن "القانون والنظام" ولا زال له أنصار ومؤيدون في الضواحي والمناطق الريفية وهم من الذين لم يصوتوا من قبل، لم ينضموا إلى الاحتجاجات حتى وإن لم يرق لهم عنف الشرطة، هذه هي الأغلبية الصامتة التي يراهن عليها الجمهوريون.

بعض المراقبين يرون أن الأمر ليس سهلًا، والنتيجة ليست من يفوز ترامب أم بايدن، وإنما إمكانية انعقاد الانتخابات ذاتها! يقول توماس فريدمان "لست متأكدًا أننا سنكون قادرين على تنظيم انتخابات حرة ونزيهة جديدة في نوفمبر2020".

السياسة الخارجية: نهاية إمبراطورية!

لطالما اتسمت السياسة الأمريكية بالحياد والعزلة قبل أن تتطلع إلى خارج حدودها، ثم تأرجحت طوال العقود التالية بين الانطواء والانفتاح. لسنوات طويلة هيمن عليها العقائديون المؤمنون بالهيمنة الأمريكية والسيطرة على مصادر الطاقة والثروة الطبيعية وعدم السماح بقيام قوى منافسة؛ من بين الأشياء التي كشفت عنها الأزمة، درجة العزلة الفكرية والنفسية التي يعيشها الأمريكيون عن بقية العالم.

إن في تطور العوامل الداخلية وتبدل الظروف الدولية (كورونا، أزمة الليبرالية الجديدة، صعود الصين) ما يجعل من استمرار هيمنة أمريكا على العالم أمرًا شبه مستحيل في المستقبل، بغض النظر عن فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية أو وصول منافسه الديمقراطي جو بايدن للمنصب. وإن مما يفاقم الأمر حدة الاستقطاب (الذي وصل حد الانقسام الداخلي وينذر بحرب أهلية)، أيضًا تراجع قوة الاقتصاد الأمريكي عالمياً؛ والمؤشر الأبرز على ذلك تقلص الفجوة بين الاقتصاد الأمريكي ونظيره الصيني (مع نهاية العام الماضي، تراجعت نسبة الناتج المحلي الأمريكي عالميًا إلى نحو 24% فقط في مقابل أكثر من 15% للناتج المحلي الصيني)، وأخيرًا تبدل هيكل السلطة في عالم اليوم وبروز قوى جديدة عسكرية وسياسية واقتصادية. ولما كانت الهيمنة والسيطرة على العالم، تعكس شعورًا دفينًا بالتميز والتفوق الحضاري والثقافي؛ فإنه مع ترامب وسوء إدارته، تفقد أمريكا هذا الامتياز وتتضاءل سلطتها الأخلاقية وجاذبية نموذجها، حتى بات البعض يتنبأ لها بذات مصير بريطانيا العظمى بعيد أزمة السويس، وأنها ربما تعيش لحظة "سوفييتية" وترامب هو يلتسين (ها). أمريكا هي رجل القرن 21 المريض!

 

في نتيجة ذلك، يبدو أن أمريكا تشهد نهاية "حلمها"؛ أي النجاح في "أرض الحرية" بغض النظر عن الطبقة أو لون البشرة أو المعتقد الديني! هناك من يرد المسار الهابط إلى سبعينيات القرن الفائت حين دب الضعف في العقد الاجتماعي الأمريكي من خلال الركود التضخمي، وأزمة الطاقة، وحرب فيتنام. اليوم لم يعد ثمة ما يجعل أمريكا عظيمة في نظر العالم، بعد كورونا كل شيء أمريكي بات موضع شك!

ثمة من يحذر من الاستعجال في إطلاق الأحكام؛ فالولايات المتحدة تنفق على جيشها أكثر من الدول السبع التالية مجتمعة (750 مليار دولار)، ولا تزال تدير شبكة من مئات القواعد العسكرية المنتشرة في الأرض (800 قاعدة)، حيث لا يوجد بلد آخر ينافسها في قدرتها وإمكانياتها العسكرية والاقتصادية ونموذجها الثقافي ونمط حياتها.

في غضون عقدين، تغير منظور السياسة الأمريكية في التعامل مع الوضع العربي، تراجع مفهوم "المسرح العربي" الاستراتيجي، وبالتالي، همشت مصالح أطرافه، سمح لروسيا بالنفاذ إلى المنطقة، استمر التركيز على العلاقات المميزة مع إسرائيل وتحييد القضية الفلسطينية. مع أوباما، انعقدت رهانات على سياسة جديدة، تقطع مع تلك التي تبناها ومارسها بوش الابن وتيار المحافظين، وسرعان ما خاب أملهم فتعلقت أرواحهم بترامب؛ القادم الجديد الذي بدا أنه سيعيد الأمور إلى "نصابها" بمواجهة روسيا وطرد إيران ودعم الأنظمة العربية "المعتدلة"، وإذا به يطرح صفقة ظالمة ويقدم دعمًا غير مسبوق لحكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، ويغرر بحلفائه العرب ويتخلى عنهم ويبتزهم، ويمارس سياسة انسحابية. تجد هذه السياسة لها تفسيرًا في استراتيجية الدفاع الوطني 2018، التي حددت التحدي المركزي للأمن الأمريكي بأنه "عودة ظهور منافسة استراتيجية طويلة الأجل مع الصين وروسيا، تتطلب تخفيضًا كبيرًا للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إن لم يكن انسحابها الكامل".