Menu
حضارة

في ضوء الانتفاضة غير المسبوقة ضد العنصرية الولايات المتحدة إلى أين؟

عليان عليان

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

 

المظاهرات الصاخبة، وغير المسبوقة التي تعم معظم الولايات والمدن الأمريكية، منذ السادس والعشرين من شهر أيار/مايو الماضي، احتجاجاً على قيام ضابط شرطة أبيض بقتل الأمريكي من أصل أفريقي، "جورج  فلويد"، في مدينة مينابوليس بولاية مينيسوتا، وسط صمت زملائه من أفرد الشرطة، هي انتفاضة حقيقية ببعد مناهضة العنصرية، وببعد الكفاح الطبقي ضد غياب العدالة الاجتماعية في المجتمع الأمريكي. وقد كشفت هذه الانتفاضة، مدى العنصرية المتغلغلة في النظام السياسي النيوليبرالي القائم عملياً على حزبين، وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، والتي انعكست بشكل خطير على نظام العدالة الأمريكي،  وعلى  سلوك منظومة الشرطة الأمريكية، وهذه العنصرية - كما قال ريتشارد بيكر منسق "حركة (أنسر) المناهضة للفاشية والعنصرية في الولايات المتحدة - هي سمة ملازمة للنظام السياسي الأمريكي.

كما كشفت هذه الانتفاضة، عن تراجع النظام النيوليبرالي المتوحش في أمريكا، عن معظم الحقوق التي حصل عليها السود بعد انتفاضة عام 1968، وألقت الضوء بأثر رجعي على سلسلة الجرائم الوحشية التي ارتكبت بحقهم ، على مدى عدة عقود من القرن الماضي، وخلال العقد الثاني من هذا القرن. وفي ضوء تطورات الانتفاضة الأمريكية نتوقف أمام العناوين التالية:

 الكفاح ضد العنصرية

فالسيستم الذي يتربع في ثنايا هذا النظام، هو سيستم عنصري بامتياز؛ بشهادة كبار المسؤولين في الحزب الديمقراطي مثل السناتور الديمقراطي بيرني ساوندرز، وبشهادة الكثيرين من الكتاب والمفكرين في الولايات المتحدة، رغم بعض الحقوق والتعديلات القانونية التي حصل عليها الأمريكان من أصل أفريقي، نتيجة نضالات حركة الحقوق المدنية التي كان يتزعمها مارتن لوثر كينج،  خاصةً إثر انتفاضة عام 1968 التي اندلعت إثر اغتياله، إذ أنه وبمقتل كينغ شهدت الولايات المتحدة أكبر موجة من الاضطرابات الاجتماعية منذ الحرب الأهلية في 130 مدينة، لكن هذه التعديلات القانونية النسبية لصالح السود لم تعمر طويلاً، إثر انقلاب الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" الجمهوري عليها بعد انتخابه في تشرين ثاني/ نوفمبر 1968،  فحسب صحيفة " الجارديان" البريطانية، ذهب القادة الجمهوريون منذ ذلك التاريخ إلى استخدام العنصرية سلاحاً للبقاء في السلطة،التي استخدموها لمتابعة السياسات التي تثري الأغنياء بالفعل على حساب العمال العاديين. ولا يغير من واقع الصورة وصول بعض الأنتلجنسيا الأمريكية، من أصل أفريقي إلى مواقع نافذة في النظام مثل "باراك أوباما" الذي شغل موقع رئيس الولايات المتحدة لفترتين رئاسيتين متتاليتين، ومثل كولن باول الذي شغل موقع وزير الخارجية، وكذلك كونداليزا رايس التي شغلت موقع مستشارة في الأمن القومي ووزيرة للخارجية، وسوزان رايس التي مثلت الإدارة في الأمم المتحدة، وموريل باوزر- التي تشغل حالياً موقع عمدة واشنطن العاصمة- والذين جرى توظيفهم كديكور وكأداة لتبييض وجه النظام النيوليبرالي المتوحش في الولايات المتحدة.

ولعل آلاف حوادث القتل والاعتداءات المتعمدة، على الأمريكان من أصل أفريقي، والتي عادة ما تكون  لأسباب تافهة مثل: مخالفات السير، أو الاشتباه بالسرقة، أو بتهمة تعاطي المخدرات - التي يعمل جهاز "أل أف، بي، آي" على نشرها في أوساط الأفارقة - وغيرها، بعيداً عن القانون، والمحاكمات لأكبر دليل على ذلك؛ ناهيك أنه رغم هذا السجل الإجرامي للشرطة بحق السود، ورغم آلاف المناشدات في مظاهرات احتجاجية سابقة، لإجراء تعديلات على نظام الشرطة وسلوكها للحد من تغولها على السود، إلا أن هذه الاحتجاجات لم تلقَ آذاناَ صاغية من قبل الإدارة الفيدرالية، أو من قبل حكام الولايات سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين.

ولا يقتصر التمييز العنصري ضد الأمريكيين من أصل أفريقي فقط، بل يتعداهم ضد المهاجرين والأعراق الأخرى، ولا نبالغ إذا قلنا أن عدم المساواة العرقية والأثنية، باتت سمة واضحة من سمات النظام السياسي في الولايات المتحدة، وباتت الفوارق العرقية تتغلغل عميقاً في نظام العدالة الجنائية وتقوض فعاليته. ويواجه اليوم قرابة 100 من كل ألف شاب أسود، النسبة الأعلى من التعرض لخطر القتل على يد الشرطة، وذلك وفق دراسة أجريت مؤخراً في مركز أبحاث شهير، وتم  الإشارة إليها من قبل ائتلاف القادة الأمريكيين الأفارقة، هذه الدراسة تبين أن عمليات قتل الشرطة ممنهجة ومتميزة، في ما يتعلق بالجنس والعمر والعرق.

وتشير تقارير وإحصاءات أمريكية؛ أن 99 في المائة من حوادث القتل والاعتداءات من قبل الشرطة، وأشخاص ينتمون لمنظمات عرقية إرهابية في الولايات المتحدة،  كانت ضد السود، إذ بلغت في الفترة ما بين 2014 – 2019 معدل ألف حادث قتل في السنة، دون أن تلقى  أدنى إدانة من القضاء الأمريكي. كما تفيد الإحصاءات الرسميّة  الأمريكية، أن عمر الأمريكي الأسود أقل من نظيره الأبيض بسِت سنوات، وأن نسبة السود  في السجون الأمريكية أكثر بـ 43 بالمِئة رغم أنهم يشكلون (13) بالمائة من مجموع السكان، ولا يُوجَد منهم إلا سيناتورين من مجموعِ  مائة من مجلس الشيوخ، و (44) نائباً في مجلس النواب، الذي يزيد تِعداده عن (435) نائباً. وحسب "غايل فرازير" القيادية ضمن ائتلاف القادة الأمريكان الأفارقة- فإن مهمة الكثيرين  من رجال الشرطة في الولايات المتحدة، منذ توطين السود فيها، هي بمنزلة صائدي العبيد، وأن هذه المهمة تجذرت في عقولهم، واستمر هذا الأمر عبر العقود المتتالية، ولم يتغير شيء من هذا الأمر. وتضيف غايل فرازير: "في الوقت الذي لا أستطيع تصنيف كل رجال الشرطة تحت هذا التصنيف، ولكن لسوء الحظ فإن الكثيرين منهم كذلك، وهم شديدو اللؤم، وهم يعادون جنسنا، بسبب الكره المتجذر فيهم، ونتيجة انعدام العدالة في هذا البلد، فبينما يطلق سراح رجال الشرطة ولا توجه إليهم التهم، وفي حال وجهت إليهم التهم فإنهم يبرؤون... وتستمر الحكومة في دعم الشر واللؤم، الذي يمارسه هؤلاء الأفراد باستمرار ضدنا كمجموعة من الناس، فالعنصرية موجودة في كل مفاصل الدولة وفي كل مناحي الحياة هنا".   

فالنظام العنصري الذي جرى تدشينه في أمريكا منذ (400) سنة، والذي وضع خلاله الأفارقة في ظروف غاية في الوحشية، لا يزال قائماً رغم الحرب الأهلية الأمريكية التي ساهمت في إنهاء "نظام العبودية"، لكنها لم تنهِ حتى اللحظة النظام العنصري في الولايات المتحدة.

صحيح أن الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن أنهى قبل (150) عاماً نظام العبودية -وهذه خطوة تحسب له-، لكنه لم ينهِ العنصرية وثقافتها المتجذرة في النظام الرأسمالي الأمريكي، وفي ثقافة القوى السائدة في المجتمع الأمريكي، والتي انعكست على منظومة القوانين والنظامين الشرطي والقضائي في الولايات المتحدة.

ليس كل البيض الأنجلوسكسون عنصريين

ونحن نتابع تفاصيل ما يجري في الولايات المتحدة، لا بد من الإشارة إلى أن عنصرية النظام بشقيه الجمهوري والديمقراطي، لا تنطبق بالمطلق على  كل أصحاب البشرة البيضاء في أمريكا، إذ أنه في غالبية المظاهرات الاحتجاجية ضد العنصرية، وبالأخص المظاهرات الراهنة، تشارك نسبة لا بأس بها من البيض إلى جانب السود ضد تغول النظام العنصري، الذي يقف ترامب والحزب الجمهوري على رأسه في هذه المرحلة، وهذه المشاركة من قبل نسبة كبيرة من أصحاب البشرة البيضاء، تعود إلى أنهم يرزحون مع  الأمريكيين من أصل أفريقي، واللاتينيين، والمهاجرين من أعراق أخرى تحت نظام  طبقي عنصري نيوليبرالي  يفتقر للعدالة الاجتماعية، ويتعرضون لقمع مشابه نسبياً للقمع الذي يطال السود من قبل رجال الشرطة..

فالولايات المتحدة، وفق  العديد من المفكرين الإعلاميين الأمريكان التقدميين، أمثال نعوم تشومسكي ومارك بلومنتال وبريان بيكر وريتشارد بيكر وغيرهم، تحكم من قبل طبقة حاكمة "أوليغارشية" عنصرية وطبقية  ومعادية للعدالة والتغييرات الهيكلية، ومحكومة من قبل طبقة "رأس المال المالي" واحتكارات الأسلحة والنفط والدواء وغيرها، ولا يغير من واقع الصورة سواءً كان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً، وإن كان ترامب هو الأكثر جرأة في التعبير عن وحشية هذا النظام، سواء في علاقة الولايات المتحدة مع الشعب الأمريكي، أو مع بقية دول العالم، وخاصةً دول العالم الثالث، بينما الرؤساء الآخرين ينفذون ذات السياسات بطرق ملتوية، دون التبجح بتصريحات يومية على صفحات "تويتر" أو في المؤتمرات الصحفية، ويعملون على امتصاص مثل هذه الاحتجاجات واحتوائها، بإجراءات وتطمينات شكلية، وببعض التحسينات الطفيفة في نظام بطاقات الإعانة أل ( (Social Welfareالمقدم لأصحاب البشرة السوداء، أو بتعيين بعض المؤهلين علمياً وثقافياً من السود في بعض المواقع الرسمية العليا.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكتفِ بعدم إدانة حادث القتل المتعمد الأخير، بل راح يصف المحتجين بالفوضويين والغوغاء، وراح يهدد باعتبار ما يحصل من مظاهرات غاضبة بالتمرد، ما يقتضي إنفاذ "قانون مكافحة التمرد"، ودفع بتشكيلات الأمن الأمريكي من شرطة وقوات حرس وطني وقوات خاصة وشرطة عسكرية، للمدن الأمريكية لقمع  المتظاهرين، بأبشع  وأشرس أدوات القمع مثل العصي الفولاذية، وقنابل الغاز المحشوة برذاذ الفلفل، والقنابل الصوتية، وعمليات الدهس، والصعق بالكهرباء، وإطلاق الذخيرة الحية في بعض الأحيان، والتفنن في تعذيب وضرب من يتم إلقاء القبض عليهم من المتظاهرين، بما يذكرنا بممارسات العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.

شراسة القمع للمتظاهرين، دفع منظمة العدل الدولية لأن تصف سلوك الشرطة الأمريكية "بالعار" الذي يلطخ وجه الإدارة الأمريكية، مؤكدةً أن رجال الشرطة الأمريكان تلقوا تدريبات على القمع من قبل خبراء أمن إسرائيليين.

البعد الطبقي للانتفاضة وغياب العدالة الاجتماعية

هذه المظاهرات الصاخبة وغير المسبوقة في الولايات المتحدة، والتي ترافقت مع تداعيات أزمة وباء "كورونا"، كشفت عن بعد طبقي  غاية في الاحتقان، ووجد فرصته للتكامل مع النضال ضد العنصرية، وذلك لعدم توفر العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، سواء بالنسبة لأصحاب البشرة السوداء أو لأصحاب البشرة البيضاء من الطبقة الوسطى أو من الفئات المسحوقة، خاصةً في ضوء أوضاعهم شبه البائسة، وتراجع دور الطبقة الوسطى وانحسار نصيبها، إلى حد كبير من الرفاه الاقتصادي، جراء تغول النظام في شكله النيوليبرالي.

جاءت أزمة وباء كورونا، لتفجر أزمة اقتصادية  واجتماعية، ولتعمق من أزمة ركود كانت تلوح في الأفق قبل ظهور الوباء، وأصبحت الولايات المتحدة أمام أزمة ركود جديدة ومستفحلة، ناجمة في الجوهر عن الطبيعة البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي، وعن إغلاق الاقتصاد في الولايات المتحدة، وفي في معظم دول العالم، منذ الاعلان عن تفشي الوباء في ديسمبر – كانون أول 2019، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في البطالة على مستوى العالم، على نحو قد يفوق بكثير حجم البطالة الذي نجم عن الكساد الكبير، في  مطلع ثلاثينات القرن الماضي، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن نسبة البطالة في الولايات المتحدة تجاوزت ال 25 في المائة، وأن عدد العمال الذين تقدموا بطلب الحصول على إعانات تجاوز 25 مليون عامل، وأن عدد العاطلين في الولايات المتحدة بلغ زهاء 43 مليون عاطل.

وكشفت هذه الأزمة هشاشة النظام الصحي، وانحياز مطلق لرأسمال المال، تمثل بضخ الإدارة الأمريكية ما يزيد عن (3) تريليون دولار، في حين لم يحصل فقراء أمريكا والشركات الصغيرة سوى على الفتات، وبات بنك الاحتياط الفيدرالي جاهزاً لطباعة تريليونات جديدة بدون غطاء، لدعم قوى رأس المال المالي، في حين تصدقت الإدارة الأمريكية بالفتات على الكادحين والعمال والأسر الفقيرة، ناهيك أن نظام الرعاية الصحية الذي يفترض أن يقدم الخدمات للمواطنين في مواجهة الوباء، كشف عن ضعف وهزال وقصور هائل، ترك عشرات الألوف يواجهون الموت سواء من فقراء السود أو البيض أو اللاتينيين والمهاجرين من أعراق أخرى، حيث وصل عدد الموتى جراء الوباء حتى الآن زهاء (110) آلاف – النسبة الأعلى من الأفارقة- في حين أن نسبة المواطنين المصابين بالوباء يشكل ثلث عدد المصابين في العالم أجمع، في حين أن الطبقة البرجوازية "الأوليغارشيا المالية"، تنعمت بالعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، الذي لا يقوى ذوي الدخل المحدود على دفع أثمان العلاج فيها. هذه الأوضاع البائسة لفقراء أمريكا من سود وبيض-الموجودة أصلاً- استفحلت في ظل أزمة وباء كورونا، وكانت تنتظر "صاعق التفجير" فجاء مصرع الأمريكي الأفريقي "جورج فلويد" على يد رجل الشرطة الأبيض، وسط سكوت زملائه على استمرار جريمته، لتشكل ذروة الشحن الطبقي والمضاد للعنصرية، ولينجم عنها انتفاضة غير مسبوقة ومرشحة للتصاعد باتجاه دفع النظام النيوليبرالي المتوحش، إلى تقديم تنازلات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي  والتشريعي للمنتفضين.

جدل العلاقة بين السياسة العنصرية الطبقية وبين السياسة الخارجية الأمريكية

الانتفاضة الراهنة في الولايات المتحدة، ألقت الضوء على تماهي السياسة الطبقية العنصرية في الداخل الأمريكي، مع سياسات العدوان والنهب الخارجية لها في مختلف دول العالم، وخاصةً دول العالم الثالث، فالإدارات الأمريكية في الوقت الذي تمارس فيه الاضطهاد العنصري والطبقي لشعبها، تمارس العدوان والحروب على مختلف الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولعل الحروب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان والعراق، ودعمها اللامحدود للكيان الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية، ووقوفها وراء العدوان السعودي المتواصل على اليمن منذ عام 2015، ووقوفها وراء العدوان الرجعي التكفيري على سورية منذ عام 2011، وقبل ذلك وراء العدوان الصهيوني على لبنان، وحصارها المستمر لكل من إيران وفنزويلا، وخططها المستمرة لقلب نظم الحكم التقدمية في أمريكا اللاتينية، وعقوباتها على حوالي 38 دولة في العالم، وسياسات النهب التي تتبعها في دول العالم النفطية، وكذلك الحرب الباردة التي تشنها على كل من روسيا والصين... الخ، كل ذلك يدل على جوهر النظام الرأسمالي النيوليبرالي، في عدائه المزدوج لمصالح جماهير شعبه ولبقية دول العالم المناهضة لنهجه الاستعماري العنصري.

الولايات المتحدة إلى أين؟ نتائج وتأثيرات الانتفاضة

والسؤال الذي يطرح نفسه الولايات المتحدة... إلى أين في ظل هذه الانتفاضة المتصاعدة؟

وفي الإجابة على هذا السؤال، لا نذهب بعيداً باتجاه أن هذه الانتفاضة ستسقط النظام النيوليبرالي برمته، ولا نذهب بعيداً في أن أنها ستقضي نهائياً على التمييز العنصري، فإسقاط النظام وبنيته العنصرية، يحتاج إلى عدة عوامل أبرزها: بروز أحزاب وقوى تقدمية منظمة وقوية، وإلى ظروف موضوعية ملائمة،  وإلى وصول الرأسمالية إلى مرحلة لا تستطيع فيها التكيف مع الأزمات، وهذه العوامل غير متوفرة بعد.

صحيح أن إدارة ترامب فشلت حتى اللحظة في التكيف مع الأزمتين؛ أزمة كورونا وأزمة مفاعيل الانتفاضة المناهضة للعنصرية، لكن الدولة العميقة المرتبطة بالحزبين الديمقراطي والجمهوري، تعمل جاهدةً لاحتواء الأزمة عبر طرح مشاريع قوانين متعلقة بإصلاح النظام الشرطي وإجراء بعض التعديلات على النظام القضائي، ناهيك أنها تحاول تقديم رشا عبر بعض تعيين بعض الشخصيات من الأمريكيين الأفارقة، مثل موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين الجنرال تشارلز براون، كأول أميركي من أصل أفريقي في منصب رئيس أركان القوات الجوية في الجيش الأميركي، ومثل إعلان مرشح الرئاسة الأمريكي جوزف بايدن بأنه ينوي ترشيح نائبة أمريكية من أصل أفريقي في موقع " نائب الرئيس". لكن المنتفضين يعون جيداً  المحاولات السابقة، لاحتواء غضب الأمريكيين الأفارقة عبر تعيين وانتخاب بعض المتنفذين منهم، وبالتالي فإن الانتفاضة بأبعادها المختلفة مسنودةً بالهبة التي عمت وتعم العواصم الأوروبية، ضد القمع العنصري غير المسبوق في الولايات المتحدة، وضد العنصرية في بلادهم، لن تتوقف قبل تحقيق معظم مطالبهم. وفي حال تمكنت الانتفاضة من تحقيق معظم مطالبها، فإنها تكون قد دقت مسماراً في هيبة وسطوة النظام النيوليبرالي الأمريكي في الداخل، بعدما فقد هذا النظام هيبته في الخارج جراء تصاعد مقاومة الشعوب، وخاصة الدور الذي اضطلع به محور المقاومة وفي المقدمة منه إيران في كسر هذه الهيبة، وكذلك الدور الصيني الصاعد والمتحدي للهيمنة الأمريكية، ناهيك أن إسطوانة الإدارات الأمريكية بشأن حقوق الإنسان، ومنح شهادات حسن أو سوء سلوك لهذه الدولة أو تلك بشأنها، باتت خلف ظهر العالم أجمع، وهو يشاهد الشرطة الأمريكية تمارس أبشع صور القمع بحق الشعب الأمريكي. وهذه الانتفاضة يمكن البناء عليها، في ضوء التداعيات والنتائج المتحققة منها حتى الآن وأبرزها:

  1. حدوث انقسام عمودي في الولايات المتحدة بين الطغمة النيوليبرالية بتلاوينها السياسية الموزعة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وبين عامة الشعب من السود والبيض واللاتينيين والمهاجرين من مختلف الأعراق، ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى ضرب وحدة الولايات المتحدة، وطرح أفكار حول الانفصال، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن ولاية رئيسية مثل "كاليفورنيا" سبق أن طالبت بإجراء استفتاء حول انفصالها عن الولايات المتحدة.
  2. هذه الانتفاضة فتحت أفاقاً مستقبلية أمام الأمريكيين الأفارقة، باتجاه رفع سقف مطالبهم، وهذا ما أشارت إليه رئيسة اتحاد الأجندة السوداء "غايل فرازير"، القيادية ضمن ائتلاف القادة الأمريكان الأفارقة- بقولها: "هنالك في مختلف أرجاء البلاد، جيوب مختلفة يجتمعون لحشد الناس وإحداث فرق، وهناك مجموعات لا بأس بها من السود، باتت ترفع السقف وتتحدث عن السيادة، وعن أن تكون لهم أمتهم المستقلة وبلدهم المستقل، بسبب واقع عدم قدرة السود على التعايش بسلام مع هذا النظام ومنظومته القضائية والشرطية".
  3. حدوث إمكانية لقيام حرب أهلية ثقافية- وليس حرب أهلية بين ذوي البشرة السوداء وذوي البشرة البيضاء- بين الطغمة النيوليبرالية وأدواتها من الإنجيليين والمنظمات اليمينية العرقية المتطرفة (124 منظمة) وبين  القوى الاجتماعية والعرقية الرافضة لسياسات وتشريعات النهج الرأسمالي، إذا لم تقدم الإدارة الأمريكية على استدارة حقيقية، تحقق نسبياً مطالب الأفارقة من أصل أفريقي، ومطالب القوى الطبقية المُستغَلة. ومعروف أن النظام الرأسمالي – كما أسلفت- بقدرته على التكيف مع الأزمات واحتوائها، لكنه يفشل حتى اللحظة في عملية الاحتواء، عندما نشاهد الإعلام الأمريكي الرأسمالي ممثلاً في صحافته مثل "الواشنطن بوست، ونيويورك تايمز"، وفي قنواته التلفزيونية يعيد الأزمة الراهنة إلى عنف الشرطة فقط، ويرى أن المخرج لها يكون عبر صندوق الاقتراع في تشرين ثاني- نوفمبر القادم، وفي إجراء بعض الاصلاحات للنظام الشرطي والقضائي.
  4. هذه الانتفاضة انطلقت بشكل عفوي، ويشارك فيها حوالي 30-40 حركة سياسية احتجاجية من بينها؛ حركات يسارية مثل "أنتيفا" وغيرها، وفي حال استمرارها، فإنها قد تدفع مستقبلاً، باتجاه وضع حد لثنائية تداول السلطة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري - اللذان يمثلان نفس الطغمة الرأسمالية- سواءً على صعيد موقع الرئاسة، أو موقعي مجلس النواب والشيوخ، بحيث تظهر أحزاب جديد تمثل التشكيلات الطبقية الأخرى، يضاف إلى ما تقدم إمكانية تشكيل حزب "ائتلاف حزبي" من قادة الأفارقة من أصل أمريكي، يتولى إلى جانب ببقية الحركات الاحتجاجية، برمجة نضالات السود وحضورهم في المؤسسات الأمريكية.
  5. إن الانتفاضة تعيد كتابة التاريخ بطريقتها الخاصة، مؤكدةً المنشأ العنصري للنظام الأمريكي منذ نشأته، عبر قيام المنتفضين ولأول مرة، في مختلف المدن والولايات الأمريكية بتحطيم  تماثيلاً ترمز للعنصرية (11 تمثالاً) وعلى رأسها تمثال مكتشف القارة الأمريكية "كريستوفر كولومبوس". كما وأنه وفي ضوء استمرار القمع المنفلت من عقاله في المدن الأمريكية، انطلقت ولا زالت تظاهرات في مختلف العواصم الأوربية (لندن، باريس، جنيف، أمستردام، بروكسل، برلين، كندا، واستراليا وغيرها)،  منددة بجرائم الإدارة الأمريكية العنصرية بحق المتظاهرين، وشكلت إحراجاً للسلطات في هذه العواصم، بحكم أنها تتبنى ذات النهج النيوليبرالي العنصري وإن بدرجات أقل، وباتت هذه المظاهرات تتماهى مع الانتفاضة الأمريكية في مناهضتها للعنصرية في بلدانها.