Menu
حضارة

نتنياهو يواجه العراقيل

حلمي موسى

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

أعلن رئيس الحكومة الصهيونية، بنيامين نتنياهو، في جلسة كتلة الليكود أن الخطة السياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن تعرض على الحكومة والكنيست للمصادقة عليها، وأضاف أن ما ينوي فعله قريبًا ليس ضمًا، وإنما "فرض سيادة"، بعد أن وافق على التفاوض على خطة ترامب، ومن دون إقرار أي تجميد في المستوطنات القائمة. ومن المؤكد أن قراءة هذه الكلمات قبل نصف شهر تقريبًا من الموعد المعلن لبدء عملية إقرار الضم تعني أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن قرار الضم ليس بالسهولة التي تم تصويرها في البداية.

ولا يمكن فهم هذا الكلام من دون العودة إلى الخلافات الحادة، خصوصًا داخل معسكر اليمين الصهيوني، بشأن ما يعرف بصفقة القرن التي شكلت الأساس لاندفاعة الضم الحالية؛ فصفقة القرن التي أعلنت تتحدث، ولو من بعيد، عن دولة فلسطينية أو ما يشبهها وهو ما أثار اليمين المتطرف الذي رأى في ذلك انتقاصًا من "السيادة اليهودية على أرض إسرائيل". ويبدو أن نتنياهو عجز، حتى اللحظة، عن لعب الدور الزعامي الذي لعبه دافيد بن غوريون عندما أفلح في إقناع الحركات الصهيونية بقبول مشروع التقسيم العام 1947، وكان تبرير بن غوريون لهذا القبول قوله: "النقب لن يهرب منا"، بمعنى أنه في ظروف أخرى مواتية يمكن للدولة اليهودية "استعادة" ما خصص للدولة العربية.

والواقع أن اليمين الصهيوني المتطرف، داخل الليكود وخارجه، وقف على قدميه الخلفيتين محاربًا، أي استعدادًا "للتنازل" عن "أجزاء من أرض إسرائيل" حتى لو كان المقابل اقتسام المنطقة "ج" واكتساب 30 في المئة أخرى من أراضي الضفة الغربية. وتشير المعطيات إلى تزايد الاعتراض داخل الليكود على مخطط الضم الذي يقوده نتنياهو، ليس لأنهم لا يريدون الضم، وإنما لا يريدون للضم أن يقود إلى دولة فلسطينية أو يمنع عمليات ضم أخرى لاحقًا. ويتزايد الانتساب في الليكود إلى منتديات قومية متطرفة مثل "منتدى صهيون و القدس "، والذي يرفض التخلي عن أي شبر في الضفة الغربية، وأيضًا منتدى "يهودي قومي". وفي اليمين الاستيطاني يبدو الاعتراض على الخطة أشد؛ لأنهم يطالبون بفرض السيادة التامة على أراضي الضفة المحتلة.

في كل حال يجد اليمين نفسه في دائرة التخبط الجنونية جراء عدم وجود كوابح فعليه أمامه، تدفعه للتذرع بها للقبول بالمعروض أمريكيا، فالجميع في الكيان يتحدث عن الفرصة التاريخية المتمثلة في وجود إدارة ترامب، والتي يستحيل امتلاك طاقم مؤيد للكيان فيها كالقائم حاليًا، وترامب يجد نفسه بين صهره الصهيوني المتشدد غارد كوشنر ومحاميه السابق نصير المستوطنين ديفيد فريدمان، وكلاهما يشجع على الضم. وتناولت وسائل الإعلام الأمريكية والصهيونية أمر تأييد كوشنر لضم محدود، فيما يؤيد فريدمان ضمًا واسعًا. ونتنياهو يسعى، لاعتبارات كثيرة، لضم أكبر قدر ممكن من أراضي الضفة، بما في ذلك أيضًا مستوطنات منعزلة كبيرة مثل عوفرا وبيت ايل.

وكما يبدو فإن خلافًا ثانويًا بين رجلي الإدارة الأمريكية المعنيين بصفقة القرن، وما يمثلان، خلق مشكلة جديدة لنتنياهو ومسألة الضم؛ ففيما يكتفي فريدمان بقبول المستوطنين استلام أية أجزاء من الضفة الغربية، يشترط الثاني قبول كل من زعيمي "أزرق أبيض"، بني غانتس وغادي أشكنازي ذلك. وتحت راية غانتس وأشكنازي توجد المؤسستان الأهم في الكيان وهما؛ الجيش ووزارة الخارجية، ما يعني ضرورة قبول هاتين المؤسستين بالأمر، وهنا تدخل إلى المسألة جوانب تعمد نتنياهو واليمين القفز عنها والاستخفاف بها وأهمها موقف الدول العربية والأجنبية من جهة، وعواقب الضم على الاستقرار المحلي والإقليمي من جهة أخرى.

وكشفت وسائل الإعلام الصهيونية عن محاولة فريدمان والطاقم الأمريكي التوسط بين نتنياهو وغانتس للتوصل إلى تفاهمات بشأن الضم، وقد عقد الجانبان عدة اجتماعات بوساطة أمريكية للتفاهم حول نقاط الخلاف، ورغم الإعلانات المتكررة لبني غانتس حول تأييده صفقة القرن وضم أجزاء من الضفة الغربية؛ إلا أنه وشريكه أشكنازي لا يزالان يتحدثان عن عدم توصلهما إلى قرار نهائي بشأن الضم. وكان حزب أزرق أبيض قد اشترط طوال الوقت قبول خطة ترامب بالتشاور مع المحيط العربي والسلطة الفلسطينية. وبمعنى آخر وجوب أن لا تشكل أرضية لعملية ضم من جانب واحد على الضد من الإرادة الدولية حتى مع وجود تأييد أمريكي، ويبدو أن الإدارة الأمريكية كانت تؤمن بقدرتها على توفير الدعم الدولي لخطتها والقبول العربي ولو الصامت لها. ولكن مراجعة بسيطة لمواقف دول العالم وخصوصًا الاتحاد الأوروبي تظهر أن هذا الدعم لم يتوفر، كما أن التصريحات الرسمية العربية تبين أن التقبل العربي للفكرة لا يزال بعيدًا، وواضح أن التخوف الأردني من مشروع الضم الصهيوني أربك الكثير من الجهات، وأعاد إلى الأذهان مواقف اليمين الصهيوني التي ترى في الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيين، ولا تخشى عدم استقراره.

ومن المؤكد أن الخلاف داخل المؤسستين العسكرية والدبلوماسية في الكيان، زاد من البلبلة في الحلبة السياسية، وحسب ما نشرت وسائل الإعلام العبرية، فإن الجيش لا يزال بعيدًا عن مشروعات الضم، ولم يطلب منه لا الاستعداد لتحمل التبعات، ولا التخطيط لمواجهة العواقب. كما أن المؤسسة الدبلوماسية تنقل تقارير وتحذيرات من مخاطر تواجه الدولة العبرية إذا ما أقدمت على خطوات ضم من طرف واحد، وهنا لا تكفي فقط الإشارة إلى زيارة وزير الخارجية الألماني للكيان وتصريحاته العلنية محذرًا من عقوبات، بل أيضًا مراجعة تصريحات رئيس الحكومة البريطانية الذي يعتبر صديقًا للكيان.

وفي محيط نتنياهو يخشون، هذه الأيام، من أن إدارة ترامب يمكن أن تتراجع عن تأييدها للضم، متذرعة بالخلافات داخل الحكومة الصهيونية ذاتها، وتتحدث أوساط نتنياهو في نوع من الاتهام لخصومها الداخليين عن احتمالات تفويت الفرصة إذا لم يفلح الحزبان في التوصل إلى اتفاق بشأن الضم جراء فقدان الإدارة الأمريكية الاهتمام بالأمر. ويعزى فقدان الاهتمام المحتمل إلى التطورات المحتملة في الحلبة السياسية الأمريكية جراء اقتراب الانتخابات الرئاسية وتردي مكانة الجمهوريين؛ بسبب كورونا وتفشي العنصرية، ويزيد من حدة هذا التقدير تصريحات المرشح الديمقراطي جو بايدن ضد الضم وموقف الحزب الديمقراطي من الكيان والاستيطان، حيث أن 60 في المئة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من الديمقراطيين، بمن فيهم مناصرون لإيباك، أعلنوا رفضهم لضم أجزاء من الضفة الغربية.

عمومًا وإلى جانب كل ذلك، يبدو أن ما يكبح غانتس وأزرق أبيض اليوم أكثر من أي شيء آخر هو الجيش الصهيوني نفسه؛ فالجيش يخشى من اشتعال الأراضي المحتلة في هذه الظروف الذي يوجه فيها اهتمامه الأساس نحو الجبهة الشمالية، ويؤمن الجيش بأن الكثير يعتمد على حجم الضم الذي يمكن الإعلان عنه، وهناك تسريبات بأن الوضع يمكن أن يطاق إذا جرى ضم رمزي محدود في غور الأردن، حينها لن تكون ردة فعل الفلسطينيين شاملة ويمكن احتواؤها، ولكن إذا زادت عن ذلك، فإن كل القوى الفلسطينية ستشارك في التصدي لها بإشعال الأرض تحت أقدام الاحتلال.

وربما لهذه الاسباب يحاول نتنياهو الالتفاف على المواعيد التي كان ضربها وترك المجال لأنصاره في صحيفة "إسرائيل اليوم" ينشرون ما يشاع عن دراسته لصيغة فرض السيادة على دفعتين، وتتحدث هذه الصيغة عن ميل نتنياهو لفرض السيادة أولاً على مستوطنات خارج الكتل الاستيطانية، يمكن بموجبها ضم حوالي 10 في المئة من أراضي الضفة الغربية، وليس نصف المنطقة ج، كما "تسمح" خطة ترامب، ويرفق نتنياهو قراره بمبادرة لدعوة السلطة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات، وبعدها إذا رفض الفلسطينيون هذه الدعوة يعلن عن ضم باقي الأراضي.

وأيًا يكن الحال، من المهم معرفة أن الخلاف حول الضم واسع وعميق داخل الكيان، وإذا كان اليمين يؤيده، كما كان دومًا، فإن هذا التأييد لم يصل بعد إلى المستويات الشعبية التي بينت أن ثلث الصهاينة فقط يؤيدون خطة الضم، وأن الآخرين يعارضونها أو غير مهتمين بها. ويؤمن كثير من الصهاينة بأن خطة الضم لا تضيف للكيان شيئًا، ما يجعل البعض يعتبرها مقامرة ربما تكون باهظة الثمن سياسيًا وأمنيًا.

وهكذا بعيدًا عن الحماس الذي رافق حملة نتنياهو الانتخابية، يوجه نتنياهو حاليًا الأنظار إلى رفض شريكه، حزب أزرق أبيض، التوصل إلى اتفاق سريع حول الضم، كما أنه لا يتردد في تحميل لجنة ترسيم الخرائط الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة جانبًا من الذنب في عدم تحقيق الضم في مطلع يوليو القريب؛ فالضم بعيدًا عن الأيديولوجيا كان ولا يزال شعارًا انتخابيًا يراد من ورائه حشد أنصار اليمين خلفه، وهذا المراد لا يزال قائمًا، ويمكن أن يخوض الانتخابات المقبلة على أساسه بعد أن خدمه هذا الشعار في صرف الأنظار عن ملفات الفساد الموجهة إليه، ومن السهل على نتنياهو بعد أيام الإعلان عن أن مطلع يوليو ليس موعد فرض السيادة أو الضم، وإنما هو موعد ابتداء عملية طويلة لفرض السيادة ولمنع "تقسيم أرض إسرائيل"، وبالتالي انطلاق الحملة الانتخابية التي أساسها إسقاط حكومة الرأسين الحالية