Menu
حضارة

واقعٌ ينهار.. وأحلامٌ تُوأد

في غزة والضفة.. عائلاتٌ لا تملكُ قوتَ أطفالِها

بيسان الشرافي

خاص بوابة الهدف

تخيّل أن تعصف بكَ أزماتُ الحياة لتصل بكَ إلى الحدّ الذي تقف فيه عاجزًا صامتًا أمام طفلِكَ الباكي لتأخّرك في شراء لعبةٍ ما انفكَّ يطلبُها منذ شهورٍ، أو ابنتِكَ التي عادت تستجديكَ هذا النهار، بعدما صعَقتها أمس بقرارِكَ عدم استكمال دراستها الجامعية "من وين أجيبلك رسوم يابا؟!".

لكَ أن تتخيل، ولثلاثةِ أرباع سكّان قطاع غزة أن يتجرّعوا هذا كلّ يومٍ، وأقسى! حيث 73% من العائلات تعجزُ فعليًا عن توفير قوت أطفالها- لا لعبة.. ولا رُسوم جامعة- من هذه الأسر نحو 39% صُنفت "شديدة" الانعدام الغذائي، وفق ما ورد في تقريرٍ صادر عن مركز الميزان لحقوق الإنسان.

أزماتٌ معيشية واقتصادية تعصف بالمواطنين في قطاع غزة والضفة الغربية، بفعل الاحتلال وسياساته من حصارٍ وتضييق، فضلًا عن التبعيّة الاقتصادية له منذ ربع قرنٍ، والآن جائحة كورونا، ما أوصل مُعدّلات البطالة والفقر إلى مستويات خطيرة، ففي القطاع بلغت نسبة البطالة 52%، وفي الضفة 17.6%. ويعيش نحو 30% من السكان- في الضفة والقطاع- دون خط الفقر.

يقول مُعاذ (32 عامًا)، من غزة "تقبعُ في فقرِك وحاجتكَ ولا أحدَ يلتفتُ إليك.. ما أستطيع جمعَه في اليوم لا يتجاوز 10 شواكل، لا تكفي أسرتي طعامًا وشرابًا!".

يُضيف- للهدف- لا أملك دخلًا مستقرًا، أعمل باليوميّة، وأقطن غرفةً أنا وأولادي، لا تدخلها الشمس، مليئة بالعفن والرطوبة. مُعاذ أبٌ لطفلتين، تقول له طفلته ذات الأعوام الأربعة "رأيتُ جيرانَنا يبنون منزلًا جديدًا.. أخبِرهم يا بابا أن يبنوا لنا واحدًا.. غرفتنا دومًا مُظلمة وأنا أخشى العتمةَ كثيرًا!".

أخبرَنا الأبُ الثلاثينيّ أيضًا أنّ مُفتّشين من وزارة الأشغال عاينوا مسكَنه وحالته المعيشية، لكنّ أحدًا لم يُساعده، ومضى على هذا عامان كاملان.

بسبب كورونا شحّ العمل بصورة كبيرة، كما قال مُعاذ؛ كثيرٌ من المُشغّلين أوقفوا العمل مؤقتًا، وبعضهم طرد العاملين لديه.

بحسب رئيس الاتحاد العام لنقابات العمّال في غزة سامي العمصي "تجاوزت خسائر العمال، المتضررين بسبب جائحة كورونا في قطاع غزة- نهاية مايو- 50 مليون دولار، جراء تعطلهم عن العمل منذ مارس الماضي".

تقريرُ جهاز الإحصاء المركزي المتعلّق بالفقر في فلسطين (2017)، أظهر أنّ 53% (أكثر من النصف) من سكان قطاع غزة تحت خطّ الفقر، وثلثهم (33.7%) يقبعون في الفقر المدقع.

حالُ معاذ، عاملُ اليوميّة، ليس بعيدًا عن حال موظفي الحكومة، من يُفترَض أن لهم دخلًا ثابتًا ويحظون باستقرارٍ ماليّ. لكنّ ليس هذا ما يمرّ به محمد- أبو عبد الله (48 عامًا)، من غزة، والد الأطفال الأربعة، الذي يعمل في وظيفة عمومية منذ سنوات طويلة، وبات الآن متقاعدًا (ماليًا)، عاجزًا عن توفير أدنى احتياجات بيته.

يقول محمّد- للهدف- يائسًا "في كلِّ مرةٍ نُحاول فيها التأقلم مع أزمةٍ ما نصطدم بعدها بأخرى أشدّ وأكبر!".

اليوم الخميس، 2 يوليو، سيذهب أبو عبد الله لتقاضي راتبه- عن شهر مايو- مع إعلان وزارة المالية صباحًا موعد الصرف، بنسبة عامة 65%، بعد تأخّرٍ استمرّ شهرًا كاملًا. يتقاضى محمد 1200 شيكلًا، يدفعُ نصفها تمامًا أُجرةَ المنزل.

"يُثقل كاهلي همُّ طفلتي التي أنهت التوجيهي بتفوّق، من أين سأدفع الآن رسوم جامعتها؟!"، يقول محمّد "الحياة ضنك، وعيبُنا بات مكشوفًا مع اشتداد أزمة الرواتب، لم نعُد نعرف ممّن نستدين وكيف سنتدبّر قوتَ الغد". 

يُتابع الأب الأربعينيّ "نعيش حياة ذُلٍّ غير عادية.. كلُّ ما حلمتُ به وأنا شاب بات رمادًا يتطاير أمام عينيّ،  حتى وصلتُ الآن لأقف أمام طفلي الذي يُريد لعبةً فيما أنا لا أملكُ ثمن الطعام، ماذا أقول له، وما ذنبه؟!".

وختم حديثه بالقول "تكاثرت علينا الجِراح...، هل فخامة الرئيس وحاشيتُه راضون؟ هل زُمرة (اسماعيل) هنيّة وجماعته مُرتاحون؟! ...، هل تُبنى الدول بتحطيم شبابها؟ هل يتحقّق النصر بوأدِ كل حلمٍ وطموح؟!.. مستقبلنا موتٌ ودمار".

بذاتِ الأسى، تحدّثت أسماء- للهدف- وبصوتٍ مُجهدٍ، قالت "نحن أحياءَ من قلّة الموت- على كثرته في بلدنا!- لا حاضرَ لنا ولا مستقبل!".

أسماء (35 عامًا)، تُساعد زوجها- عامل البناء- بقدر ما تستطيع، فتبيعُ منظفاتٍ تصنعها في المنزل "للجيران والمعارف ببضعة شواكل- تُعيننا إلى جانب ما يجمعه زوجي.. وأضطرّ أحيانًا للعمل بتنظيف البيوت كي نتمكّن من توفير قوت أطفالنا، وأجرة المنزل" كما قالت.

لأسماء 4 أبناء، أكبرهم ملك، التي بدأت دراسة منهج التوجيهي منذ الآن، لأنها لن تتمكّن من الاشتراك بدروس خصوصية. أمّا أصغر الأبناء محمّد (7  سنوات)، يُصرّ يوميًا على طلب مصروفه "الشيكل"، في وقتٍ قد يخلو منه المنزل لأيامٍ!

كغيرها من الأزمات، عصفت جائحة كورونا بأحوال عائلة أسماء، فتأثر عمل زوجِها الذي بات شحيحًا للغاية، وكان توقّف تمامًا لعدة أسابيع، بداية مارس الماضي. أنهت أمّ محمد الحديث بالقول "مهما مررتَ بمشاكلَ وضيقٍ في العيش، لا يلتفتُ إليكَ أحدٌ هُنا، إلّا في المناسبات- وما أقلّها!".

الشهور الثلاثة الأخيرة، من مارس، شهدت انخفاضًا حادًا في الإنتاج والأنشطة الاقتصادية، في ظل العمل بحالة الطوارئ وما تضمّنته من تدابير احترازية لمنع تفشي فيروس كورونا في الأراضي الفلسطينية، في ظل ضعف الإجراءات الحكومية التي تهدف لتعويض وإسناد المواطنين اقتصاديًا، خلال الجائحة.

في الضفة الغربية، التي بلغت فيها نسبة البطالة 18%، فيما تبلغ نسبة الفقر حوالي 14%- (نهاية 2018).

يقول خليل، الذي يعمل في سلك التعليم الحكومي منذ 20 عامًا، إنّ "ما نتقاضاه من راتبٍ يكفي للحد الأدنى من حاجاتنا الأساسية".

ويُعيلُ خليل، الذي يقطن إحدى القرى بمحافظة الخليل جنوبي الضفة، 8 أفرادٍ، بينهم أطفاله الستّة. أكبرهم ابنته التي تستعدّ لبدء حياتها الجامعية، وهو ما يعتبره الحِملَ الأكبر. يقول بِأسًى "مررنا بأوقات جيّدة من الناحية المعيشية، لهذا أطفالي غير معتادين على المعاناة وضيق العيش الذي نشهده هذه الأيام".

كحال سائر الموظفين العموميين، الذين باتت رواتبهم مُهددة بعدم الصرف أو تأخره، قال خليل "بِتنا محرجين مع أطفالنا، ومع الجيران، ومع صاحب الدكّان، وفي المقابل لا نجد دعمًا من القطاع الخاص؛ البنوك تُسارع في القضم من الراتب، وشركة الكهرباء لا تعترف إلا بالفاتورة المستحّقة، ليبقى المواطن وحده يدفع الثمن".

"نحن صامدون، ونجتهد لأجل هذا"، يقول خليل "لكنّ الوضع صعبٌ للغاية، فمن جهةٍ الاحتلال ومساعيه لإغراقنا في وحل أزمات اقتصادية ومعيشية لا تنتهي، ومن الجهة الأخرى سياساتٌ فلسطينية غير فعّالة في مواجهة تلك المساعي والأزمات".

وأكمل، مُعلّقًا على تأخر صرف الرواتب بسبب وقف التنسيق الأمني- كما تُصرّح السلطة- "عليهم إيجاد وسيلة لمجابهة الاحتلال بعيدًا عن قوت الناس، بل وتعزيز صمودهم وانتشالهم من الأزمات الخانقة".

في بيانٍ له، بتاريخ 23 يونيو، عبّر مركز الميزان لحقوق الإنسان عن قلقه من تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية للفلسطينيين، داعيًا إلى "تعزيز تدفق المساعدات النقدية والغذائية للحد من التدهور"، وطالب الحكومة الفلسطينية بتنفيذ تدخّلات اقتصادية تساهم في حل المشكلات الاجتماعية المتفاقمة، سيما مشكلتيْ البطالة والفقر. كما دعا المجتمع الدولي للضغط على الاحتلال لإنهاء حصار غزة، ووقف استهدافه للقطاعات الاقتصادية الفلسطينية.