Menu
حضارة

لبنان دولة سيادتها في مهب الريح: السفيرة الأمريكية تطيح بالقاضي الوطني المميز محمد مازح

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

جاءت تصريحات السفيرة الأمريكية "دوروثي شيا" في لبنان -البائسة والمضللة- في إطار مقابلة لها مع جريدة الحدث السعودية التي تضمنت "هجوماً على حزب الله، ووصفه بالإرهاب، وأنه بنى دولة داخل الدولة استنزفت لبنان، وكلفت الدولة اللبنانية مليارات الدولارات، في الوقت الذي يعاني فيه لبنان من أزمة اقتصادية حادة"... ومن ثم قرار قاضي الأمور المستعجلة "محمد  مازح"، بمنع أي وسيلة إعلامية لبنانية من إجراء أية مقابلات مع السفيرة الأمريكية، كون تصريحاتها تعمل على بث الفتنة والتحريض على مكون سياسي أساسي في لبنان، جاءت لتفجر أزمة سياسية جديدة، كشفت عن عمق الانقسام السياسي في لبنان، وعن ارتهان فريق لبناني (تحالف 14 آذار) بالكامل للإدارة الأمريكية على حساب مصالح لبنان الذي اعتبر قرار القاضي "مازح" مخالفاً للحريات الإعلامية، وأن تصريحات السفيرة تندرج في إطار حرية الرأي، متجاهلاً عن عمد اتفاق فينا لعام 1961 الذي يضبط عمل السفراء بضوابط محددة، ويمنعهم من التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المعتمدين فيها.

 وكان قاضي الأمور المستعجلة قد أكد في تصريحات متلفزة، أنه اتبع الأعراف الدبلوماسية التي تمنع على السفراء التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين فيها، متسائلًا: "كيف يمكن للسفيرة الأميركية أن تحمل حزباً لبنانياً مسؤولية الأزمة الاقتصادية، لأن ذلك ليس من صلاحياتها؟".

فالولايات المتحدة تعمل على تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، بهدف استثمارها سياسياً ضد حزب الله، وذلك من خلال التحكم في عرض الدولار في السوق بالتنسيق والتآمر مع مصرف لبنان المركزي، ورئيسه رياض سلامة الذي يلعب دور " المايسترو" في توظيف المصارف بهذه اللعبة القذرة التي عمل بعضها على تهريب ما قيمته (20) مليار دولار إلى خارج لبنان خلال الأشهر الماضية، دون الالتفات لودائع المواطنين اللبنانيين الذين باتوا يتضورون جوعاً، دون أن يتمكنوا من الحصول عليها أو جزءاً منها.

فهذه الإدارة عبر تصريحات السفيرة وبتوجيه من وزارة الخارجية الأمريكية، تعلن بالمكشوف عبر لقاءاتها مع مختلف المسؤولين اللبنانيين، وفي مقابلاتها مع العديد من الفضائيات اللبنانية، بأن على الحكومة أن تكف ارتهانها لحزب الله، حتى تحصل على المساعدات الأمريكية، وحتى يلين صندوق النقد الدولي -الخاضع للمشيئة الأمريكية- موقفه في المفاوضات الجارية مع الحكومة، للحصول على القروض التي تساعدها على الخروج من عنق الزجاجة، بعد أن بلغ سعر الصرف مستوى غير مسبوق في علاقته مع الدولار ( الدولار = 1600 ليرة لبنانية).

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل بلغت الوقاحة الدبلوماسية من قبل أركان الخارجية الأمريكية ابتداءً من بومبيو مروراً بديفيد شنكر وديفيد هيل، ووصولاً إلى تصريحات السفيرة  إلى حد طرح طلبات تعجيزية، مثل: إغلاق الحدود مع سورية، وخروج حزب الله من الحكومة، حتى ترفع العقوبات عن لبنان، وحتى يحصل على المساعدات والقروض من صندوق النقد الدولي، بزعم كاذب ومكشوف، أن حزب الله يبتلع أموال الدولة، ويهربها إلى سورية، وذلك في تجاهل لحقيقة ساطعة أشار إليها السيد حسن نصر الله، أن الحزب هو الذي يوفر ملايين الدولارات للبنان وليس العكس.

اللافت للنظر هنا ضعف موقف الدولة السيادي، من تدخل السفيرة الأمريكية في لبنان، فقد كشفت أزمة تصريحات السفيرة ولقاءاتها الصحفية ، ليس فقط عن التبعية الرخيصة لفريق لبناني للمصالح الأمريكية والتي هي في التحليل النهائي مصالح إسرائيلية بامتياز، بل كشفت عن هشاشة السيادة اللبنانية، إذ لم يصدر تصريح من وزارة الخارجية اللبنانية أو حتى من رئاسة الجمهورية، يدين ما أدلت به السفيرة، فقط تم استدعائها لوزارة الخارجية لمناقشتها بما حدث، وكان أن خرجت من اللقاء متبجحةً بقولها: "أن مسألة الحكم القضائي صفحة طُويت، وأن الولايات المتحدة معنية بحل الأزمة الاقتصادية في لبنان".

وكانت السفيرة على علم ليس فقط "أن مسألة الحكم القضائي طويت صفحتها"، بل على علم بأن هيئة التفتيش القضائي، ستدين القرار الوطني الجريء الذي أقدم عليه القاضي محمد مازح، وأنها ستطلب منه تقديم استقالته بزعم "انعدام أهليته"، ما يطرح أسئلة حول مدى خضوع جهات في القضاء اللبناني للإملاءات الأمريكية.

لقد انبرى العديد من المحامين والقضاء والمحللين السياسيين والقانونيين، للدفاع عن موقف وقرار القاضي "محمد مازح" في منع وسائل الإعلام من إجراء لقاءات صحفية مع السفيرة الأمريكية، مؤكدين وبالاستناد  للقانون للقضاء اللبناني، أن قراره ينسجم مائة بالمائة مع المهام الموكلة إليه، وأنه قاض مشهود له بكفاءته المهنية والتزامه الوطني، بعيداً عن أي التزامات حزبية، وذهب المحامي نزيه شلالا رئيس تحرير مجلة "صدى القضاء والمحاكم اللبنانية" إلى وصف القاضي "مازح" بأنه: "أيقونة القضاء اللبناني" ، وأن موقف القاضي اللبناني هدف إلى  درء المخاطر عن لبنان، ولم يتحدث إلا ضمن صلاحياته، معتبراً الموقف الأمريكي لقرار القاضي اللبناني بأنه قرار وقح، والقاضي "محمد مازح محل افتخارنا".

ما يجب الإشارة إليه هنا، أن التصريحات الدبلوماسية الصادرة عن الخارجية الأمريكية التي تحرض على حزب الله، فاتها أن تدرك أن البيئة الشعبية الحاضنة لحزب الله عصية على الاختراق، وأن المقاومة اللبنانية عابرة للطوائف، وأن توظيف الأزمة الاقتصادية للتصويب على حزب الله بهدف تحريض الشارع ضد المقاومة وسلاحها، باتت لعبة مكشوفة وجرى دفنها بسرعة فائقة عندما تحركت فئات قليلة من المحسوبين على جعجع وبهاء الحريري في بعض شوارع بيروت مطالبة بنزع سلاح المقاومة.

 وأخيراً يمكننا القول بأنه ومثلما فشل العمل العسكري العدواني الصهيو أميركي على لبنان عام 2006، ستفشل حتماً اللعبة الدبلوماسية والاقتصادية الأمريكية، في إطار ما يلي:

  1. السعي الدءوب لحزب الله وحلفائه لطرح وتنفيذ خيارات اقتصادية بديلة "للخيار الأمريكي" ( خيار التوجه نحو الشرق) بعد أن  عرضت  الصين على لبنان مشاريع إنمائيّة واستثمارات في قطاعات عديدة، بقيمة 12 مليار دولار تشمل بناء الأنفاق وسكك الحديد، وإقامة معامل لا نتاج الكهرباء بالغاز والديزل، وتنقية مياه الليطاني وتوظيفه كمصدر للإنماء والإنتاج الزراعي ، وحل أزمة النفايات .. الخ تصل قيمتها الاستثمارية 12 مليار دولار، ما يعني أنها تتجاوز مجموع ما يمكن أن يقدمه مؤتمر سيدر.

2. جاهزية حزب الله لوأد المؤامرات التي تستهدف لبنان بالحصار والحزب، وهنا نشير إلى تهديدات سيد المقاومة حسن نصر الله، في خطابه الأخير بقوله "من سيضعنا بين خيار القتل بالسلاح أو الجوع، سيبقى سلاحنا في أيدينا، ونحن سنقتله، سنقتله، سنقتله".