Menu
حضارة

الضم بالتقسيط أم بالجملة...؟

أكرم عطا الله

نُشر هذا المقال في العدد الخامس عشر من مجلة الهدف الرقمية

في الأول من يناير عام 1996 صدرت الطبعة العربية من كتاب بنيامين نتنياهو مكان بين الأمم، لم يحظَ الكتاب بكثير من الاهتمام، ولكن بعد خمسة أشهر يوم التاسع والعشرين من مايو لنفس العام؛ ليلة مفاجأة فوزه غير المتوقعة على  شمعون بيرس، جعلنا في اليوم الثاني نسرع لشراء الكتاب لمحاولة التفتيش في عقل الرجل الذي سيقود إسرائيل.

في المقدمة تستوقف القارئ جملة ربما تعكس البعد الأيدلوجي لبنيامين نتنياهو وهي "أرض الآباء والأجداد"، هذه الجملة تحيلك لقراءة التوراة لتعرف ماذا يقصد الرجل، ولماذا يتحدث بهذه الثقة، فمعرفتنا غير العميقة آنذاك كانت تقول أن الرواية الاسرائيلية تقوم على أن اليهود يعتبرون أنهم كانوا هنا ذات زمن، ويعتبرون أن لهم حق في هذه الأرض، وهناك صراع بين الروايتين الفلسطينية والاسرائيلية، هذا الصراع لم يتمكن أي طرف من حسمه، لهذا انتهى باتفاق تقسيم الأرض بين الجانبين عام 1993، حيث يستند الاتفاق إلى موازين القوى.

لكن التوراة تذهب أبعد من ذلك بكثير، حيث الأحداث والقصص تدور في الضفة الغربية، في الداخل، وليس على الساحل أو على شواطئ حيفا ويافا وصفد. فالهيكل في القدس ، ومغارة الماكفيلا في الخليل، وقبر راحيل في بيت لحم، وقبر يوسف في نابلس، وتعود لتربط الأحداث لتعرف أن ما كتبه نتنياهو قبل ربع قرن كان يقصد به الضفة الغربية بكل مكوناتها، ولا يزعجه فيها سوى بعض السكان غير اليهود الذين يعتبرهم الآن في آخر مقابلة له مجرد "رعايا".

لماذا يذكر هذا الآن؟ لأن ما كُتب قبل أكثر من ربع قرن يصبح الآن موضع التنفيذ؛ ولأن من كتبه هو من يمتلك كل ممكنات القوة لتنفيذه، والسؤال الآخر أن بنيامين نتنياهو وصل الحكم في المرة الأولى عام 1996 وفي المرة الثانية عام 2009، وبشكل متواصل حتى اللحظة: فلماذا لم يقم بتنفيذ أفكاره طوال تلك المدة؟ الإجابة أيضاً بسيطة؛ لأن المناخات لم تكن تتوفر بهذا الشكل، ولم تكن البيئة السياسية مهيئة لتمكينه من تنفيذ أكثر المشاريع تطرفاً؛ فإسرائيل تنزاح منذ عقود نحو اليمين أكثر ليصبح ضم الضفة الغربية مطلباً شعبياً حسب الاستطلاعات، وبعد أن ملأت المستوطنات الضفة الغربية.

منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية تنشغل الساحة السياسية في فلسطين "وإسرائيل" والولايات المتحدة والساحة العربية أيضاً بما جاء في اتفاق التشكيل، وهو البدء بعملية ضم الأغوار والمستوطنات في الأول من تموز يوليو؛ أي بعد أيام من الآن. الدوافع الداخلية في إسرائيل كثيرة والممانعة أيضاً كثيرة؛ سواء إسرائيلية، أو بعض الأميركية، أو العربية، أو الفلسطينية التي بدأت تتخذ مواقف أكثر متقدمة عن السابق، والتخوفات التي تبديها بعض دوائر الأمن في إسرائيل، ربما تشكل الجانب الأبرز للممانعة.

ولكن نتنياهو المدجج بالأيدلوجيا، فأغلب الظن أن تحذيرات الأمن لن تكون مقبولة أمام نزعة الأيدلوجيا، وخصوصاُ أن تجربته العسكرية التي كانت ضعيفة "لمدة خمس سنوات من 67 – 72"، انتهت بدرجة نقيب، حيث لم تتح له معرفة كيف تفكر الدوائر العسكرية والأمنية.

لكن النقاش الذي جرى لأسابيع ليس على نمط هل يتم الضم أم لا، بل تحول بعد ذلك إلى كيف ستتم عملية الضم؟ هل مرة واحدة حسب الموعد المقرر؟ أم يتم تأجيله أو سيتم بشكل جزئي؟ أم ينتظر موافقة الولايات المتحدة؟ أسئلة كثيرة حسمها نتنياهو مؤخراً نظراً للفتور الأميركي والميوعة السياسية لموقف الشركاء بني غانتس وغابي أشكنازي، بأن الضم سيتم على مراحل، وليس دفعة واحدة.

وقف نتنياهو بين الموانع والدوافع؛ دوافع داخلية تتعلق بالمصداقية وباليمين، وأكثر من ذلك بالإخلاص لأيدلوجيا سكنته في حي الطالبية في القدس منذ طفولته، والتي كان يعززها نتنياهو الأب في أبناءه الثلاثة، وأصبحت تلك الأيدلوجيا أشد وطأة حينما هاجرت الأسرة إلى الولايات المتحدة وهو ابن الرابعة عشر عام 63، وعندما عاد عام 67، بدأ برسم مستقبله اليميني وإخلاصه لإرث الأب ول "أرض الآباء والأجداد".

وموانع تتمثل في الشركاء والمحكمة الدولية وأيضاً مع العرب الذين بدأوا بالاقتراب أكثر من تل أبيب، وربما أن إعلان الضم سيقطع الطريق على حلم التطبيع، وربما أن بعض المواقف الدولية التي صدرت قد تجر نوع من الغضب وتعيد إنتاج حملة مقاطعة، وبالتالي بين هذا وذاك، فإن نتنياهو المعروف بدهائه الشديد كأصغر رئيس وزراء مر في تاريخ إسرائيل، كان لا بد وأن يجد مخرجاً لكل تلك التضاربات، ويبيع المسألة للجميع، ويخرج رابحاً من الجميع.

لنتفق أن نتنياهو الذي بنى سياسته على الضم ووضع جدولاً زمنياً لا يستطيع التراجع، وبالتالي لم يكن أمامه سوى خيارين؛ إما إعلان الضم في الموعد المحدد أو أعلان جزئي أقل وطأة، وفي الإعلان الجزئي، فإنه ينفذ مشروعه بلا صخب، ويبيع للداخل اليميني المسألة على أقساط بلا تراجع، ويبيع العرب والمجتمع الدولي نصف المسألة، وهكذا يخرج رابحاً في الداخل، وعلى العرب أن يدفعوا ثمن عدم إعلان الضم مطلع تموز كاستجابة لنداءاتهم، وهذا الثمن يعني عملية تسريع العلاقات السرية وإعلانها، وهكذا يكسب التطبيع والضم وبحجر واحد، وإرضاء المجتمع الدولي وقطع الطريق على المحكمة.

بكل الظروف مشروع الضم بدأ على الأرض منذ سنوات، ولا فرق كثيراً بالنسبة للفلسطيني ضم بالجملة أو بالتجزئة، ولكنه بالتجزئة أكثر خطورة، حيث سيمر بلا صخب، بل تجني إسرائيل ثمار ذلك، وحتى لو لم يعلن "ولن يحدث لأن نتنياهو أعطى وعداً"، سيكون عدم الإعلان أكثر خطورة؛ إذ أن الخطوات على الأرض تسير بلا توقف، وبكل الظروف فإن طغيان الأيدلوجيا لن تترك متسعاً سوى الضم، لكن الضم المعلن قد يجر بعض الغضب على إسرائيل، أما الضم الناعم، قد يعطي مكافأة لإسرائيل وثمن للتقسيط، وهذا ربما ما هو أمامنا..!