Menu
حضارة

كيف تقتلنا إدارة المال؟

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

صمم الاحتلال منظومات الحصار والعقوبات والسجون، كأدوات حربية لأحداث القتل المستمر في صفوف شعبنا، دون الانخراط في كلفة الحرب المعلنة، سواء على مستوى خسائره البشرية أو الخسارة في الصورة التي تسوقها منظومته الإعلامية. وإذ يعمل هذا الحصار على التجويع وإلحاق الأذى، فإنه يستثمر بشكل أكبر في الرهان على تطوير عوامل الصراع والانهيار الاجتماعي والاقتصادي الداخلي، بما يمكنه من إسقاط كل معاني ومخرجات الوجود الحيوي الفلسطيني على مستوى الفعل المقاوم والمسيس ضد هذا الاحتلال، أي ممارسة التجويع والافقار لحد دفع المجموع الشعبي للانهيار والصراع والانقلاب على بعضه بعضا.

في مواجهة ذلك تركت الشرائح الأكبر من هذا الشعب المحاصر لا لتواجه تبعات الحصار المباشرة فحسب، ولكن لتتعرض لذات العملية الممنهجة الهادفة لتركيز الموارد في يد العصب الانتهازية المالكة لرأس المال والساعية له، والتي نجحت منذ سنوات طويلة في تجديد شبكة تحالفاتها مع السلطات المتتابعة وحماية مصالحها بفضل هذه التحالفات، كما حافظت على نمط ثابت من الاستفادة من السياسات الاحتلالية على اختلافها وتتابعها، بما مكنها دائما من تركيز مزيد من الثروة في يدها كمجموعة قليلة وحرمان أغلبية الجمهور منها.

أخفقت المنظومة الفلسطينية بكل مكوناتها وفروعها في حماية فقراء هذا الشعب، وهم أغلبيته، وتحولت غزة المحاصرة، والمناطق المهمشة في الضفة الغربية المحتلة، ومخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا، لمختبرات تعذيب وحشي أدواته الرئيسية الفقر والتجويع، وروافعه المحسوبية والفساد، وسوء المقاربة لكل علاقة الاقتصاد بالمواجهة والسياسة، فتركت الملف الاقتصادي في الضفة وغزة وعلى كافة المستويات تحت إدارة ذات المجموعة البيروقراطية القادمة من شبكة رأس المال ورجال الأعمال او العاملة معهم و بخدمتهم، وإدير الاقتصاد الفلسطيني لمصلحة برنامج الاحتلال، أي منع الموارد الأساسية عن أكبر قدر ممكن من الفلسطينيين في البيئات المتمردة، وتوزيعه الثروة في المجتمع حسب رؤية الاحتلال وفرزه الأمني للناس، وهو ما استكملته اجراءات الاحتلال المباشرة في ملف رواتب الأسرى وغيره.

من يقتلنا بأيدينا اليوم، ومن يدفع شبابنا للنهايات المأساوية لحياتهم، هو من أدار اقتصاديات الجباية وخدمة رأس المال في ظل أشكال الحصار والتنكيل الاحتلالي المتعددة، ومن فرض تركز أعباء الحصار على الشريحة الأضعف اقتصاديًا والأكبر عدديًا من أبناء شعبنا، واستمرار تجاهل هذه الحقائق يعني ببساطة استمرار مساندة برامج الاحتلال لدفعنا لنذبح أنفسنا.

لا تنتصر الشعوب إلا بفعل تضافرها، وتمكنها من إدارة مواردها بكفاءة لمصلحة احتياجاتها الأساسية، ولا مكان تحت سقف المواجهة مع المحتل، لاستمرار هذا الثراء الوقح، والاكتناز البشع للثروة وأدوات الرفاهية التفصيلية الباذخة، على أنقاض مئات الآلاف أو الملايين من أبناء هذا الشعب الذين يقتلهم الفقر والحصار والتجويع وغياب الأمل الفردي أو الجمعي.