Menu
حضارة

في وداع صديق العمر

صادق الشافعي

ابو النمل.jpg

خاص بوابة الهدف

صباح يوم الجمعة 22/5/2020 توفي صديق عمري حسين أبو النمل. أكتب اليوم في ذكرى مرور 40 يومًا على وفاته. أنا هنا لا أكتب رثاءً لحسين، فمثله لا يطلب الرثاء، وغالبًا ما كان ليقبله. فقد عاش حسين حياته بطولها وعرضها، بصعوباتها وانفراجاتها، بحلوها ومرها على درجة استثنائية من الانسجام والتوافق الذاتي في كل المجالات وعلى كل المستويات. وظل انتماؤه الوطني وتمسكه بأهداف النضال الوطني والعمل لتحقيقها بكل الأشكال والوسائل، واحدًا من الركائز المتجذرة في بنيان شخصيته. لقد عاش كل حياته وهو مؤمن أن لا شيء ولا هدف يتقدم أو حتى يوازي هدف تحرير الوطن الفلسطيني. ولا أكتب لتعداد واستعراض إنجازاته البحثية والفكرية فكثيرون غيري فعلوا أو سيفعلون ذلك.                                     

أما عن السؤال لماذا احتجت كل هذا الوقت لأكتب عنه وفي النفس، عقلًا ووجدانًا وذكريات، مخزون لا ينضب مما يمكن الكتابة عنه. فلا أجد جوابًا لهذا السؤال إلا أن غياب حسين شكل لي حدثًا غير عادي كأحداث الغياب التي عشتها وتعايشت معها طوال سنين العمر الطويلة.  ولكنني احتجت لهذا الوقت حتى استوعب حقيقة أنه غادر عالمنا.                                       

أجّل استيعاب هذه الحقيقة، استمرار حضوره وذكراه بقوة. غياب حسين شكل بالنسبة لي فقدًا لجزء عزيز جدًا من ذاتي وأركان كياني، ووضع نقطة النهاية للمسار الحي لتاريخ غال وحميم لعلاقة بنيت على مشتركات كثيرة، إلا ما يبقى من العلاقة مستقرًا في العقل والوجدان والذاكرة، وهو وافر وغزير. علاقة الصداقة بيننا استمرت حية غنية متواصلة على امتداد الجزء الحيوي والمنتج من عمرينا، وفرضت لحسين في أعماقي حضورًا راسخًا آسرًا، مشاكسًا، لكن مخلصًا وحميمًا.

53 سنة و3 شهور هي عمر صداقتنا وكلانا حاضر على قيد الحياة. البداية كانت في شباط 1967، يوم نجحنا في انتخابات الهيئة الإدارية لفرع القاهرة في الاتحاد العام لطلبة فلسطين. كان ذلك يوم كنا في عز شبابنا ويفاعتنا واندفاعتنا على كل المستويات، وكذلك كانت آمالنا وطموحاتنا ورؤانا؛ نجح معنا في تلك الانتخابات "خضر شحادة"، الضلع الثالث في مثلث صداقتنا التي استمرت حميمية ومتواصلة بلا انقطاع منذ ذلك التاريخ.                                                                       

توطدت العلاقة أكثر عندما تم انتخاب ثلاثتنا أعضاء في الهيئة التنفيذية الائتلافية-الهيئة القيادية الأولى- للاتحاد العام لطلبة فلسطين بجميع فروعه المنتشرة في الدول العربية وفي العالم، حصل ذلك في المؤتمر العام الخامس للاتحاد الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان في تموز/آب 1969 (افتتحه جلالة الملك حسين)، كانت تجربة الائتلاف جديدة وتحيط بنجاحها الشكوك، خصوصا وأنها كانت باكورة التكامل الائتلافي على هذا المستوى. في بداية التجربة ظهرت شخصية حسين الجادة تلامس حدود الحدّة، و"المناكفة" في تفاصيل علاقة العمل اليومي كرد فعل في الغالب على تصرفات البعض من أعضاء الهيئة، لكن لم تمضِ إلا فترة قصيرة حتى تحولت العلاقة بشكل عام إلى علاقة تفاهم وانسجام ودية وإيجابية على المستوى العملي، والشخصي أيضًا، ووصلت إلى درجة الصداقة. عكست العلاقة الإيجابية نفسها تكاملًا وانسجامًا عاليًا في عمل الهيئة التنفيذية ونجاحًا ملحوظًا في أدائها وإنجازها؛ ساعد في ذلك بشكل خاص، شخصية رئيسنا (رئيس الهيئة التنفيذية) المرحوم أمين الهندي وما تميز به من خلق وود وانفتاح وإيجابية.

بنتيجة المؤتمر العام السادس للاتحاد في الجزائر تموز/آب 1971، ترك حسين قيادة اتحاد الطلاب ليتفرغ لخط حياته الجديد الذي كرسه بكل كفاءة واقتدار للبحث والفكر والكتابة، لكن تركه  لذلك الموقع لم يؤدِ في أي ظرف ومهما اختلفت المهمات وتفرقت ساحاتها وتنوعت ظروفها، إلى انقطاع عرى الصداقة بين ثلاثتنا، ولا إلى ضعفها وفتورها، ولا إلى تضييق في انفتاحها وحميميتها. ولا أثرت بأدنى درجة على استمرار تواصلنا، أو إلى أي تراجع في التعاون بيننا بالحدود القصوى للقدرات والإمكانات لأي منا. الصبغة العامة للعلاقة ظلت حتى اليوم الأخير من حياته على درجة عالية من التفاهم والتوافق في كل جوانب الحياة: إن لجهة الاهتمامات العامة وفي القلب منها الوطنية والفلسطينية بالذات، والانتماء لها، وإن لجهة الاهتمامات العامة الأخرى في معظم مناحي الحياة.

 لا يلغي كل ذلك، حصول اختلافات إنسانية طبيعية وعادية ظلت دائمًا في دائرة التفاصيل والثانويات عديمة التأثير، محدودة الزمن،ولم تخترق أبدًا حدود الصبغة العامة المذكورة للعلاقة.  وأدعي باعتزاز إنني استمريت مستقرًا في موقعي عضوًا أصيلًا في دائرة الأصدقاء الضيقة الأقرب إلى قلبه ووجدانه والأكثر تواصلًا معه، وإنني استمريت حتى أيامه الأخيرة واحدًا من القلائل الذين يستمع لنصيحتهم، حتى لو لم يأخذ بها، ويقبل نقدهم حتى لو لم يقتنع ببعضه.

البعض يصف شخصيه حسين بالحدة والصعوبة، وبالعناد أيضًا؛ يكون هذا الوصف صحيحًا عندما تكون العلاقة في بداياتها الأولى، وفي الغلاف الخارجي السطحي لشخصية حسين، ولم تصل بعد إلى الجوهر، إلى القلب. أما حين تخترق ذلك الغلاف، وما أسهل ذلك لمن هم على شاكلة حسين وطينته وجوهر شخصيته، فإنهم يجدوا أنفسهم أمام عالم لا حدود له من الأخلاق الأرقى منذ خُلق الإنسان: صدق وحب، وفاء وإخلاص ورجولة، أصالة وشهامة، تفهم وعون ونصرة... أما عناده، وربما حدته في بعض المواقف، واعتداده برأيه وتمسكه به والدفاع عنه، بقوة في بعض الحالات، فهو أمر يحسب له لا عليه. ببساطة لأن آراءه ومواقفه في الأمور الجادة، لم تكن تأتي عفو الخاطر ولا بنت لحظة أو مناسبة آنيتين، بل غالبًا ما تكون نتاج تفكير عميق ومدروس، إضافة إلى قدرة متميزة على استقراء ما بعد الحالي والغوص في الجوهر، وليس الاكتفاء بما على السطح، أو التوقف أمام الآني، لكنه في المقابل لا يقلل من آراء الآخرين، بل يأخذها بكل جدية واحترام، بالذات إذا كانت موضوعية وغير صادرة عن هدف شخصي.

كان حسين حادًا كالسيف لا يجيد المجاملة بتاتًا، فالعمل من أجل الوطن لا يستقيم مع المجاملة وتطييب الخواطر، ومع ذلك ومنذ أيام الدراسة الجامعية في القاهرة، كان يحظى بقبول عال من المتشاركين معه في أي مهمة، خصوصًا وهو يتقدمهم في أداء المهمة وتحمل مسؤولية توابعها ومتاعبها، وربما أوزارها. وليضيف إلى ذلك لاحقًا وبالاستفادة من التجارب والخبرات التي اكتسبها، القناعة بفائدة وإنتاجية تحديد وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات وإعطاء كل مسؤول صلاحياته الكاملة وحرية القرار والتصرف في حدودها وحدود القرار الجماعي، وظل كذلك في كل مسؤولية تولاها بعد ذلك وفي أي مجال، وبقدر ما استطاع.

منذ أن ارتبط حسين مع درية بنت مصر الحبيبة خلال دراسته في جامعة القاهرة، ثم زواجهما في بداية السبعينيات، وانتقالها للعيش معه في بيروت، لم يعد ممكنًا رؤية "حسين الإنسان" إلا مقترنًا ومتفاعلًا بكليته معها بكل تفاصيل الحياة الإنسانية والاجتماعية، وفي كل الاهتمامات.   

وظلت"درية" له هي الزوجة المحبة وربة البيت المتفانية ومديرة المكتب والسكرتيرة. وفوق كل ذلك صاحبة الرؤية الثاقبة والمشورة الصادقة من موقع المتشارك معه في التوجه والاهتمام العامين.  وبالنسبة لنا، أصدقاءه المقربين، غير المتزوجين حينها، أصبح بيتهما هو العنوان الأول لزياراتنا ولقاءاتنا، وأصبح طعام درية هو الأشهى لنا نحن المحرومين من دفء البيت العائلي وطعامه. لم يحصل أن رأيت درية شاكية أو متذمرة وبدون ابتسامة أو ضحكة تملأ الجو فرحًا؛ كانت دائمًا تضحك وتمازح وترحب بحرارة بكل الضيوف وتقوم بواجب ضيافتهم بحب. ولمعرفتي بجدية وصعوبة شخصية حسين كنت أمازحها، بحضوره وعلى مسامعه، بأنني أرشحها لنيل جائزة نوبل " للصبر". كانا يتقبلا المزحة بضحكة منها، واتهام بالمحاباة والتواطؤ منه.

أما في أشهر مرضه، خصوصًا وقد ترافقت مع الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة عمومًا، فكانت درية كما المقولة الشعبية السائدة - رغم عدم ارتياحي لهذه المقولة- "أخت الرجال" بأوسع ما فيها من معاني ودلالات إنسانية ومسؤولية وصبر وألم وتحمل وحب وتفاني، بلا شكوى، وظلت البشاشة تكسو وجهها والبسمةلا تفارقه.   

خلال تلك الأشهر وعندما كنت اتصل هاتفيًا على رقم البيت، وكانت اتصالاتي متقاربة، كانت "درية" هي من ترد على المكالمة، كانت تعطيني شرحًا تفصيليًا وصادقًا عن الوضع الصحي لحسين. وإذا كان وضع حسين يسمح، وغالبًا ما كان كذلك حتى الأسابيع القليلة الأخيرة، كانت تنقل الخط لحسين لنعيش في حديث غير قصير متشعب ومتنوع وغني في نفس الوقت. في هذا الحديث، لم أكن أسأله عن وضعه الصحي سوى في حدود الاطمئنان العادي، مشيرًا إلى شرح درية التفصيلي ومكتفيًا به.

ويا حسين، يا صديق العمر بأيامه الجميلة الحلوة والصعبة المرّة، ستبقى حاضرًا في قلبي وفي وجداني ما تبقى من سنين في عمري. سأفتقد كثيرًا محبتك وحميمية صداقتنا ونقاشاتنا المفتوحة تمامًا وكليًا. وسأفتقد آراءك السديدة ونصائحك الصائبة والمخلصة، وأيضًا نقدك غير المجامل لما أكتب وأفتقد بعض "القفلات" البلاغية الجميلة، التي تقترح إضافتها. وأفتقد نصائحك المفيدة الأقرب إلى التوجيهات، بلا أستذة أو استعلاء (قصّر جملتك، قدم بعض التفاصيل الضرورية من نوع التواريخ والأسماء والأحداث...). أما الغالية "دريتك" فستبقى ما حييت "أختي القمر" كما استمريت أناديها في السنين الأخيرة.