Menu
حضارة

معضلة حركة التحرر العربية وأزمتها الداخلية

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

في المؤتمر العام السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي عقد بدمشق في أبريل/نيسان 2000، أعلن الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش تخليه عن منصبه كأمين عام، مؤكدًا أن هذا القرار جاء من منطلق الديمقراطية، مضيفًا: "إيماناً مني بإفساح المجال لقادة غرسوا في النضال، وقناعةً مني بأن الجبهة الشعبية لديها القدرة على خلق القيادات"، وخلفه في هذا المنصب أبو علي مصطفى الذي لم يمكث طويلًا، فقد اغتالته قوات الاحتلال الصهيوني في مكتبه بالضفة الغربية يوم 27 أغسطس/آب 2001، ليأتي أحمد سعدات أمينًا عامًا للجبهة، ولم يمكث أيضًا، حيث أسرته قوات الاحتلال عام 2006 وحكمت عليه بالسجن 30 عامًا.

بعد خمس سنوات من خطوة الحكيم، وعلى الضفة الأخرى من الوطن العربي الكبير، تخلّى البحرين ي عبد الرحمن النعيمي المعروف لدى حركة التحرر العربية باسم (سعيد سيف) عن منصبه كأمين عام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"، رافضًا ضغوطات كوادر التنظيم الذين ذهبوا إلى منزله من أجل إثنائه عن قرار التخلِّي عن هذا المنصب تحت ذريعة أن الوقت غير مناسب لتخلِّي النعيمي عن منصبه كأمين عام، أمضى أكثر من 32 عامًا من عمره في المنافي والعمل السري، قبل أن يعود ويقود النضال الوطني العلني في البحرين الذي تُرجمت آفاقه مطلع الألفية الثالثة بعملية انفراج أمني وسياسي واسعة في 2001، مكَّنت النعيمي ورفاقه وأطياف المعارضة من العودة إلى حضن الوطن.

جورج حبش وأبو علي مصطفى، الفلسطينيون، وعبدالرحمن النعيمي، البحريني، ثلاثة رفاق كانوا قيادة في حركة القوميين العرب التي كانت ترفع شعار "وحدة-تحرر-ثأر"، واتخذوا قرارات مصيرية شجاعة تتعلق بحاضر ومستقبل الأمة أولًا، وأقاليمهم ثانيًا، وتنظيماتهم السياسية ثالثًا، وكان لهم رفاق في الكويت (د. أحمد الخطيب وعبدالله النيباري وسامي المنيِّس ود.خالد الوسمي)، وفي عمان حيث تأسست الحركة المسلحة الرديفة في التاسع من يونيو/ حزيران1965، بعد ستة أشهر من انطلاق الثورة الفلسطينية، وفي اليمن حيث ثورتا سبتمبر في الشمال وأكتوبر في الجنوب؛ قرارات تعبّر عن حالة متقدمة من نكران الذات والتداول في المناصب القيادية. فقد كان رد النعيمي على الذين مارسوا الضغوط عليه: "إن مضينا فيما تريدون، فماذا تركنا إلى الأنظمة العربية من احتكار للسلطة؟ وأي نموذج نقدم لجماهيرنا في الديمقراطية الداخلية؟ إن السلطة، أي سلطة، مغرية وتقود مع التشبث بها إلى التفرّد والاستبداد وبالتالي الفساد.. "فالسلطة المطلقة مَفسدة مطلقة" -كما يقال- هي خطوات تعبر عن معادن أصحابها الذين اتخذوها، ونظرتهم للديمقراطية الداخلية في أحزابهم وتنظيماتهم السياسية. لكن، هذه خطوات على أهميتها، تحصل في بعض تنظيمات حركة التحرر العربية، بينما لا تمارس أغلبيتها أي تداول ديمقراطي للقيادات، وهي معضلة مزمنة ومستفحلة.

لا يختلف اثنان أن حركة التحرر العربية تعاني من أزمات لا تقل عن أزمات الأنظمة الحاكمة والكثير من دول العالم الثالث؛ أزمات تتناسل من بعضها فتتراكم دون حلول حقيقية تمكّنها من وضع اليد على جرح هذه الأزمات، رغم المطالبات، الكثيرة والمستمرة والملحّة، من قبل كوادر وقيادات ومثقفي ومفكري تنظيمات هذه الحركة بتعدّد مشاربهم الإيدلوجية والفكرية والعرقية. وقد كتب الكثيرون في أزمة حركة التحرر العربية ومن زوايا مختلفة؛ إلا أن عمقها وتشعُّب مفاصلها حال دون الوصول إلى خلاصات من شأنها إعادتها على سكّة الطريق القويم.

تحتاج عملية البحث في أزمة حركة التحرر العربية إلى متّسع من الوقت، يكون كافيًا للتعرض لقضاياها الشائكة وتداخلاتها مع الجانبين الإقليمي والدولي وتشابكها في أكثر من موضع. ومسألة الديمقراطية الداخلية في أحزاب وتنظيمات الحركة واحدة من القضايا التي لا تزال عالقة لدى أغلب القوى، وخصوصًا تلك المؤثرة في صيرورتها، حيث تتصل الديمقراطية الداخلية مباشرة بالمراجعات الفكرية والسياسية المطلوبة في المفاصل والمحطات التاريخية كالمؤتمرات العامة والهجمات السلطوية والخلافات داخل تنظيمات وقوى حركة التحرر العربية؛ اتصال هدفه إحداث النقلة النوعية المراد تحقيقها لتجاوز العثرات المتكررة والمعوقات التي تعاني منها وتحول دون انجازها لمهامها.

في تشريحه لأزمة حركة التحرر العربية يرى القائد الشيوعي اللبناني الراحل مهدي عامل "أن البرجوازية الكولونيالية طمست الجانب الاقتصادي-الاجتماعي-الطبقي بحجة تحقيق المهمات القومية، قابله رد الأحزاب الشيوعية بطمس جزئي للجانب القومي لصالح الاجتماعي، ما أدى إلى ما بات معروفًا بالفصل بين جانبي الصراع الطبقي في البنية الكولونيالية، في وقت بات تشابك المهمات القومية والاجتماعية في غاية الوضوح ويدحض فكرة التمرحل الخاطئ هذه وتشويه الطبقة العاملة عبر تأجيل مشاركتها في الصراع إلى أن تحين مرحلة الانتقال إلى الإشتراكية. بهذا المعنى، والقول لمهدي عامل، تكمن أزمة البديل الثوري في أزمة خطه السياسي، ويكمن الخروج من الأزمة في تغيير هذا الخط ورسم خط يجمع التحرر القومي والتحرر الاجتماعي في عملية وحدة، تمليها طبيعة التحرر الوطني من الرأسمالية الكولونيالية". هذا الموقف يتوافق معه زكي خيري أحد منظري الحزب الشيوعي العراقي (كتاب مراجعات ماركسية)، ويتباين معه نسبيًا البحاثة والمفكر العراقي هادي العلوي (رسالة العلوي لخيري).

كان مهدي عامل، قبل اغتياله في عام 1987، في أوج عطائه النظري الطامح وتشريحاته المتألقة لراهن حركة التحرر العربية التي لم تصل، حينها، إلى أوج أزماتها البنيوية والفكرية والسياسية، فقد رحل (عامل) قبل انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يقف على رأسه في سنواته الأخيرة ميخائيل غورباتشيف صاحب "البيرسترويكا" و"الغلاسنوسنت"، قبل أن يقفز بوريس يلتسن على دبابة الجنرالات الذين حاصروا الكرملين ونفّذوا انقلابًا فاشلًا صيف 1990، أرادوا من خلاله فرملة أو تأجيل سقوط الدولة السوفييتية العظمى التي نخرها الفساد وسباق التسلح وغياب الديمقراطية الداخلية، وما خلّفه، بعد ذلك، انهيارها من أزمة قصمت ظهر الحركة الشيوعية العالمية، ومن بينها الحركة الشيوعية الرسمية العربية التي عاشت تِيهًا امتد مطولًا وفعل فعلته في أغلبها، ولا يزال حتى الوقت الراهن. وبهذا المعنى يصعب فحص الكثير من مقولات مهدي عامل بينما حالة التِيه قائمة، وحيث الطبقة العاملة التي تحدث عن تغييبها هي أصلًا حالة مشوّهة في تركيبتها، عربيًا على الأقل، نظرًا لعدم وجود طبقة عاملة عربية بالمفهوم المتعارف عليه في النظرية الماركسية ال لينين ية، حيث الاقتصاد برمّته تعرض للتشويه، ولم تعد العملية الإنتاجية كما هي في مفهوم ماركس وأنغلز ولينين بعدهما، وقد جاءت مكانها مفاهيم أخرى لا صلة لها باقتصاد الإنتاج الصناعي القائم على طبقة عاملة منتشرة في المنشآت، ولا بالاقتصاد الزراعي المتعارف عليه لتتشكّل حالة التحالف النظرية بين العمال والفلاحين.

إن الاقتصاديات العربية، بهذا المفهوم، هي اقتصاديات هلامية هشّة، لا يعتد بها لإنتاج قوى عمالية منظمة في نقابات تفرز كوادرها لتنظيم الطليعة، بل هي حالة مزرية من العمال المشرذمين الذين يبحثون عن لقمة الخبز في بلادهم أو في بلدان المهجر، ولا يهمهم إن غرقوا في البحر وهم يحاولون الوصول إلى البر الأوروبي بحثًا عن الرزق والحياة التي ضاقت بهم في بلدانهم العربية فهربوا منها؛ بسبب الفقر والبطالة والقمع. وعليه فالحديث عن معادلة "الفصل بين جانبي الصراع الطبقي في البنية الكولونيالية"، غير قابلة للتطبيق، ليس بسبب خطأ فيها، بل لأن المعطيات التي انطلقت منها المعادلة لم تعد قائمة بعد أكثر من ثلاثة عقود على إطلاق هذه المعادلة، وحيث أن قوى الإنتاج ووسائلها وأدواتها قد تم تشويهها، فإن الإنتاج سيكون مشوهًا أيضا. نقصد هنا الحركة النقابية والعمالية التي لم تعد قائمة بالمفهوم الذي تم افتراضه، فالبرجوازية الكولونيالية تمارس فعلها على الأرض، بينما على العمالة العربية المهاجرة الاجتهاد أكثر لإرسال العملات الصعبة لبلدانها العربية المهترئة لحقنها بعشرات المليارات من الدولارات الكفيلة بالحد من تدهور العملات الوطنية.

تشير احصائيات 2015 أن العمالة العربية المهاجرة بلغت 24 مليون نسمة، وفق اتحاد المصارف العربية الذي أشار إلى أن هذه العمالة حولت نحو 49 مليار دولار في نفس العام. يقابلها عمالة وافدة في دول مجلس التعاون الخليجي تبلغ نحو 15 مليون نسمة، وتشكل أغلبية سكانية في أربع دول من أصل ست دول خليجية، يحولون سنويًا قرابة 120 مليار دولار أغلبها تذهب إلى جنوب شرق آسيا، هنا يمكن فهم التشويه الذي نتحدث عنه.

بهذا المعنى أيضًا، يمكن فهم كيف أن قيادات حركة التحرر ليست من منبت عمالي، أو إن أغلبها لا ينتمي إلى الطبقة العاملة التي يبحث عنها مهدي عامل لإشراكها في إنجاز المهمة التاريخية المطلوبة، ولذا فإن المثقفين القادمين من رحم طبقات اجتماعية عمالية مشوهة أو من بروليتاريا رثّة أو من برجوازية صغيرة تبحث عن منافذ للانطلاق والتضخم، لن تقوم بالمهمات التاريخية المطلوبة منها، أو إنها غير قادرة على القيام بدور كهذا، وبالتالي غير قادرة على ممارسة ديمقراطية تنتشل الواقع الحزبي الراهن من معضلته.

في المجتمعات التي تعاني من اقتصاديات مشوّهة، يكون من الطبيعي أن تفرز بنًى سياسية لا تختلف في التوصيف عن البنى التحتية القائمة، أي تغييب المسألة الديمقراطية بفعل الأمر الواقع، أو هي مؤجلة في الحد الأدنى، ليس على مستوى حركة التحرر التي هي نتاج مجتمعاتها المشوهة بالطبع، بل أيضًا، وفي الأساس، على مستوى النظم السياسية التي تخرج كل ما في جوفها من "غرائز شيطانية" لمواجهة التحركات الشعبية وحركات الإصلاح والتغيير في المنطقة العربية؛ بسبب انهيار الكثير من المرتكزات التقليدية التي كانت قائمة التغوّل في لجم حركات التغيير بمساعدة الدول العظمى (الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوربية) التي تخلّت عما روّجت له في المؤتمر التأسيسي لمنظمة التجارة العالمية، في عام 1994 بالمغرب، فقد شدد، نائب الرئيس الأمريكي، حينها آل غور في كلمته: "إن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتوسيع الطبقة الوسطى في العالم"، أي، تقليص الفقر والذين يموتون بسببه، وفي نفس الوقت زيادة حجم التجارة الأمريكية مع الخارج. هو أراد تطمين دول آسيا الكبرى على وجه الخصوص، ومنها الهند والصين. لكن الوقائع تؤكد غير ذلك بعد عقود من تأسيس المنظمة التي أرادت واشنطن قيادة العالم عبرها بعولمة تبين أنها أكثر توحشًا وافقارًا وغيابًا للبعد الاجتماعي. في هذا الصدد يشير أنتوني لونيشتاين في كتابه "رأسمالية الكوارث" الصادر عن سلسلة عالم المعرفة (نوفمبر 2019)، بأن "الأرقام تتحدث عن نفسها، فحصّة الثروة في الولايات المتحدة الأمريكية المملوكة لدى نسبة 0.01 بالمئة الأكثر ثراءً بها قد تضاعفت أربع مرات منذ عشية ثورة ريغان، وتمتلك نسبة الواحد بالمئة الأكثر ثراءً بين سكان العالم ما يصل إلى 46 بالمئة من مجموع الأصول العالمية، والتخفيضات التي أجرتها الولايات المتحدة على طوابع الطعام، قد تركت أكبر بنك للطعام في نيويورك وهو يصارع من أجل مسايرة الطلب عليها، لا سيما أن نحو 16.5 بالمئة من سكان هذه الولاية يحتاجون إلى هذه المساعدة من الطعام. وفي عام 2013، وفقًا لوزارة الزراعة الأمريكة، كان ما يقارب من 14 بالمئة من سكان البلاد "يعجزون عن الوصول إلى الطعام الكافي اللازم لحياة نشطة وصحّية لجميع أفراد الأسرة"، أي بزيادة نسبتها 30 بالمئة منذ عام 2007، والطبقة المتوسطة الأمريكية التي طالما تعتبر – لزمن طويل – الأكثر نجاحًا في العالم، باتت تعاني الآن عدم المساواة في الدخول على نحو متزايد، وثمة عامل حاسم في هذا التراجع كان يتمثل في الفشل في تحصيل التعليم بما يحقق التقدم بالقدر نفسه من النجاح، وكما هو الحال في بلدان صناعية أخرى".  

 لقد كان لصعود الشعبوية في الولايات المتحدة الفجة (دونالد ترامب) وبعض دول أوروبا وأمريكا اللاتينية، دورًا كبيرًا في لجم التطور الديمقراطي ببلدان عربية، وأخرى من العالم الثالث تخضع للتبعية الاقتصادية والسياسية، وقصم ظهر التوجهات نحو الديمقراطية في تلك البلدان، بل إن بعض الدول العربية تراجعت القهقرى عن إنجاز الخطوات الأولى للعملية الديمقراطية وتأجيلها في الدول التي شهدت موجات من التحركات الكبرى والمتوسطة من أجل فرض النهج الديمقراطي؛ الأمر الذي أدّى إلى بروز قناعة بأن المسألة الديمقراطية مؤجّلة في هذه الدول إلى حين، وهي ستبقى مؤجّلة داخل أطر حركة التحرر العربية الحزبية، حيث تستمر علاقات الإنتاج ووسائلها كما هي دون تغيير.

تأجيل الديمقراطية يعني أيضًا تأجيل المراجعات الضرورية في المنعطفات التاريخية، وبالتالي المراوحة في مستنقع أوضاع سياسية واقتصادية غير قادرة على إحداث الثغرات المطلوبة للتحول النوعي وفرض عملية التغيير برمي الحجر في المياه الراكدة، وتلك مسألة تحتاج إلى عقليات جديدة تؤمن بأن الإيدلوجيا ليست نصوصًا مقدّسة أو جامدة، إنما هي ديناميكية تتطور وتتغير بفعل تغير المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والشروط الإقليمية والدولية التي من شانها إحداث الفرق في حالة الديمقراطية المأزومة داخل حركة التحرر العربية.