Menu
حضارة

الهدف تحاور مسئول اللجنة الثقافية للجبهة الشعبية بغزة

أبو العيش للهدف: غسان كنفاني ظاهرة إنسانية متميزة مسكونة بهموم الشعب الفلسطيني والعربي

مسئول اللجنة الثقافية للجبهة الشعبية في غزة زكي أبو العيش

خاص بوابة الهدف
  • غسان ظاهرة إنسانية فلسطينية متميزة مسكونة بهموم الشعب الفلسطيني والعربي.
  • عبء تأصيل وتقديم إرث غسان لا يخص الجبهة الشعبية بمفردها
  • غسان لم يكن أديباً أو سياسياً أو مفكراً فقط بل كان شاملاً لكل هذا وبإبداع
  • غسان رسم خطوط جذرية ومبدئية للأجيال القادمة كي لا تمر بهذا المجرى المتهاون والمتردد والمساوم.
  • غسان رسم مهمات للحزب الثوري وطبيعة كفاحه ونضاله وشروط انتصاره.
  • لو كان غسان حياً بيننا سيطلب منا العودة للبدايات ولحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد
  • قطع غسان قطعاً باتاً مع أي خطوة تطبيعية مع الكيان في أي مجال كان.
  • غسان كان يرى بأن المقاومة والثورة هي الحل لجميع المعانيات وتحقيق الحرية والعودة
  • غسان كان يرى بأطفال فلسطين المستقبل وعلى أيديهم تتحقق الأهداف
  • شَكلّت رواية " أم سعد" حالة نموذجية لرؤية غسان للمرأة
  • غسان كرس حياته لبث الفكر الثوري انتصاراً للفقراء والمسحوقين.
  • الحفاظ على إرث غسان بجعل كتاباته وانتاجه في متناول الجميع
  • توقع غسان أن تصبح غزة منبع الثورة والاستعداد للتضحية
  • نوجه رسالة للشباب بأن يتسلحوا بالثقافة والوعي وليكن غسان قدوتكم فهو لم يمت ولن يمت.

س: بلورت صور النكبة التي عايشها الشهيد الأديب شخصيته وألهمته وساهمت في استيقاظ مارد اللاجئ المثخن بعذابات اللجوء بداخله، برأيك ما أبرز الأعمال الأدبية التي صورت بدقة مرحلة النكبة واللجوء؟.

في البداية لا يمكن الحديث عن غسان كنفاني دون أن نشير إلى أن هذا القائد الفذ والأديب المبدع قد كان ظاهرة إنسانية فلسطينية متميزة مسكونة بهموم الشعب الفلسطيني والعربي، ويتعدى ذلك إلى الفضاء العالمي وهموم الفقراء والمسحوقين والمضطهدين في جميع أرجاء المعمورة، أعطى كل لحظة من عمره وكل قطرة من عرقه ودمه لتتخلص البشرية من الظلم والاستبداد. وعاش هذه الهموم واستوطنته، عَبّر عنها ليس فقط في متن كلماته وكتاباته، وإنما أيضاً بحركته الواسعة وانتمائه السياسي ورؤيته المستقبليةـ ومن الجدير ذكره أنه بدأ الكتابة حتى قبل انتماءه لأي حركة سياسية، وكان ينشر فكره في مقالات تحمل توقيع أكثر من اسم وبالذات "فارس فارس" وأسماء أخرى. وفي أكثر من مجلة يومية وأسبوعية، وقد ترأس مجلة الهدف التي تصدر عن الجبهة الشعبية بعد انطلاقتها.

 عاش واقعه ولكن روح التمرد واكبته منذ الصغر، وكان كمن يسبق الزمن فيصنع من المستحيل إمكانية واقعية قابلة للتحقق ويخلق من النتيجة أسباباً لنتائج أكثر مواتية في مسيرة يعتبر بها أن العامل الذاتي هو الأساس والمؤثر في الموضوعي، فلم يتردد في حسم خياراته، واختط طريقه وكأنه يعرف أن عمره قصير فأعطى بكل جوارحه كي لا يموت موتاً طبيعياً ولا يموت قبل أن يكون نداً. وبالعودة للسؤال، لا نستطيع تحديد عمل أدبي محدد أو بارز صور بدقة مرحلة النكبة واللجوء فقد عاش كنفاني هذه المرحلة وعايشها، وكان جزءاً منها فُجبلت حياته بالبحث عن طرق ووسائل الخلاص منها، فسكنت عقله ووجدانه وحياته مرارة أن يقتلع من بيته وأرضه ووطنه ليصبح مشرداً يبحث هنا وهناك عن لقمة العيش من ناحية، وعن الكرامة من ناحية أخرى، وقد صور ذلك في كثير من أعماله الأدبية بدءاً بروايته " رجال في الشمس"، مروراً بمجموعته القصصية " عالم ليس لنا"، و" عن الرجال والبنادق"، و" ما تبقى لكم"، و" أم سعد"، وغيرها، فجميعها تقرأ بها النكبة واللجوء، ومرارة العيش خارج الوطن، ولعل قمة ما صور بها النكبة واللجوء هي رواية " عائد إلى حيفا" التي صورت مدى الرعب والهزيمة والتشريد للدرجة التي تنسى بها الأم وليدها في خضم المعركة تحت محاولات إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهو تصوير لحجم المرارة والمأساة لما حدث في نكبة 1948م، فهول ما جرى أنسى الأم وليدها، وجعل الشعب يترك أرضه ووطنه حفاظاً على الروح، فهل هناك أبلغ من هكذا تصوير، في اعتقادي أن رواية " عائد إلى حيفا" كانت تصويراً مركزاً لحجم المأساة حتى عند عودة الأب للبحث عن ابنه ووجده في المعسكر المعادي، وإمكانية أن يقتل الشقيق شقيقه كنتيجة حتمية لما أحدثته النكبة من زلزال مدمر للشعب الفلسطيني، وقلبت حياته إلى مجموعة كبيرة من التناقضات كان يجب البحث عن حلول لها.

س: بعد مرور 48 عاماً على استشهاد عضو مكتبها السياسي الأديب غسان كنفاني، كيف تُقدم الجبهة الشعبية رفيقها غسان سياسياً وأديباً ومفكراً ورساماً؟

أعتقد أن الجبهة الشعبية كجزء من ثورة الشعب الفلسطيني المعاصرة، وشهيدنا غسان وإن كان عضواً في المكتب السياسي للجبهة إلا أنه ينتمي للثورة الفلسطينية، وهو أحد كوادرها العاملين في أحد فصائلها فإن عبء تأصيل وتقديم هذا الإرث الضخم والإبداعي لا يخص الجبهة الشعبية بمفردها وإنما هو أحد أعلام الشعب والثورة ويقع عبء تقديمه على الجميع دون استثناء، بما فيها النخبة المثقفة والمهتمين بالثورة وأدبها وإنتاجها الإنساني والشعبي، فعندما يقول " يوسف إدريس" وهو رائد القصة القصيرة المصرية " يا شعب فلسطين فلتجعل من كتابات غسان قرآناً لك" فهو يقرأ بعمق تأثير هذه الكتابات وإبداعيتها، بما تحتويه من قراءة صحيحة للحاضر ورؤية شفافة للمستقبل ترتقي لبرنامج مهمات كان يجب تبنيه من الكل الوطني، ولكن وللأسف ونظراً للفئوية التي غرقت به فصائل العمل الوطني قد حيدت الشهيد غسان، وتعاملت معه وكأنه أديب أو كاتب فقط، وإغراقاً في التحييد وكأنه يخص فصيل محدد دون أن يروا انتمائه للشعب والقضية، وأحد الأفذاذ في التاريخ الفلسطيني، وأحد أعلام الأمة العربية والثورة العالمية. إن هذا التقصير بحق شهيدنا وإرثه النضالي والثوري والأدبي والمقاوم، وفكره الباعث للأمل والطموح لم يقتصر على الجبهة الشعبية وإنما يطال أيضاً الجميع دون استثناء، صحيح أن الجبهة تتحمل المسئولية الأولى عن ذلك، ولكن ما تمتلكه من مقدرات، وما مرت به من ظروف ومنعطفات جعلها تقصر وتنشغل بقضايا وهموم المحافظة على الذات ضد الهجمات، ولكن هذا لا يبرر لها ولا لغيرها ما جرى من تقصير سيما أن غسان لم يكن أديباً فقط أو سياسياً فقط أو مفكراً فقط بل كان شاملاً لكل هذا وبإبداع، شاملاً أيضاً الممارسة العملية على الأرض كمقاتل وثائر حتى الاستشهاد.

وتميز الشهيد بإحساسه المرهف حيث أضاف إبداعاً آخراً وهو الرسم، فقد كان يُترجم أفكاره أيضاً بالرسم إن كان في لوحات بحد ذاتها أو على صفحات رواياته وقصصه القصيرة، وهذا يعكس مدى عظمة هذا الإنسان بتعدد مواهبه وقدراته بل وخطورته على الأعداء الذين لم يحتملوا أن يكون لدى الشعب الفلسطيني إنساناً بهذه المقدرة، فلقد شَكلّ الرسم أحد الجوانب المضيئة والمعبرة والمحرضة في تناغم عجب وفريد بين الفرد وأهدافه، فكل هذا تجسد في شخص استثمر كل لحظة في حياته القصيرة في سبيل القضية، ألا يحق لنا كشعب فلسطيني أن نفخر بأن هذا المبدع هو أحد أبنائه، أليس من واجبه علينا أن نحفظه عن ظهر قلب ونقتدي به، وأن نجعل ما أنتجه "قرآناً" لنا.

س: لو كان غسان حياً بيننا الآن، كيف سيصف لنا هذا المشهد الراهن؟ وما هو العلاج الذي سيقدمه لهذه الحالة الوطنية السقيمة؟

لقد عاش غسان فترة النكبة واللجوء وساهم في حركة القوميين العرب، وفي انطلاقة الجبهة الشعبية وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وتفجر الكفاح المسلح وفترة خطف الطائرات والعمليات العسكرية ضد العدو وبدايات الحرب الشعبية طويلة الأمد، وواكب شعار " وراء العدو في كل مكان" بمعنى أنه عاش فترة العنفوان والرد الفلسطيني الطموح. أي أنه ساهم في صناعة الثورة والرد ومارسه فعلاً، واستشهد. وعلى الرغم من ذلك فإنه استشرف المستقبل وقرأه في كتاباته ومقالاته وتوقع حالة الردة والتساوق مع العدو إن كان على المستوى الفلسطيني أو المستوى العربي، وحذر ونبه أن المجرى الطبيعي للحالة القيادية الفلسطينية والعربية ستصل إلى حالة من التصالح مع العدو الصهيوني، لذلك هو رسم خطوط جذرية ومبدئية للأجيال القادمة، كي لا تمر بهذا المجرى المتهاون والمتردد والمساوم، رسم مهمات للحزب الثوري وطبيعة كفاحه ونضاله وشروط انتصاره. إن أي وصف للمشهد الراهن لن يخرج عن أن حالة الهزيمة المعنوية التي يستثمرها الأعداء في أوساط الثورة الفلسطينية والعربية تدفعنا إلى مزيد من التراجع والهزيمة، إن عدم حسم الأمور ووضعها في نصابها الثوري الملتزم والمنضبط سيزيد مسألة الصراع ميوعة، وسيدفع الأعداء لمزيد من الهجوم، حيث تجد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية فرصتها في الإجهاز على القضية وتصفيتها، إنه وضع مزري على مستوى القيادات والنخب التي ضيعت البوصلة، بل وباتت تستخدم حتى التسميات والمصطلحات التي يفرضها العدو. إننا أمام مخاطر لا تجد أدوات التصدي لها وإن وجدت فهي ضعيفة ومنقسمة وفئوية تزيد من حالة الضعف والتفكك. أما ما هو العلاج الذي كان سيقدمه غسان لهذه الحالة الوطنية السقيمة، فباعتقادي أنه سيقول " علينا العودة للبدايات. علينا العودة لشعاراتنا القديمة من قومية المعركة، ووراء العدو في كل مكان، علينا العودة لحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، علينا التنصنيف بحزم وجسارة لمعسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء، علينا أن نتبنى التصنيف الطبقي، وتحديد طبقات الثورة والعمل بحزم وحسم على أن تتولى قيادة وطنية المسألة الفلسطينية دون خوف أو وجل من التبعات.

س: حدد الرفيق الأديب الشهيد غسان كنفاني موقفاً حاسماً من موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني، حين قال " أن الجلوس مع العدو - حتى في استديو تلفزيوني - هو خطأ أساسي في المعركة. وكذلك فإنه من الخطأ اعتبار هذه المسألة مسألة شكلية"، هل يمكن اعتبار ذلك قراءة استشرافية من الشهيد حول ما ستصل إليه الأمور من تطبيع علني مباشر وغير مباشر مع الكيان الصهيوني؟

نعم كان استشراف مجرى التطبيع من قبل غسان قراءة مستقبلية لمجرى تطور الأوضاع في الساحتين العربية والفلسطينية، لقد كان واضحاً أمام كل عين ثاقبة كعين غسان مدى سعي الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، وأصحاب المصالح في الساحة الفلسطينية لأن يصبح الكيان الصهيوني حالة طبيعية في المنطقة العربية، ولم يكن هذا ممكناً إلا من خلال تدجين الشعوب العربية واشغالها بنفسها من ناحية وجعل مسألة التصالح مع العدو الصهيوني مسألة عادية وطبيعية. بمعنى كان يفهم غسان أنه لن يكتب لهذا الكيان الغاصب الحياة إلا إذا اندمج في هذه المنطقة وسيطر عليها عسكريا ًواقتصادياً واجتماعياً، وهذا ما كان يمكن أن يحدث إلا بالتدريج وخلق أسس للتطبيع وتأهيل النفسية العربية لاستيعابه بخطوات متدرجة وقفزات محسوبة ومدروسة، ومن هنا قطع غسان قطعاً باتاً مع أي خطوة تطبيعية في أي مجال كان وأي موضوع إن كان صغيراً تافهاً أو كبيراً، ومن هنا أيضاً رفض ونَظّر ضد أي لقاء تلفزيوني أو مناظرات حتى لو كان النصر بها لنا، لأنه كان يعتبر ذلك مقدمات لما هو أكبر على قاعدة التدرج. نعم كانت قراءة استشراقية لعقلية العدو وطرقه في الزحف البطيء أحياناً والسريع أحياناً أخرى نحو التطبيع مستثمراً الحالة العربية المتردية والنفسية المهزومة للتوغل نحو التطبيع، وإدماج هذا الكيان الغريب والمرفوض من قبل الشعوب العربية.

س: يعتبر الشهيد الأديب رائد أدب المقاومة، وأول من كتب في الأدب المقاوم، ما الذي يمكن أن نستلهمه من الدراسات الهامة عن أدب المقاومة التي قدمها الشهيد لنا؟

واضح أن الشهيد غسان ومن وحي هم الوطن المسكون به قد وضع لنفسه برنامج عمل بقضيته يريد أن يوصلها للناس والشعب الفلسطيني بصفة أساسية، فكتب في الأدب المقاوم كدراسة لانعكاسات الحالة  الشعبية في الأدب، ولما كان الشعب الفلسطيني يقاوم منذ بداية الغزو الصهيوني فإن ذلك انعكس في جميع مناحي حياته السياسية والاجتماعية والثقافية والتراثية، فكان لابد أن تدرس هذه الحالة في نطاق جدلية التأثير والتأثر حيث يُشكل الأدب حالة أصيلة وانعكاس مباشر لهموم الجماهير، كذلك فإن هذه الجماهير تتأثر بما يتم إنتاجه من الأدب كحالة ثقافية تتعمق في وجدانها، وقد شَكلّت هذه الدراسات بدايات الاهتمام بهذا الأدب، بل وشَكلّت إلهاماً لمن جاء بعده يوثق ويدرس بالمعنى الذي يحمي هذا التراث الذي حاول ويحاول الصهاينة سرقته وتحريفه وتزويره. إن عملية تأصيل الأدب هي عملية مواكبة لمراحل تطور الصراع على قاعدة بناء قواعد راسخة للثقافة المقاومة بحيث تنتج في النهاية قوة العادة لتصبح سياج يحمي المقاومة ويواصلها حتى الانتصار.

س: رمزية المقاومة التي اختصرها الشهيد بالبندقية وبالفدائيين، ما الرسالة التي أراد الشهيد أن يوصلها من تركيزه في رواياته على هذه الرمزية؟

للعلم أهم ما ميز كتابات غسان هي الرمزية البسيطة التي يفهمها الجميع، ولا نستطيع أن نحصر رمزيته بالبندقية والفدائيين، فلقد واكبت هذه الرمزية مراحل متعددة. ففي بدايات الكتابة ركز رمزيته في إثارة الجماهير الفلسطينية على واقعها المسلوب والمشتت، في إطار التحريض على حالة الخلاص الفردي الذي لن يؤدي إلا إلى  الموت، لصالح الحل الجماعي الثوري الذي سينتج مساراً آخراً يستطيع الشعب من خلاله انتزاع حقوقه المسلوبة. تطورت هذه الرمزية في سياق العمل الثوري للتركيز على أن الشعب الفلسطيني وجد ضالته في انطلاق العمل المسلح فكانت البندقية والعمل الفدائي. لقد سعى غسان في معظم – إن لم نقل جميع كتاباته، إن كانت في القصة القصيرة أو الرواية أو المسرحية أو المقالات والدراسات برمزيته المباشرة والمفهومة – إيصال رسالة لجموع الجماهير أن المقاومة والثورة هي الحل لجميع المعانيات، هي التي تستطيع تحقيق الحرية والعودة، بالمعنى الذي يدفع الجماهير للالتفاف حول الثورة لتحمي أهدافها وتحافظ عليها وتمنعها من الانحراف أو المساومة، ولتظل البوصلة واضحة وفي الاتجاه الصحيح.

س: كتب الشهيد غسان العديد من قصص للأطفال، ما الدلالة من ذلك؟

إن أحد الابداعات المميزة لغسان هو اهتمامه بالأطفال وكتاباته في هذا المجال ليقول أن هؤلاء هم المستقبل وهم جيل التحرير، وضرورة بناء هذا الجيل المحرر بناءً صحيحاً باعتباره الضمانة لتحقيق هذه الأهداف، حيث يقول غسان في بدايات الثورة " أن هذا الجيل ليس جيل التحرير وإنما هو الجيل المؤسس. أما جيل التحرير فهو القادم، وهذا يعكس مدى رؤية غسان الثاقبة ووعيه لضراوة المعركة وصعوبتها والمدى الزمني الطويل الذي ستأخذه، وحجم المعاناة التي سنكابدها حتى إنجاز الانتصار، وهو يعرف أن الشعب والثورة يجب أن يكونا مترادفان وعملية مراكمة مستمرة توفر شروط التقدم باستمرار، وأطفال فلسطين هم المستقبل، وعلى أيديهم تتحقق الأهداف، ومن هنا بالذات كان اهتمام غسان بكتابة قصص الأطفال، تأهيلاً للمستقبل واستشرافاً له.

ولعل نبرته في قصة " القنديل الصغير" هي تجسيد لرؤيته بعدم الركون والسكون انتظاراً للفرج أو الاستسلام، فالخيارات واضحة إما الهزيمة والموت، أو السعي وخلق شروط الانتصار، علينا أن نصنع شمسنا بأيدينا، ليس شمسنا فحسب بل وجنتنا أيضاً، إن العمل الجماعي والبناء المستقبلي هو ما يمُكَننّا من تحقيق طموحنا، وأطفالنا هم المستقبل وإن تم تربيتهم على هذا الأساس فإن المستقبل سيكون لهم.

س: اهتم الأديب الشهيد بالمرأة الفلسطينية كلاجئة وفدائية ومقاتلة، وأعطاها رمزية خاصة كما حدث في رواية " أم سعد"، بتكثيف كيف قَدمّ الشهيد الأديب المرأة الفلسطينية في رواياته؟

من الغريب أن بعض الكتاب أو النقاد انتقدوا غسان بأنه لم يولِ المرأة الاهتمام الكافي في كتاباته، وكأن غسان كان أديباً يعيش حياته بشكل اعتيادي وكأن همه الوحيد هو الكتابة الأدبية، ولربما هذا الانتقاد في غير محله لأن غسان لم يعش حياته كلها من ناحية، وكان مسكوناً بالقضية بكل تفاصيلها الكثيرة، ومسكوناً بصناعة ثورة من كل الجماهير بدون تمييز بين طفل أو رجل أو امرأة، ولم تكن قضيته هو تحرير المرأة فقط وإنما قضيته هي تحرير كل الجماهير لأن سياق التحرير الوطني هو تحرير للجميع بكل تفاصيله، وبالرغم من ذلك فإنه اهتم بالمرأة وعكسها في كتاباته، حيث تنتزع حريتها ومساواتها بفعلها المباشر، ومشاركتها في المعركة بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث لا يمكن تحقيق المساواة بالشعارات والتنظير، وإنما بالممارسة العملية وفرض الذات المقاومة المشاركة في هموم الشعب والجماهير، ولقد شَكلّت كتاباته وخصوصاً رواية " أم سعد" حالة نموذجية لرؤية غسان للمرأة وانتقالها من مجرد ولاّدة ومربية إلى المشاركة بكل جوارحها وكل طاقتها في ثورة شعبها؛ الأمر الذي نقلها من حيز اللجوء والمعاناة إلى حيز الفعل والمشاركة المباشرة والتحريض للثورة والعطاء.

س: في مقابلة الفيديو النادرة التي أجراها الصحافي الأسترالي ريتشارد كارلتون مع الشهيد الرفيق غسان كنفاني في بيروت، في مكتبه بمجلة الهدف، عام 1970، أجاب الشهيد على سؤال الصحفي " عن إمكانية الحديث مع القادة الإسرائيليين"، بأنه " نوع من المحادثة بين السيف والرقبة" ، وأضاف " لم أرَ أبداً كلاماً بين جهة استعمارية وحركة تحرر وطني". إلى أي مدى يمكن إسقاط هذه الإجابة التاريخية الحاسمة على طبيعة العلاقة مع الكيان الصهيوني والتي للأسف تم حرفها عن مسارها من قبل البعض؟

لا شك أن ما يجري اليوم من محاولات لتطويع العقل الفلسطيني والعربي وتصوير الصراع مع العدو الصهيوني وكأنه صراع على الحدود، ومقدار حجم الدولة الفلسطينية، وأين تقف حدود الكيان الصهيوني مسألة تتنافى مع العقل والمنطق، فالجميع يعرف أن هذا الكيان زُرع في هذه المنطقة العربية لتفتيتها وإضعافها واتباعها للامبريالية، والكل يعرف أن حدود الكيان لن تتوقف عند حد فطموحهم على الأقل من النيل إلى الفرات، وفي ظل موازين القوى القائمة ما الذي سيجعل هذا الكيان ذو الطموح الاستيطاني السرطاني للتوقف عن هذا الطموح، وهذا ما حاول غسان من إيصاله وتوضيحه، حيث كان يرى أن إمكانية الحديث مع القادة الصهاينة هو نوع من المحادثة بين السيف والرقبة، وأي حديث من هذا النوع هو استسلام محض، وهو حرف لمؤشر البوصلة الذي لن يعود للاتجاه الصحيح إلا بجعل الاحتلال مشروعاً خاسراً ليس فقط للكيان الصهيوني بل وأيضاً لكل من يدعمه ويقف وراءه من الامبرياليين والرجعيين والمنتفعين وأصحاب المصالح.

إن ما وقر في عقل وفكر غسان أن أي كلام بين المستعمر وحركة التحرر الوطني لا تستقيم ولا يمكن أن تأتي بالثمار المرجوة إلا بالنار والحديد، إلا بالعنف الثوري والمقاومة بكافة أشكالها، ويجب أن يرحل الاحتلال دون قيد أو شرط. أن يرحل هروباً وهو يجر أذيال الخيبة والهزيمة.

إن ما يجري اليوم من محاولات للعودة للمفاوضات هو استرضاء للعدو والتكيف مع شروطه والاستجابة لطلباته المتزايدة يوماً عن يوم، ولن تتوقف، هذا هو الواقع اليوم، فعندما تنازل الفلسطينيون عن ثورتهم واعترفوا بالكيان الصهيوني على أمل الفتات "دولة في الضفة وغزة" نجد العدو يغالي في طلباته من ضم القدس واعتبارها عاصمة أبدية، وضم مناطق أخرى في الضفة لتمنع أي أمل بدولة مسخ للفلسطينيين، فحتى حدود 67 بات بعيد المنال والحبل على الجرار فحتى بقاء الفلسطينيون على أرضهم باتت مسألة وقت؛ فالاستيطان والتوسع يأكل الأخضر واليابس، وباعتقادنا أنهم يسعون لطرد الفلسطينيين في أقرب فرصة تتاح لهم.

لقد حذر غسان في أكثر من مكان وفي أكثر من مقال أو مقابلة مما يجري اليوم، لأنه كان يرى عقم محاولات التأقلم مع موازين القوى القائمة، ومحاولات الحصول على الفتات، هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة، ولأنه الأقوى الآن يقوم باستثمارها لترسيخ بقاءه وتمدده وتوسعه ليتماهى مع طموحاته في "دولة النيل والفرات".

س: " تموت الأجساد لا الفكرة" شعار طبقه الراحل الأديب في حياته ومماته، وأصبح أدبه ومدرسته الثورية عابرة للزمن والمكان ومتداولة وبلغات مختلفة على مستوى العالم، ولكن نحن بحاجة إلى المزيد من نشر فكر ونهج غسان وتأصيله في عقول شبابنا وأجيالنا، برأيك ما هي الخطوات المطلوبة للحفاظ على إرث غسان؟

" تموت الأجساد لا الفكرة" لم يكن شعار رفعه غسان، وإنما كان نمط حياته وعطاءه حيث لم يَدّخر لحظة من حياته إلا وبذلها في سبيل القضية، فأي نظرة كانت سريعة أو مطولة لحياة غسان ونمطها فإنها سترى بوضوح مجال الحركة الواسع والإنتاج الغريز، حيث كَرس حياته منذ الصغر لبث الفكر الثوري انتصاراً للفقراء والمسحوقين، إنه إنسان بمعنى القضية، وقضية بمعنى الإنسان، حيث يجب أن تتوفر ثلاثة شروط أساسية لأي مبدع، الأول إيمانه العميق الذي لا يتزعزع بعدالة قضيته، والثاني: انتمائه الطبقي والفكري للجماهير الفقيرة صاحبة النفس الطويل ومن مصلحتها الاستمرار في الثورة حتى الانتصار، والثالث: امتلاكه لأدوات التعبير الفنية وسعة إطلاعه وثقافته وقدرته على تطويع العمل الفني ليُعبّر عن فكرته.

لقد تحققت هذه الشروط في غسان وانتاجه، بل وأكثر من ذلك في ممارسته العملية اليومية، وفي كل لحظة عاشها، وهذا هو الإبداع الذي تجاوز المحلية والإقليمية إلى العالمية والإنسانية في جميع أبعادها، وكذلك باتت مدرسته عابرة للزمان والمكان ومتداولة بين الأحرار، وقد تُرجمت أعماله لمعظم لغات العالم، كمدرسة وفكر تحريضي ضد الظلم والظلام، ضد أعداء الإنسانية وممتصي دماء الشعوب. إن نشر هذا الفكر هو من واجب كل أحرار العالم وفي المقدمة منهم أحرار فلسطين، وعلى طليعتهم أحرار الجبهة الشعبية، إن الهدف ليس فقط نشر فكر ونهج غسان وتأصيله في عقول شابنا وأجيالنا، وإنما ليبقى غسان نموذجاً وقدوةَ لكل ثائر على وجه الأرض. إن سمة العطاء حتى الاستشهاد هو الأيقونة التي يجب الحفاظ عليها. لنستطيع الانتصار على عدو لا يفهم إلا لغة الاستشهاد، وعلى العدو أن يفهم ويعي حجم جريمته التي اقترفها. إن محاولات التدجين والتمييع، والتي يمارسها المحبطون واليائسون لن تجر إلا إلى هزائم متتالية ومتوالية.

إن فكر التفاؤل بالغد الذي زرعه غسان هو ما يجب تأصيله، أما الخطوات المطلوبة للحفاظ على إرث غسان فهي ببساطة جعل كتاباته وانتاجه في متناول الجميع دون الإرهاق المادي أن يصبح إرث غسان على كل لسان وليس فقط في المناسبات، وإنما في جميع المحطات فقد استطاع هذا المبدع الشهيد قراءة المستقبل حتى في تفاصيله. "فلماذا لا يجعله شعب فلسطين قرآنه؟" كما قال " يوسف إدريس"، ولا نقصد هنا بالمعنى الديني، وإنما يصبح برنامج عمل يومي لكل الأحرار وبالذات في الساحة الفلسطينية والعربية.

س: خص الشهيد الأديب غزة جزءاً أساسياً من رواياته، وأعطاها قيمة خاصة، هل كانت "ورقة من غزة" نبوءة استشرف خلالها الشهيد وضع غزة الآن؟

لعله من نافل القول أن نتحدث عن قدرته الاستشرافية ولكن من العجب أنه عدما زار غزة وتجول في شوارعها، وتحدث مع ناسها استطاع التقاط مستقبلها فتوقع لها أن تصبح مركز الثورة، وبؤرة الانطلاق نحو فلسطين كل فلسطين، وأن التحرير سيبدأ من هنا من غزة، لما لمسه من إصرار في ناسها على العودة، بل وحالتهم النفسية الجماهيرية المرتبطة وجدانياً بقراها ومدها وبيوتها وحقولها، حيث لاحظ أن الناس لا زالوا يعيشون هناك وكأن النكبة حدث عابر، وبالغد القريب سيعودون منتصرين. لاحظ مدى الفقر والانسحاق في مخيمات غزة، وهو المنحاز للفقراء والمسحوقين، ومن هنا تنبع الثورة الحقيقية والاستعداد للتضحية، لقد توقع شهيدنا غسان أن تصبح غزة هي مركز الثقل ومن شوارع الشجاعية المحاذية للحدود ستكون مسيرة الزحف نحو التحرير إلى عمق فلسطين المنكوبة.

لقد كانت هذه إحدى نبواءته التي ضمنها في "ورقة من غزة" فهل نستطيع إنكار دقة نبوءته عندما نرى اليوم غزة وهي تهدد الكيان، والتي يخشى الكيان خوض المعارك معها رغم الحصار والتجويع؟ وببساطة وعلى صغر مساحة غزة كرقعة جغرافية، لكن ألا يحسب العدو لها ألف حساب، ولو دعمت غزة وفتحت لها الآفاق وحدود الأشقاء ألن تكون مقتل لهذا الغاصب؟ ألم تكسر غزة عنجهية الاحتلال وتجعله ينسحب منها بعد أن فكك مستوطناته وهو يجر خيبته؟ إنها نبوءة تدلل على مدى رهافة الحس الذي تميز به شهيدنا الفذ، إنها ليست مجرد حس وإنما مقرونة أيضاً بقراءة علمية دقيقة ونفاذ بصر وبصيرة امتلكت غسان ودللت على عبقريته وتفرده.

س: رسالة توجهها إلى جماهير شعبنا في ذكرى استشهاد الأديب الراحل غسان كنفاني وخصوصاً للأجيال الفلسطينية الشابة؟

إن هذه الذكرى تعيدنا إلى البدايات، إلى زمن الرجال الذين فجروا الثورة وقادوا ولم يحسبوا حساب الذات، ولم ينتظروا أي منافع شخصية، حملوا الهم وفي عيونهم الأمل وفي قلوبهم الانتصار المحتم، وآمنوا أن طريقهم ليس فيه إلا خياران، النصر أو الاستشهاد، ووطنوا أنفسهم أن الدرب طويل والمسار صعب، وطريقهم مليئة بالصعاب وليست مفروشة بالورود، وهذا يطرح أمام جماهير شعبنا وخصوصاً الأجيال الفلسطينية، الكثير من المهام اقتداءً بالرجال الذين بدأوا. ولعل المهمة في هذا الزمن باتت أصعب وأقسى في ظل التراجعات في العالم والمنطقة العربية لصالح الحلف المعادي، وهذا يفترض من حَملّة الفكر الثوري في هذا الزمن الأكثر رداءة مزيداً من الصلابة، ومزيداً من الوعي والثقافة، ومزيداً من الجرأة ونكران الذات، ومزيداً من الهجوم وعدم السماح بلحظة يأس أو إحباط، فالقادم للمتفاءل وللحر المؤمن بعدالة قضيته، لن يكون إلا بتحقيق الأهداف إذا ما تسلح بالعمل المثابر الذي لا يحسب مدى المنفعة أو الخسارة.

تسلحوا أيها الشباب بالثقافة والوعي، ومارسوا الثورة بكل قساوتها، وأشعروا العدو بقوتكم وصلابتكم، ولا تهنوا تحت أية مبررات أو ذرائع، وليكن غسان قدوتكم فهو رغم استشهاده لم يمت ولن يمت، فسيظل يعيش فينا حتى الانتصار، وما بعد الانتصار