Menu
حضارة

التطبيع خيانة لأهداف الأمّة العربيّة

د.فايز رشيد للهدف: غسّان كنفاني قامة من الصعب أن نجد مثلها في هذا الزمن الرديء

أحمد بدير

د.فايز رشيد

خاص بوابة الهدف

يُوافق اليوم 8 تمّوز/ يوليو، الذكرى 48 لاستشهاد أديب فلسطين وكاتبها، المُناضل غسّان كنفاني، الذي اغتاله الكيان الصهيوني بعد تفجير سيارته أمام منزلِه في بيروت عام 1972، مع ابنة أخته لميس نجم، وكان عضوًا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية، وواحدًا من أبرز أدباء فلسطين والعرب في القرن الماضي.

وبهذه المُناسبة، حاورت "بوابة الهدف" الكاتب والباحث الفلسطيني د.فايز رشيد، إذ ترحَّم في بداية حديثه "على روح المناضل الكبير غسّان كنفاني، وعلى أرواح جميع شهداء جبهتنا وثورتنا وأمتنا العربيّة".

وبالحديث عن المشهد الثقافي العربي في ظل القتامة الكبيرة التي تُخيّم على المنطقة بأكملها، قال د.رشيد، إنّ "الشهيد غسّان كنفاني قامة كبيرة من الصعب تمامًا أن نجد مثلها في هذا الزمن الرديء، لأن الانحدار السياسي بشكلٍ عام يقود إلى انحدارات ثقافيّة وفكريّة والكثير من الأنماط الانحدارية الأخرى، وللأسف المشهد الثقافي العربي لا يتواءم مع ما يجب أن يكون عليه خلال هذه الفترة".

أزمة ثقافة أم مثقفين؟

اقرأ ايضا: أبو العيش للهدف: غسان كنفاني ظاهرة إنسانية متميزة مسكونة بهموم الشعب الفلسطيني والعربي

ورأى د. رشيد أنّ "الجبهة الثقافيّة يجب أن تكون رافعة للجبهة السياسيّة، لكن هل الجبهة الثقافيّة العربيّة اليوم رافعة للوضع السياسي العربي؟، باعتقادي أن أي نظرة موضوعيّة لهذه المسألة سنقول لا، لكن هل هي أزمة ثقافة أم مثقفين؟، في الواقع إنّ الأزمة في الاثنين معًا، أزمة ثقافة وأزمة مثقفين".

وتابع حديثه للهدف: "ومن هنا نتذكّر أدباءَ كِبَار مثل الشهيد غسّان كنفاني الذي اعتبرت جولدا مائير اغتياله كاغتيال كتيبةٍ عسكريةٍ كاملة، ودور المثقف العربي الآن يختلف من ساحةٍ إلى آخرى، ففي الساحة الفلسطينية هناك جملة من المثقفين تبِعوا النهج الذي يؤمن بالسلام مع العدو الذي هو في طبيعته استسلام، وهناك المثقّف الآخر الذي يُنادي بإزالة هذا الكيان من جذوره وهذا عمليًا المجالات ليست مفتوحة أمامه كالمثقف الآخر، لهذا السبب نستذكر الأديب غسّان بكل فخر، وحقيقةً كل ما هو دائر الآن هو الفن للفن وفق الفهم الأفلاطوني له، لا، الفن هو عمليًا ثقافي وجزء من الثقافة، وكل الحضارات دعت لأن يكون هناك دورًا للمثقّف في خدمة وطنه وأهداف شعبه وليس خدمة سياسات معيّنة"، مُؤكدًا أنّ "السائد الآن هم مثقفي السلطات الحاكمة ممّن يأتمرون بأوامر هذه السلطات، وهذا يُضعِف المشهد الثقافي العربي ويجعله رديئًا ويخدم أهدافًا أخرى بعيدًا عن خدمة أهداف الأمّة العربيّة في التخلّص من الديكتاتوريّة، بدلاً من البحث عن الحريّة في التعبير، والأمان الاقتصادي، والأمان الصحي. يا ترى هل هذا موجود؟، للأسف لا".

"المثقفون الأحرار لا يجدون جريدة يكتبون فيها"

وشدّد د.رشيد على أنّنا "اليوم لو نظرنا إلى المُحيط العربي سنجد قمعًا للثقافة التي تُنادي بالحريّة، يُسجن هذا المثقّف في دول الخليج مثلاً، وفي الكثير من الدول، لماذا؟، لأنّ المشهد الثقافي العربي ليس في الحالة المفترض أن يكون فيها، وأيضًا هناك في المشهد الفلسطيني من هم مثقفي سلطة، وهناك المثقفين الثوريين الذين تستطيع أن تعدّد أسمائهم، لكنّهم لا يجدون حتى الجريدة العربيّة المستقلّة التي يكتبون فيها".

لهثٌ وراء التطبيع والخيانة

وبهذا الخصوص، ومع تساوق بعض الأنظمة العربيّة مع الكيان الصهيوني وطروحاته التصفويّة، ولهثها من أجل ممارسة الخيانة جهارًا نهارًا والتطبيع مع هذا الكيان، أوضح د.فايز أنّ "المطلوب هو أن نستغل ونستثمر ذكرى استشهاد غسّان كنفاني في ترويج أدب هذا المناضل الكبير، والمواقف السياسيّة لغسّان، لأنّه من المثقفين الفلسطينيين والعرب الكِبار القلائل الذين كشفوا طبيعة الأدب الصهيوني الذي يخدم التوجّهات الصهيونيّة، أي أنّهم كشفوا عن التواؤم الموجود بين ما يُسموا أدباء الكيان الصهيوني وما بين القيادة السياسيّة والمُخطّطات الصهيونية، وهذا الارتباط القائم ما بين الأدب والمخطّطات الصهيونيّة كشفه غسّان كنفاني، فيجب أن نروّج لثقافة هذا الشهيد ونستغل ذلك في معرفة إسرائيل وحقيقة الصهيونيّة وأحلام الحركة الصهيونيّة التي لن تكتفي بفلسطين والأرض الفلسطينيّة وإنما يوجد حاخامات ينادون بالتوسّع حتى بيروت، وحتى العراق، بمعنى أنّ دولة إسرائيل الكبرى لا تزال هدفًا قائمًا أمام الحركة الصهيونيّة".

وأردف بالقول: "نحن اليوم نرى تطبيعًا مجانيًا من قِبل النظام الرسمي العربي مع هذا العدو، وهؤلاء لا يحترمون حتى ما اقترحوه فيما يُسمى بمُبادرة السلام العربيّة التي قال عنها شارون في حينه لا تستحق إلّا أن تُرمى في سلّة المهملات"، مُؤكدًا أنّ "التطبيع هو عبارة عن استسلام وخيانة لأهداف الأمّة العربيّة، وجعل إسرائيل دولة من دول المنطقة، بل وكاتبة جدول أعمالها".

وشدّد أيضًا على أنّ "ذكرى استشهاد غسّان يجب أن نستثمرها في خدمة المبادئ التي نُناضل من أجلها، عن طريق معرفة هذا العدو، لأنّ كل الذين اغتالتهم إسرائيل رأت فيهم عقبات في وجه ترويجها السياسي. هم ينتبهون إلى بعض الحالات المعروفة بين جماهيرها ويغتالونها، وهناك أشكال عدّة للاغتيال: منه السياسي، ومنه الجسدي، ومنه المعنوي، وهناك أشكال أخرى من أجل الإساءة لهذا الكاتب أو ذاك".

ماذا لو كان غسّان بيننا اليوم؟

وأضاف د.فايز: "بالمُناسبة، كانت مجلّة الهدف تُنتظَر على أحرّ من الجمر في أماكن بيع الصحف لتقرأ الجماهير الافتتاحيّة التي كان يكتبها غسّان في المجلّة. القادة العِظام مثل غسّان وغيره على مر التاريخ من المثقّفين نادوا بالوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة على أساس ثوابت معيّنة، على أساس الثوابت الأساسيّة التي قامت من أجلها كافة تنظيمات المقاومة الفلسطينيّة وهو التحرير الكامل للأرض الفلسطينيّة من البحر إلى النهر، الآن من؟، من هو الواهم الذي يعتقد غير ذلك. مثلاً لنأخذ الرئيس عبّاس عندما يقول: (إحنا عنّا استعداد لنتفاوض تحت راية الأمم المتحدة)، عن أي أمم متحدة تتحدّث وتريد أن تجري مفاوضات بينك وبين إسرائيل!، وبالمُناسبة أيضًا، لا يعتقدوا أن قرار الضم اُلغي من جدول الأعمال الإسرائيلي. لا، بل ينتظرون اللحظة المُناسبة لتنفيذ هذا المُخطّط".

"عظمة الشهيد غسّان أنّه كان يستقرئ الحدث ويرسم السياسات المُجابِهة له، ونحن حقيقةً في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين وُفِقنا بقادةٍ كبار من نمط الحكيم جورج حبش ، والشهيد أبو علي مصطفى، وغسّان كنفاني، ووديع حدّاد، كل هؤلاء القادة كانت ردود فعلهم البديهيّة هي خدمة النضال الفلسطيني والهدف الاستراتيجي للتحرير، وعندما ينادون بالوحدة الوطنيّة يضعون الأسُسْ لتحويل هذه الوحدة من إطارها النظري إلى الإطار العملي، وهذه ميّزة القائد، ولكن الآن للأسف نتعامل بسياسة اللحظة دون تخطيطٍ وقراءة مُسبقة"، يُتابع د.رشيد.

وبيّن خلال حديثه مع "الهدف"، أنّ "الشهيد غسّان بالإضافة إلى الجبهة الثقافيّة والجبهة الإعلاميّة التي كان يملؤها، والجبهة السياسيّة التي يستقرئ بها الحدث كان يرسُم السياسات المُجابِهة لما قد يكون، بمعنى لو أنّ غسّان موجودًا اليوم بيننا لن يكتب عن المُخطّطات الصهيونيّة والتوسّع الصهيوني ويشخّص الأمور الواضحة أصلاً، لا، بل سيكتُب كيف نواجه هذا الضم، وماذا نفعل، وسيتعامل مع الحدث مهما كان أنّه جللاً، لأنّ السياسي يجب عليه صناعة الحدث لا أن يكون في محل راد الفِعل، هؤلاء القادة كانوا يصنعون الأحداث، ونحن نفتقد الآن إلى سياسيين وكتّاب كلٌ على صعيد مجاله الخاص".

كلمة وفاء لشعبٍ صامد

"صدقًا، أنا حزين، حزين للحصار المفروض على قطاع غزّة للعام 14 على التوالي، حزين لهذا القمع الصهيوني، وحزين جدًا لرد الفعل السياسي الفلسطيني من خلال السلطة على ما يجري، فهناك التنسيق الأمني الذي تؤكّد الصحف الإسرائيليّة أنّه ما زال قائمًا، وكما قرأنا أنّ السلطة الفلسطينية تمتلك الأموال ولكن لا تدفع رواتب للموظفين إلا بعد أكثر من شهر. شعبنا يجوع، هذا الشعب المعطاء منذ قرابة قرن من الزمان أو ما يزيد لديه اليوم قيادات ليست بمستوى تضحياته ولا بمستوى نضالاته"، قال د.رشيد وختم حديثه مع الهدف: "هذا الشعب الفلسطيني العظيم مُصر على تحرير أرضه بغض النظر عن كافة المُعيقات، سننتصر.. سننتصر.. سننتصر".