Menu
حضارة

البُركان لا يُرثى: غسان كنفاني.. عبقرية أخضعت التناقضات

بيسان الشرافي

خاص بوابة الهدف

"كنتُ في الصفّ الثامن عندما قرأتُ أول مرةٍ ل غسان كنفاني ، واصطدمتُ يومها برواية (رجال في الشمس). كمّ الوجع والظلم فيها دفعاني للبحث عن أعمال أخرى له". تقول ميرفت صادق، الصحفيّة الفلسطينية من رام الله، عن أوّل معرفتها بكنفاني.

غسان، الذي وافقت ذكرى اغتياله، الأربعاء 8 يوليو، ويلعنها كلُّ من عرِفَ غسان بحقٍّ، شخصيًا أو عبر كتاباته، وكم قال بعضُنا "لو أنّه عاش أطولّ!.. تُرى ماذا كان سيُنتج لنا أيضًا هذا العبقري؟!".

وُلِد غسّان في عكّا-8 أبريل 1936- واستشهد في المنفى ببيروت- 8 يوليو 1972- وكان ألّف 18 كتاباً، ومئات المقالات والدراسات في الثقافة والسياسة والمقاومة. 

الشاب الثائر دومًا في نصوصه، كما في حياته، أثّر بشكل لافت في أقرانه الشباب. "الهدف حاورت عددًا منهم، لمُلامسة هذا الأثَر، ولنرى "غسان" كما يروْنه.

مُعلّم.. قُدوة

الفلسطيني كريم أبو الروس، المُقيم من بيروت، قال "عرفنّي غسان كنفاني على فلسفة المعرفة كأداة ثورية، تلك المعرفة التي انتمَى إليها حتى لحظة اغتياله". وتابع "كان لإنتاجه الثقافي أثرًا في شخصيتي ولغتي وخِطابي السياسي".

الفلسطينية سلمى أبو ضاحي، المقيمة في مصر، قرأت لغسان رواية "عائد إلى حيفا" أوّل مرة في طفولتها، "ما زالت الأقرب إلى قلبي". 

محمد عماد الدين، الشاب المصري، المُحبّ لغسّان كنفاني، والمُعجب بشخصيّته، كما عبّر للهدف، قال إنه لا يتشابه مع أيٍّ من الثوار أو الأدباء؛ عادةً نجد أديبًا أو صحفيًا يساند قضايا هامة، ولكن مساهمته تقتصر علي أعماله فقط، بدون المشاركة علي أرض الواقع"، عكس غسان كنفاني،... مُتعدّد المواهب"، كما قال محمد.

واعتبرت ميرفت صادق غسان واحدًا من أركان روحها، قالت إنّه "مكونٌ أساسيّ في حياتي ومعرفتي".

ضياء أبو حسين، من غزة، قال "فِكر غسّان وشخصيّته المتكاملة، تركا أثرًا كبيرًا لديّ.. كلّ رواية تعني لي الكثير".

فيما أعلنت ميسولين السلطان، من غزة، حبّها الشديد لغسّان، قائلةً "كُنت في الصفّ الثاني حين شدّني الكتاب ذو الغلاف الأحمر والأسود (رواية رجال في الشمس) في مكتبة بيتنا، ومن يومها صارت كتاباته نِعم الصديق، وساهمت في فهمي للأحداث والوقائع السياسية، وفي قدرتي على النقد، غسان قُدوتي".

نصوصٌ لا تُنسى

لصغر سنّها، لم تكُن ميرفت تعي ما كان يقصده غسان في رواياته، لكنّها اندفعت تقرأُ له، تقول "عرفتُ فلسطين من خلال غسان؛ عرفتُ قضية اللاجئين من رواية (أم سعد)، وعذاب الفلسطيني من (رجال في الشمس)، والفساد الذي أصاب قضيتنا في (القميص المسروق)، والمقاومة الحقيقية في (الرجال والبنادق).. ولا أستطيع مثلًا نسيان جملة الرجل لابن أخته المصمم على اقتناء بندقية: بعشرين فشكة تغزو قلعة صفد؟".

كلُ حدثٍ فلسطينيّ يُذكّر ميرفت بنَصٍّ لغسان، ومن خلال عملها الصحفي أدركَت أنّ "رواياته قصصٌ مستمرة في واقعنا". فقالت "لاقيتُ كثيرات مثل أم سعد التي قالت: إذا لم يذهب سعد فمن يذهب؟"، والكثير من أمهات الشهداء والأسرى اللواتي لم ينكرن على أبنائهن خياراتهم، بل على صعوبتها كُنّ سندًا لهم".

كريم، الذي لا تزال مسرحيّة (الباب) لكنفاني أكثر الأعمال قُربًا وتأثيرًا فيه، قال "لقد فتحت بابًا حقيقًا أمامي نحو الحريّة، وهي من أكثر أعمال غسان عُمقًا وتجردًا وفلسفةً".

سلمى، التي تعرف غسّان مذ كانت طفلة، أحبَّت رواية (عائد إلى حيفا) لأنّها رأت فيها "البيت" الذي فقدته عائلتها حين أجبرها الإسرائيليون على تركه، وما نُسِيَ هُناك لشدة الفرغ، وكان بغلاوة الابن، والخوف من أن يتحولّ "ما هو لنا إلى (إسرائيليّ) لا يعرفُنا!" كما قالت.

ولا تنسى ميسولين كتابات غسان، تقول "لم أعِش النكبة لكنّني عايشتها في نصوصه، يأسرُني بتعبيراته والحوارات التي تُشابه ما نفكّر ونمرّ به، كأنّه عاشَها قبلَنا!"

لماذا غسان؟!

"أدبه واقعيٌّ غير متكلفٍ، يناقش قضايا ذات أهمية بأسلوب قوي، استطاع أن يرسم تفاصيلَ المعاناة وفداحة الاحتلال بأسلوب عميق ينفذ إلي روحك" قال محمّد، الشاب المصريّ، مُضيفًا "لا يتباكى غسان على الماضي وأمجاده، كما يفعل كثيرون، فكان ذا وعيٍ مشرقٍ، يؤمن بالمستقبل، وظهر هذا جليًا حين قال "لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، فالوطن هو المستقبل".

البساطة والوضوح والحبكة العنيفة المُباشِرة، ميّزت نصوص غسان، تقول سلمى "أشعر بأن حبكات قصصه خواطرٌ ومُعضلات جاءت ببال كثيرٍ من الفلسطينيين، ومن يعرف بالقضية الفلسطينية، مناصرًا أم مناهضًا.

وتُضيف "إذا قُرِئت أعمال غسان بمعزل عن قضية الإنسان الفلسطيني، سيرى كثيرون أنفسهم فيها؛ من سُلِب بيتُه غصبًا سيرى نفسه في رواية (عائد إلى حيفا)، من هزمتهم الظروفُ ولقمة العيش وقتلهم الخوف ربما يرون أنفسهم في (رجال في الشمس)، أعمالٌ لها بُعد مقاوِم وإنساني وأخلاقي، واضحٌ وصريحٌ لا يتغير مع الوقت!".

وفي اتجاهٍ مُقارِب، أوضح كريم أنّ ما ساهم بتميّز غسان كنفاني عن غيره من أدباء المقاومة، كان "نشأته في جدليّة الوطن واللجوء، وتشكُّل وعيِه في صراع الوجود الفلسطيني الذي كان جزءًا من آلامه، وكذلك انتماؤه المبكّر إلى المعسكر الفكري اليساري. فإنتاجه المعرفي حمل أنساقًا معرفية وفلسفية"، واعتبر كريم أنّ "تجربة غسان الأدبية نادرة في الحالة الفلسطينية، كونه زاوج بين التناقضات ببراعة، وثورية، فكان سياسيًا وناقدًا وأديبًا وصحفيًا وعاشقًا في آنٍ واحد!".

فيما اختصرت ميسولين تميّز كنفاني بكونه برعَ في استخدام اللغة بسهولة، فجعل قُراءه من كلّ الأعمار ومختلف المستويات الفكرية والثقافية. 

النقد "العملة الصعبة"!

تميّز كنفاني بكتاباته النقديّة، التي لم تعد موجودة الآن، كما رأى محمد، في خضمّ "الميْل لمحاباة التكتّلات/الأحزاب السياسية".
فيما اعتبرت سلمى أنّ هذا الدور "يحدده الكاتب نفسه، بصفته إنسانًا، وخيار المشاركة و(الاشتباك) اختاره غسان مُستخدمًا فيه كل إمكانياته". لافتةً إلى أهمية "النقد الدائم للقيادة الثورية، ومواجهتها ومساءلتها كي لا تضلّ الطريق".

كما رأت أنّ "النقد والمشاركة يُعطيان للأفكار قوةً، وقدرة كبيرة على حشد الناس، وإحداث التغيير...، مُضيفةً "غسان لم يكتب ليرثي أو ليعبر عمّا بداخله فحسب، بل ليُحدث تغييرًا، وفارقًا في المستقبل".

كُتّاب الأدب ليسوا بالضرورة نُقّادًا مشاركين في القضايا الوطنية والعامّة، وفقما قالته سلمى، لكنّ "الكارثة" تقعُ من وجهة نظرها حين يقف هؤلاء بصفّ الرجعية والقمع!.

في السياق ذاته، تحدّث كريم أبو الروس عن "الدور الطليعي في التثقيف والتنوير الذي تميّز به غسان كنفاني، والذي أضاف به للثورة الفلسطينية داعمة ثقافية وفكرية".

وقال: قدّمَ غسان نقدًا لأدب المقاومة ودراسات بحثية في الرواية الفلسطينية. "اليوم نستذكر غسان في واقعٍ سياسيّ تغيبُ فيه الديمقراطيةُ عن الهياكلَ التنظيميةِ للأحزاب، وهذا ساهم في تراجعها، لذا بِتنا بحاجة إلى مراجعة فكرية لهذا الواقع".
وذات الرأي، عبّر عنه الشاب ضياء أبو حسين، الذي قال "كم نفتقد للكاتب السياسي الناقد- كما كان غسان"، وكذلك ميسولين التي رأت "النقدَ البنّاء من أسباب التقدّم للأمام"، سيّما بالمفهوم الوطنيّ.

المقاوَمة في أدب غسان

تقول ميرفت "غسان رسم صورة مثالية للمقاوِم، وُجدت أحيانًا وصارت حلمًا أحيانًا أخرى!"، فيما رأت سلمى أنّ "المقاومة والقيادة بحاجة دائماً إلى مواجهة حقيقية من أناسٍ لديهم قدرة وشجاعة كافية، كي لا تستمران بالدوران في فلكٍ بعيدٍ عن الناس وأحلامهم".
كما "جسّد غسان المعضلات الأخلاقية، التي تفضح الاحتلال وتجعله مكشوفاً أمام الناس. فجعل منها حبكاتٍ لقصصه، التي كان الأعداءُ فيها واضحين دومًا، ما أعطى  المقاومةَ قيمتها وأشكالها المختلفة" والحديث لسلمى.

فيما اعتبر كريم أنّ "غسان أدّى السياسةَ والأدبَ والفكرَ ببراعةٍ، ليبتكر بهذا نظريةً أعتبرَها منهجًا فلسفيًا في مقاومة الاحتلال، وفي تفسير القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية".

ورأى أنّ "الثورة المنفصلة عن المعرفة ثورة ناقصة، وغسّان أسّس لمعرفةٍ تكون أداةَ الثائر الفلسطيني ووسيلتَه في التحرر، من الرجعية ومن الاستعمار في آنٍ واحد. وعليه، وصف المجتمعَ بدقّة ، وقدّم حلولًا- تليق بكرامة الإنسان- للمشكلات التي عاشها في زمنه وفي زماننا". وتابع كريم "فلسطين في عقل غسان كنفاني لم تكن أرضًا وشعبًا بل كانت قصةَ عن الألم الإنساني الوجودي".

فيما قرأ محمّد المقاومةَ، كما رسمها غسان، "خيارًا وحيدًا للخلاص من الاحتلال، مع التركيز على تأثير الاحتلال على البشر ومجريات حياتهم، وظهر هذا في (رجال في الشمس)، كما جسّده ببراعة في ( عائد إلى حيفا).

المقاومة بكل ما نملك وبكل ما نستطيع، واعتناقُها فِكرًا ومنهجًا وسلوكًا، هذا ما تعلّمه الشاب ضياء من كنفاني. كما عبّر للهدف، مُذكّرًا بما قالته جولدا مائير، التي كانت تتولّى رئاسة الحكومة الصهيونية وقت اغتياله "اليوم تخلّصنا من لواءٍ فكريّ مُسلّح!".

العاشِق

على مدار السنوات الأخيرة، أُثيرت قضيّة رسائله لغادة السمّان- نشرَتها في كتاب عام 1992م-. مراسيلٌ كتبها غسان العاشق، بقلب يعتصره الألم، لمحبوبته باردة المشاعر. نراها اليوم تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقتبس الشبابُ منها عباراتٍ، ويتداولونها بشكل واسع. حتى باتت شريحة كبيرة من هؤلاء لا تعرف غسان سوي من كتاباته لغادة.

عن هذا قالت ميرفت "أشعر بالضيق لأن قطاعًا كبيرًا من الشباب والفتيات يعرفون غسان فقط من تلك الرسائل؛ لا أنكر غسان العاشق، ولكن لا يُمكن اختصاره في هذا الجانب فقط، فهو كاتب للتاريخ وصانع له".

ومثلُها، اعتبر كريم "قراءة غسان في تجربته العاطفية فقط- على أهميتها- ظلمًا لتجربته الواسعة وإنتاجه المعرفي الثوري"، ورأى أنّ "تأثر الشباب العربي الكبير بتلك الرسائل كان بسبب الحالة التي تمر بها دور النشر العربية، ثمة تهميش واضح للمعرفة والفكر في مقابل اهتمام- غير مبرر- بالمسائل العاطفية". 

الشابة ميسولين أبدت انزعاجًا أقل إزاء مسألة الرسائل، وقالت "ليت الشباب يعرف غسان لأول مرة من كتاباته الوطنية، والاجتماعية، وليس من رسائله لغادة فقط...، لكنّه إنسانٌ عاش قصة حب كأي شخص آخر، ويقال: المناضل الجيّد عاشقٌ جيّد".
فيما حملت سلمى رأيًا مختلفًا، مُعارضةً لفكرة نشر الرسائل من الأصل، قالت "لا أشعر بالراحة من فكرة نشر رسائل شخصية، لم يعطِ أحدُ طرفيها الإذن لنشرها، خصوصاً وأن غسان لم يكن على قيد الحياة"، وأضافت "لست متأكدة من أن غسان معروف لدى الكثيرين برسائله لغادة فقط". 

أمّا محمد، فتحدث عن سببين جعلاه ينفر من تلك الرسائل، أوّلهما أنّ كنفاني كان متزوجًا، ولا يصحّ الوقوع في حب امرأة أخرى بذات التوقيت، وثانيهما- وهو الأهم برأيه- أنّ نشرها عملٌ غير أخلاقي من غادة السمان، أقدمت عليه سعيًا لمزيدٍ من الشهرة".

ذات الموقف اتّخذه الشاب ضياء، من الرسائل، كونها "ظهّرت الجانب العاطفي فقط"، ورأى أنّ الشباب لا بدّ وأن يطّلع على أدب غسان، البليغ المتكامل، قبل الحكم عليه من مجرد رسائل عاطفية".

واتفق الجميعُ على أهمية تخليد أعمال غسان كنفاني الأدبية، بتحويلها إلى أعمال فنيّة، وضرورة "إعادة قراءة غسان بطرق تتكيف مع وسائل التحديث كالسينما والمسرح. سيّما في ظل حالة الانحطاط الأخلاقي غير المسبوق في المجتمعات العربية"، كما قال كريم، ووافقه محمد، موضحًا أنّ "الوسيط السينمائي والتلفزيوني مختلف تمامًا عن الأدب، وكذلك جمهوره مختلف، وبتحويل الأدب لعمل مرئي تختلف المعلاجة الدرامية، حيث الاختصار أو التركيز، لمحدودية الوقت ووفق رؤية المخرج".
فيما فضّلت سلمى تظهير رؤية المخرج وكاتب السيناريو عند تحويل العمل الأدبي إلى فنّي، "فهنا يكون الإبداع والإضافة اللذان يعطيان للحياة جمالَها وللأعمال قيمتها وعُمرها، فلا جمال في التكرار".