Menu
حضارة

رجال في الشمس من روائع الأدب الروائي العالمي

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

رائعة الشهيد غسان كنفاني رواية رجال في الشمس التي كتبت في بيروت بالستينيات من القرن الماضي هي واحدة  من أشهر الروايات العربية، وقد  أخذت قيمتها الأدبية الكبيرة أكثر من غيرها مما صدر عن الأديب والصحفي المناضل غسان؛ من أعمال قصصية وروائية، وذلك بسبب رمزيتها الشديدة لمأساة النكبة الفلسطينية عام 48 وتحول أكثرية الشعب الفلسطيني إلى جموع من اللاجئين التي ضاقت بهم سبل العيش، فأخذوا يبحثون عن ملاذ آمن يحققون فيه رغباتهم في الحياة، خاصة الاجتماعية منها. وكانت بوصلتهم في تلك الفترة التي شهدت   محاولة طمس الهوية السياسية الوطنية؛ من خلال أسلوب الوصاية العربية الرسمية تؤشر باتجاه دول الخليج العربية الثرية بالأموال النفطية، وقد جعلتها هذه الرمزية في مستوى روايات فلسطينية وعربية ودولية لها قيمة فنية عالية كروايات المتشائل لإميل حبيبي، والسفينة لجبرا إبراهيم جبرا، وثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ؛ الحائز على جائزة نوبل للآداب، وموسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح، والحرب والسلام  ليو تولستوي، والجريمة والعقاب لدوستويفيسكي والذباب لسارتر وغير ذلك من الروايات التي حظيت بشهرة إعلامية؛ بسبب ما تم تناولها من أعمال نقدية موضوعية هامة من قبل  الكثير من الأدباء والكتاب.

لقد جاءت عبارة واحدة في رواية رجال في الشمس، وهي المتعلقة بجدران الخزان الذي لجأ إليه الرجال الثلاثة أبو قيس وأسعد ومروان أثناء هجرتهم إلى الكويت ؛ طلبًا للعمل لتصبح عبارة  خالدة في أسلوب الكتابة الروائية لما تضمنته من معنى شديد الإيحاء يتصل بمسألة الموت  كاختيار طوعي وبصمت هربًا من شدة قمع الأنظمة السياسية العربية التي تمارس على الفلسطيني أثناء تنقله عبر الحدود العربية المصطنعة؛ طلبًا للعمل بعد حصول اللجوء  باغتصاب الوطن التاريخي  فلسطين.  

عبارة: لماذا لا تدقوا جدران الخزان؛ عبارة  أدبية رمزية خالدة، وذلك لما لها من دلالة نقدية قوية على مدى انحدار سلوك الأنظمة العربية الأخلاقي القمعي الفاشي في صحراء التخلف الحضاري  اللاهبة؛ بذريعة الأمن الداخلي وهو الشيء الذي ما زال يؤكد أيضًا على أن شخصية "أبو الخيزران" الانتهازية العاجزة التي حملت أولئك الرجال الثلاثة إلى جحيم الموت، هي ما زالت موجودة إلى الآن في حياتنا السياسية العربية؛ تمارس وظيفتها المصلحية الطبقية الخاصة، متجسدة في  الظروف الحاضرة على أرض الواقع السياسي؛ بأنظمة عربية عاجزة ضعيفة غير قادرة على التخلص من علاقات التبعية؛ تهرول تباعًا للتطبيع مع الكيان الصهيوني تحقيقًا لمصالحها ال قطر ية الخاصة، وخضوعًا كذلك لأوامر سيد البيت الأبيض الأمريكي ترامب المتصهين.

لقد كشفت الراوية برمزيتها طبيعة العلاقة الصدامية بين الواقع السياسي العربي المتردي والنضال الوطني الفلسطيني، وقد ترجم ذلك عمليًا في لبنان نفسه الذي عاش فيه الشهيد غسان كنفاني  كلاجئ وصحفي مقاوم؛ يتعرض لمراقبة وإرهاب المكتب الثاني (المخابرات)، ثم بإخراج مقاتلي الثورة الفلسطينية من بيروت  بعد حصار إسرائيلي أثناء الغزو الصهيوني للبنان في يونية عام 82  دام ثلاثة أشهر، في ظل تخاذل عربي رسمي، وبتواطؤ الولايات المتحدة، ودعم النظام السياسي اللبناني الطائفي والمارونية السياسية، وبذلك يكون الأديب والكاتب السياسي والروائي والقصصي الكبير غسان كنفاني قد سجل بهذه الرواية رجال في الشمس في حياته القصيرة (ست وثلاثون عامًا) المليئة بإبداعات أعماله الأدبية والفكرية والفنية المستوحاة أساسًا من الهم الوطني، قد سجل قبل اغتياله من قبل جهاز الموساد الإسرائيلي الذي امتدحت جولدا مائير عمليته  الإرهابية؛ الموقف الصحيح الذي يجب أن تسلكه الحركة الوطنية الفلسطينية لانتصار مشروعها الوطني، وهو لا مراهنة على أنظمة عربية متخلفة استبدادية أفرزتها حالة التجزئة الممنهجة، تنظر للفلسطيني المقيم على أرضها كجزء من الحالة الأمنية الداخلية التي تستدعي أخذ تدابير اليقظة والحيطة والمراقبة والملاحقة؛ خوفًا من عملية التغيير المنشودة  للواقع السياسي العربي، والمراهنة فقط  على الشعب الفلسطيني وحده؛ من خلال تحقيق وحدته الوطنية وتمسكه بالمقاومة بكافة أشكالها المشروعة  كطريق وحيد للتحرير  .