Menu
حضارة

آيا صوفيا بين العهدة العمرية والعهدة الإخوانية

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

قرار المحكمة العليا التركية بإعادة فتح الكنيسة التاريخية واعتمادها كمسجد؛ آثار الكثير من ردات الفعل، وخاصة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية وأتباعها؛ فما هي تداعيات إعادة اعتبارها مسجدًا، إن كانت تداعيات دينية أو سياسية، خاصة على القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى؟
الكاتيدرائية آيا صوفبا بنيت في بداية العهد البيزنطي عام 537م، وتحولت إلى مسجد عام 1453م، بعد سيطرة العثمانيين على اسطنبول، وتعد الكاتدرائية معلمًا تاريخيًا ودينيًا لأتباع الكنيسة الأرثوذكسية، وهي من أقدم المعالم الدينية للكنيسة الأرثوذكسية.
عندما فتح الخليفة عمر بن الخطاب مدينة القدس سلمًا؛ وضع أول أساس للعلاقة بين الأديان، حيث رفض أن يصلي في كنيسة القيامة، وإنما في موقع بجانبها، لكي لا تكون أساسًا مرجعيًا في تحويل الكنائس إلى مساجد في البلدان التي يسيطر عليها المسلمون، وبهذا وضع قانونًا عرفيًا إنسانيًا، لكي يحترمه كل المسلمون، ولكي يكون اعترافًا بأحقية الأديان السماوية الأخرى، للحفاظ على أماكن شعائرهم الدينية، هذا السلوك دفع إلى الاتفاق بين المسلمين والمسيحيين  على أن يشرف المسلمون على رعاية كنيسة القيامة وسميت بالعهدة العمرية.
الخليفة عمر بن الخطاب كان قد تسلم مفاتيح القدس وكنيستها بعد حصار لمدة ستة شهور من قبل الجيوش الإسلامية بقيادة أبو عبيدة بن الجراح تشرين الثاني 636م الذي يعود الفضل له في عدم كسر المدينة وإهانة أهلها وأعطاهم الأمان بالحفاظ عليهم وعلى أملاكهم وحرية ممارسة عقائدهم الدينية في أماكن شعائرهم، وطلب البطريرك صفرونيوس أن يأتي الخليفة عمر بن الخطاب لتسلم مفاتيح القدس الذي حضر إلى القدس عام 16 هجري. وأصبحت العهدة العمرية أساسًا قانونيًا دينيًا للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين وشكل عامل تآلف وعيش مشترك استمر حتى يومنا هذا، والحادثة الوحيدة التي اخترقت هذه العهدة كانت في عهد السلطان العثماني عام 1453، عندما جدد الكنيسة وحولها إلى مسجد، واستمرت مسجدًا لمدة 480 عامًا قبل تحويلها لمتحف عام 1930-1935.
التداعيات السياسية سيكون تأثيرها المباشر على القصية الفلسطينية، وخاصة قضية القدس وأماكنها الدينية الإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى التي تدعى إسرائيل أنه أقيم على أنقاض هيكلهم. هذا القرار سيفتح الباب أمام الدعوات الصهيونية لهدم المسجد الأقصى لبناء الهيكل على أنقاضه، وسيشكل سابقة يجب أن تسارع القيادة الفلسطينية وخاصة حماس (التي تربطها علاقة خاصة سياسية وتنظيمية في إطار التنظيم العالمي للإخوان المسلمين) في الحوار مع القيادة التركية للتراجع عن قرارها، أو اعتماد آيا صوفيا لمكان عبادة للمسلمين والمسحيين تعبيرًا عن الاحترام واللقاء بين الدين المسيحي والإسلامي، وليصبح يوم الجمعة موعدًا لصلاة المسلمين والأحد موعدًا لصلاة المسحيين، هذا إذا لم تنجح المحاولات لإبقائه متحفًا ومكانًا تتقاطع فيه الأديان السماوية.
القرار بتحويله لمسجد دينيًا وسياسيًا يعتبر قرارًا خاطئًا؛ يتعارض مع البيعة العمرية، وسياسيًا يعزز الاتجاهات الصهيونية في مصادرة المسجد الأقصى، وتحويله لمكان لبناء الهيكل، ويعزز النزعات المتطرفة لدى بعض المسلمين في ممارساتهم الإلغائية والتعسفية ضد الأديان الأخرى، ويفتح الباب أمام التحريض الصهيوني لدى المسيحيين، وخاصة الطائفة الأرثوذكسية التي يشكل معظمها حاضنة دينية وسياسة للقضية الفلسطينية. هذا القرار يضع الإخوان المسلمون دينيًا في تعارض مع العهدة العمرية، وسياسيًا مع الممارسات الصهيونية الإلغائية والعدوانية على المقدسات الإسلامية في القدس، وتحديدًا المسجد الأقصى واستمرار محاولات تدميره، كما أن لا ضرورة له، والتراجع عنة مصلحة إسلامية ووطنية وسياسية ودينية.