Menu
حضارة

خُطة الضم: تصميم استعماري مُؤسلِب للحق الفلسطيني

غسان أبو حطب

نشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

مقدمة:

لقد أفضى المشروع الصهيوني الكولونيالي إلى اجتثاث منهجي لإمكانيات تطور فلسطين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وجغرافياً وسكانياً، لا سيما أن هذا المشروع قام على مركبات متفاعلة تعبر عن أقصى درجات نفي الآخر، فالجغرافيا يتم احتلالها، فيما يجري تزييف التاريخ واستئصال الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، الذي بات منذ بدايات هذا المشروع الصهيوني عرضة للتفتيت والتجزئة والتطهير والإبادة العرقية.

ماهية خُطة الضم:

منذ أواخر العام 2015 تم تقديم 22 مشروع قانون، تدعو إلى فرض السيادة الكلية أو الجزئية على المستوطنات، والمناطق المسماه (ج) من قِبَلْ أحزاب اليمين، سبقها مشاريع استيطانية إستراتيجية عدة منذ بداية الاحتلال، تقوم على ضم أجزاء من الضفة الغربية، مثل: مشروع آلون، ومشروع جاليلي، ومشروع فوخمان.

اتُّخِذَتْ قرارات وإجراءات عدة من قِبَلْ حكومة الاحتلال تشير إلى فرضها تدريجيًا للسيادة على أجزاء من الضفة، عبر قرارات حكومية، وتشريعات برلمانية. على سبيل المثال، أُقرّ "قانون التسوية" في الكنيست، بالقراءتين الثانية والثالثة، بتاريخ 66/2/2017، وهو قانون يهدف إلى تسوية التوطين الإسرائيلي في "يهودا والسامرة" وتعزيزه. بحسب دراسة لمعهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، فإن "تطبيق القانون الإسرائيلي هو فرض للسيادة، وفرض السيادة يعني ضم".

يجري الآن النظر في ثلاث سيناريوهات، أما الأول فهو عبارة عن خُطة الحد الأقصى، والتي ستفضي إلى ضم وادي الأردن وجميع ما كان يعرف بموجب اتفاقيات أوسلو بالمنطقة جيم، ويشكل ذلك ما يقرب من 61 بالمائة من أراضي الضفة الغربية، وهي مناطق تديرها "إسرائيل" بشكل مباشر ويقطنها ما يقرب من 300 ألف فلسطيني. كل ما يشغل المحللين الإسرائيليين هو العبء الذي سيضطر إلى تحمله الجيش فيما لو تمت عملية الضم.

وأما السيناريو الثاني فيقضي بضم وادي الأردن وحده ويعيش في هذه الأراضي 8100 مستوطن وحوالي 53 ألف فلسطيني، وكانت "إسرائيل" قد قسمت هذه المنطقة إلى كيانين: وادي الأردن ومجلس ماغيلوت – البحر الميت الإقليمي.       
وأما السيناريو الثالث فيقضي بضم المستوطنات المحيطة ب القدس ، وتشمل مستوطنات غوش إتسيون ومعالي أدوميم. وفي كلتا الحالتين، فإن الفلسطينيين الذين يعيشون في القرى المجاورة لتلك المستوطنات مهددون بالطرد أو بالنقل (الترانسفير). ما يقرب من 2600 فلسطيني ممن يعيشون في قرية الوجله وأجزاء من بيت جالا سيتضررون بعملية ضم غوش إتسيون، هذا بالإضافة إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف بدوي يعيشون في 11 تجمعًا سكانيًا بجوار معالي أدوميم، مثل الخان الأحمر

وقد بات من الواضح أن المشروع الجيوسياسي الاستراتيجي للاحتلال الاستعماري الاحلالي الصهيوني لفلسطين، قد انتقل لمرحلة نوعية جديدة، يستثمر فيها إلى حد أقصى كل الظروف المواتية له فلسطينيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا وكل ما توفر له من إمكانيات وقدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية واستخباراتية وسياسية ودبلوماسية مسنودة بقوة "روحانية دينية أسطورية" ليحسم صناعة وجوده، ويحقق حلم الصهيونية التاريخي بالاستيلاء والسيطرة على كل فلسطين التاريخية، وإقامة "إسرائيل الكبرى" عبر مد نفوذ دولته الاستعمارية المصطنعة وهيمنتها على كل المنطقة. وهنا سنسلط الأضواء على حقين من الحقوق الفلسطينية، وكيف تعمل خُطة الضم على أسلبتهما، وهما الحق في تقرير المصير، والحق في التنمية.

خُطة الضم وأسلبة الحق في تقرير المصير:

وقد جاء تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق في المادة 55 بإعلانها  "رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم، مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها".
كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق تقرير المصير حيث ورد في المادة 1 للفقرة 1: "لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير ولها إستنادًا إلى هذا الحق أن تقرر بحرية كيانها السياسي، وأن تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي".
وفي ميثاق الأمم المتحدة تضمنت الفقرة 2 من المادة الأولى أهداف الأمم المتحدة ومنها "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام". وبذلك يمكن المجازفة بالقول أن حق تقرير المصير يعتبر قاعدة قانونية ملزمة؛ فحق تقرير المصير ثابت نصًا ومضمونًا وينطوي:       
أولًا: على تحرير الشعب وأرضه دون قيد أو شرط؛       
ثانيًا: على إزالة مختلف القيود والضغوط التي تؤثر سلبًا على تعبير الشعب عن إرادته.

خُطة الضم سوف تقتطع ما نسبته 30% من مساحة الضفة الغربية، وهذه المساحة تتربع على ثاني أكبر حوض مياه في فلسطين، وتمثل السلة الغذائية الأولى لأهلنا في الضفة الغربية، وعلاوة على قضم الجغرافيا والتاريخ والذاكرة فهي تمثل أيضًا العلامة الأبرز في مسار التحول الدراماتيكي الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وبالتالي أسلبة الحق في تقرير المصير للشعب الفلسطيني على كامل ترابه الوطني (فلسطين التاريخية).

خُطة الضم ونفي الحق في التنمية:

فقد أشار الحق في التنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1986، في مادته الأولى إلى أن:

  1. الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف وبموجبه يحق لكل إنسان، ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية إعمالًا تامًا.
  2. ينطوي حق الإنسان في التنمية أيضًا على الإعمال التام لحق الشعوب في تقرير المصير، الذي يشمل مع مراعاة الأحكام ذات الصلة من العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، ممارسة حقها، غير القابل للتصرف، في ممارسة السيادة التامة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية.

مما لاشك فيه أن الاستعمار الصهيوني يشكل العقبة الكأداء أمام تطور وتنمية وإنعتاق المجتمع الفلسطيني، ومن هنا فإن التحدي يصبح إطلاق سراح الطاقة الكامنة للتنمية التي يفترض أنها عنصر متأصل موجود في داخلنا، والتحدي الأساسي يجب أن يتمثل في قلب وإنهاء علاقات القوى الاستعمارية. الاعتقاد-وهو ما يتعزز بشكل مثير للدهشة في السياق الفلسطيني-أنه من الممكن الانخراط في التنمية بدون قلب بنى القوى هذه، لهو طريق مضلل، ولا يخدم بالفعل سوى تعزيز وتقوية أواصر النظام الاجتماعي القائم مخفيًا وراءه تلك الممارسة نفسها لعلاقات القوى هذه، وتصبح التنمية بلا مغزى إذا لم توضع في مواجهة وفي صراع مع القوى المهيمنة، أي بوصفها أداة للصراع.

وبالتالي فإن المقاومة الفعًالة تصبح أداة لا غنى عنها لتفكيك العوائق الأساسية التي تحول دون تحقيق تنمية.

ما العمل؟

عند كل منعطف تاريخي يطفو على السطح سؤال، ما العمل؟ والإجابة تكمن بتقديرنا في التالي:

أولًا: موضعة المشروع الصهيوني في إطاره الطبيعي، وهذا ما يُعلنه عن نفسه منذ تأسيسه في مؤتمر بازل 1897، ويُمارسه يوميًا، كما رسَّمه أخيرًا من خلال قرار كنيست إسرائيل، بإعلانها دولة قومية يهودية، كسِمة شَرْطية تعلو وتَحكُم ما عداها، بما في ذلك ديمقراطية الدولة، قاطِعًا بذلك الطريق على أية حلول تستوعِب حتى فلسطينيي 1948، كمواطنين كاملي الأهلية، وحقوق المواطنة، فهو مشروع نافي لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه التاريخية من خلال إدعاءاته التوراتية القائمة على فكرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وبالتالي لا حقوق لأحد على هذه الأرض إلا لهم، وهذا ما رسخه قانون يهودية الدولة، والذي أعتبر أن الحق في تقرير المصير على هذه الأرض حقًا حصريًا للصهاينة.

ثانيًا: سحب الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل-التعبير السياسي للمشروع الصهيوني-. ثالثًا: فصل منظمة التحرير عن السلطة، وإعادة بنائها لتصبح المعبر السياسي عن الكيانية الفلسطينية الناهضة، ولتكن بمستوى التحديات كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني بعد تخليصها مما علق بها من شوائب، عبر مسار أوسلو المظلم، وعبر استمرار اختطافها لصالح مشاريع ظلامية تخدم أجندات ليست وطنية ولا عروبية.

رابعًا: فتح مسار جديد قائم على التعبئة الوطنية الشعبية الشاملة، وفتح آفاق الاشتباك الشامل مع المُستعمِر، من خلال قيادة وطنية تستند لبرنامج وطني يعيد الاعتبار لميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، ويعيد صياغة العلاقات على كافة المستويات الوطنية والقومية والإقليمية والدولية، وتحديد معسكر الأعداء ومعسكر الحلفاء بشكل يستجيب لتموجات المشهد العربي والإقليمي والدولي، وينسجم مع تطلعات الشعوب في التحرر والانعتاق.

الخاتمة:

لذا بات من الضروري التعاطي مع الحقوق الفلسطينية، لا سيما الحق في تقرير المصير، والحق التنمية كأدوات للنضال التحرري في السياق الاستعماري الكولونيالي، من خلال الوعي بأهمية وضرورة خلق وتبني  منظور ونموذج حقوقي/ تنموي مناوئ للمنظور القائم على مبادئ الليبرالية الجديدة، منظور يعزز الاعتماد على الذات؛ منظور حقوقي/ تنموي انعتاقي قادر على رفع منعة الشعب الفلسطيني وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الوطنية والتنموية المحدقة بمشروعنا الوطني.

المراجع

  1. هنية، آدم، التنمية كأداة للنضال: مواجهة واقع الهيمنة في فلسطين،سلسلة أوراق عمل تنموية،2012، مركز دراسات التنمية – جامعة بيرزيت.
  2. البرغوثي، عمر: المقاومة كمكون ضروري للتنمية في السياق الاستعماري،حملة المقاطعة نموذجاً، سلسلة أوراق عمل تنموية،2011، مركز دراسات التنمية – جامعة بيرزيت.
  3. كتاب، أيلين وآخرون: وهم التنمية: في نقد خطاب التنمية الفلسطيني، مركز بيسان للبحوث والإنماء، رام الله ، تشرين الثاني 2010.
  4. المشاريع الاستيطانية، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، تاريخ الدخول: 20/3/2018. https://goo.gl/2qbexX
  5.  قبعة، كمال: شرعنة الاستيطان: قراءة في قانون تسوية التوطين، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 268، 2017.
  6. Panina Barunch, “Implications of The Application of Israeli Sovereignty over Judea and Samaria,” Tel-Aviv University – The Institute for National Security Studies, January.8,2018. https://goo.gl/hDd5PX.
  7. أبو النمل، حسين: ورقة عمل قدمت في مؤتمر "حلّ الدولتين" وما يستتبعه: التصورات الموازية لمستقبل القضية الفلسطينية وإمكانيات التسوية، الذي نظمه مركز القدس بالتعاون مع بيت المستقبل ومؤسسة كونراد أديناور في الفترة من 9- 10  حزيران/يونيو 2017 – لبنان – بكفيا.