Menu
حضارة

"أميرة" التطبيع.. من القاهرة!

هاني حبيب

نُشر هذا المقال في العدد15 من مجلة الهدف الرقمية

في قائمة مصطلحات الأدبيات السياسية العربية، لم يظهر مصطلح التطبيع، إلاّ بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل قبل 41 عاماً، المصطلحات السائدة في ذلك الوقت كانت تدور أساساً حول "المقاطعة" لدولة الاحتلال وتحديداً الاقتصادية منها، ومن المنطقي أنّ غياب مصطلح التطبيع في تلك الفترة يعود أساساً إلى أنه لم يكن من المتصوّر في يومٍ من الأيام أن تكون هناك اتفاقات أو مفاوضات بأي شكل من الأشكال، وبالتالي لم يكن هناك أي منطق في هذا المصطلح - التطبيع - خاصة بعد أن تحوّلت المقاطعة الاقتصادية فيما بعد إلى مقاطعة سياسية عندما اتخذت القمة العربية عام 1978 قراراً بمقاطعة مصر بعد توقيعها مع الاحتلال معاهدة كامب ديفيد، وحينها بدأ مصطلح التطبيع يظهر إلى سطح الأدبيات العربية، باعتباره هدفاً اسرائيلياً لاختراق المجتمعات العربية.

حققت إسرائيل سلاماً بارداً مع مصر من دون أن تحقق تطبيعاً، أو اختراقاً للمجتمع المصري، فقد رفض الشعب المصري ترجمة الاتفاق السياسي إلى اعتراف بدولة الاحتلال وفرض الرؤية الإسرائيلية عليه وإخضاع المجتمع المصري بقبوله "السلام" مع الاحتلال، وما زال الشعب المصري يعتبر أنّ الكيان الصهيوني يُمثّل تهديداً لأمن وطنه، ولا زال يتذكّر سقوط أكثر من 150 ألف شهيد مصري دفاعاً عن وطنهم وأمتهم العربية ووقوفاً إلى جانب الشعب الفلسطيني، في نضاله ضد الاحتلال عربوناً لانتماء هذا الشعب لأمته وقضاياها القومية والوطنية؛ الأمر الذي أفشل كل محاولات دولة الاحتلال من اختراق أصالة الشعب المصري المعطاء، رغم الاتفاقيات السياسية والسياحية والزراعية والاقتصادية.

العودة إلى ملف التطبيع بين الاحتلال وجمهورية مصر العربية، يرجع إلى توسّع استخدام المصطلح في أدبيات العلاقة بين إسرائيل والعرب في الآونة الأخيرة، إضافة إلى مغزى تعيين أميرة أورون سفيرة لدولة الاحتلال في العاصمة المصرية، بعد فراغ المنصب لأكثر من عام ونصف؛ ذلك أن هذه السفيرة سبق وأن عملت قبل توليها هذا المنصب الجديد كمسؤولة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل ودول المنطقة في وزارة الخارجية الإسرائيلية، إلاّ أنّ المنصب الأهم الذي تقلدته في هذا السياق كان عملها مديرة للمركز الأكاديمي بالسفارة الإسرائيلية في القاهرة لمدة خمسة سنوات؛ عملت خلالها بكل جهد لاختراق منظمات المجتمع المدني المصري والنقابات والاتحادات والجامعات للوصول إلى الجمهور المصري، في سياق غير دبلوماسي، بل عملاً بمنهج "الدبلوماسية الشعبية"؛ إلاّ أنها فشلت رغم ذلك في اختراق حقيقي باتجاه التطبيع.

السفيرة "أورون" مستشرقة متخصصة بالدراسات الإسلامية، وتتحدّث العربية باللهجة المصرية، وحسب بعض الإعلاميين المصريين، فإنها تحفظ حواري وأزقة العاصمة المصرية، واختيارها في هذا الوقت لتكون سفيرة لدولة الاحتلال في القاهرة، رغم خلافاتها الحادة مع رئيس الحكومة، يشير إلى أن دولة الاحتلال تراهن في هذا الوقت بالذات على قدرة أورون بما تمتلكه من مواهب وتجربة وخبرة من اختراق المجتمع المصري، في سياق اختراق إسرائيلي للمجتمعات العربية، خاصة في دول الخليج؛ ليكتسب هذا الاختيار أهمية بالغة بغض النظر عن قلة الاستحقاقات القادمة على ضوء تنفيذ صفقة القرن، وعلى الأخص ضم وإعلان السيادة على أراضي الضفة الغربية.