Menu
حضارة

إسقاطاً للأوهام: كيف نواجه مشروع الضم؟

وسام رفيدي

نُشر هذا المقال في العدد 15 من مجلة الهدف الرقمية

لا يمل المسؤولون الفلسطينيون من الحديث عن (استراتيجية) مواجهة مخطط الضم الصهيوني لدولة الكيان، وهي استراتيجية قائمة بالاستناد لحقل واحد يتيم من حقول الفعل السياسي: العمل الدبلوماسي على الجبهة الأوروبية بشكل محدد، وبالتأكيد مع بقايا بائسة لما يسمى باليسار الصهيوني أحباب أيمن عودة وناطقهم الرسمي جواد بولس! ولا بأس بالترحيب ببعض الأصوات الأمريكية من أعضاء الكونغرس الأمريكي.

أما أن يتركز الفعل السياسي للقيادة المتنفذة على العمل الدبلوماسي فهو ليس بغريب مطلقاً، الغريب سيكون فعلاً إذا ما تشكل لدى الوطنيين واليساريين الفلسطينيين أية أوهام حول خيارات تلك القيادة وتوجهاتها، وسيكون غريباً أكثر افتراض أن تلك القيادة لا يمكن بأية حال أن تبحث عن (وسط) ما لموضع (قدم) ما في صفقة القرن.

إن ما صرّح به العالول حول مقترح مجلس تأسيسي ودستور لإعلان دولة، يفتح النقاش حول خيار العودة لمشروع الكونفدرالية الأردني بين دولتين: الأردن و(دولة) على أجزاء من الضفة، خاصة أن التقارير الصحفية باتت تتحدث عن مرونة جديدة في الموقف الأردني من خطة الضم وصفقة ترامب، خاصة بعد ما أُشيع عن تفهم أمريكي/إسرائيلي لبقاء الوصايا الهاشمية على المقدسات الإسلامية، وتطمينات بخصوص الأمن القومي للأردن بعد الضم.

ومنذ العام 1948 مروراً باحتلال كامل فلسطين، ولاحقاً عبر كل تطورات القضية الوطنية حكم الموقف الأوروبي الرسمي توجهين لا ثالث لهما، رغم ارتفاع وتيرة التصريحات (الشاذة) أحياناً؛ الموقف الأول الدعم الكامل للكيان الصهيوني، ليس فقط انطلاقاً من (عقدة الذنب) الأوروبية تجاه الإبادة فقط، بل ولتماثل مصالح الرأسمال الأوروبي الإمبريالي بالنهاية حتى لو امتعض حداثيو الأنجي أوز، مع الكيان الصهيوني؛ الإمبريالية الصغرى، حسب توصيف الرفيق الراحل الحكيم.

أما الموقف الثاني فهو اللحاق بالنهاية بالموقف الأمريكي، ولعل الموقف من صفقة ترامب مؤشر على ذلك فهو موقف متقلقل ومتردد ويقبل القسمة على عشرة، لقد انتهى عهد السياسة الشيراكية مثلاً في فرنسا التي كانت تسعى دائماًً لإبقاء هامش ما لها بعيدا عن الموقف الأمريكي الرسمي تمارس من خلاله سياسة فرنسية مستقلة. اليوم مع ممثل الشركات مكرون والانحياز الألماني الكامل للصهاينة، وجونسون في بريطانيا؛ فرخ ترامب، لا رهان على موقف أوروبي خارج الموقف الأمريكي. لذلك، يبدو الموقف الأوروبي المعلن ضد الضم يتناغم مع موقف أمريكي لا زال في طور الحسابات لمسألة الضم، لا حرصاً على شعبنا وقضيته، بل بالأساس حرصاً على مكانة ومستقبل الكيان، وهذا ما يفسر أيضاً مواقف اليسار الصهيوني وبعض أعضاء الكونغرس من الضم، وعليه فأي رهان على الموقف الأوروبي، رهان بائس تماماً، أما الترويج لاحتمالية موقف أوروبي يفرض عقوبات على الكيان بالاستناد لتصريح هنا وتصريح هناك من مسؤولين أوروبيين، فهذا لا يقل بؤساً، ف فلسطين بأكملها أُحتلت ولم يفرض الأوروبيين مقاطعة، وسلسلة الانتهاكات والممارسات العنصرية طالت وطالت ولم يفرض الأوروبيون مقاطعة، بل أقصى ما وصل إليه الموقف الأوروبي، نتيجة نشاط حركة المقاطعة، هو مقاطعة رسمية لمنتجات المستوطنات في الضفة فقط.

ماذا في جعبة القيادة المتنفذة أيضاً؛ القانون الدولي، مع خرق الصهاينة المستمر منذ العام 48 له، المؤسسات الدولية مثل مجلس الأمن والجمعية العمومية، وحتى محكمة الجنايات؟

سياسياً من الطبيعي أن نسعى كشعب لمكتسبات سياسية/ دبلوماسية هنا وهناك، ولكن هذا شيء والرهان بأن نفشل سياسة الضم عبر سياسة تعتمد فقط على الفعل الدبلوماسي/السياسي، شيء آخر تماماً. الشيء الآخر هنا هو بالحد الأقصى الفشل في إفشال الضم، وبالتالي تسهيل نجاحه، وبالحد الأدنى إشاعة الأوهام التي تستمر القيادة المتنفذة بإشاعتها منذ العام 1993 عندما روجت لغزة/سينغافورة مع الشروع بمسيرة أوسلو.

هل نحتاج لاستعراض مآل الرهان على المؤسسات والقوانين الدولية طوال عشرات السنين؟ أم ترانا نحتاج لتأكيد القاعدة الذهبية في النضال الوطني: لن يسمعك العالم ولن ينصفك، لا قانون دولي ولا مؤسسة دولية، إن لم تفرض ميزان قوى على الأرض يميل لصالح شعبك، غير ذلك لا قيمة له جوهرياً؟ وعليه، هل في خطوات القيادة المتنفذة ما يحمل في طياته ولو بارقة أمل محدودة بتغيير ميزان القوى؟

دون تردد يمكن القول لا. فإذا أرادت تلك القيادة إفشال الضم فعليها بتصورنا اتخاذ خطوات كثيرة، نسوقها هنا دون أدنى قناعة بأنها مؤهلة فعلاً لاتخاذها، ولكن باعتبارها خطوات لصياغة وعي وطني يمهد لفعل وطني يتجاوز الخيارات الفعلية لهذه القيادة، ويؤسس لمرحلة جديد من النضال الوطني:

  1. الإعلان الصريح، ودون مواربة وصياغات لغوية ملتبسة، عن سحب التوقيع على اتفاقية أوسلو وملحقاتها، وكذا سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني. فأن يعلن اشتية مثلاً أن تسيير الأمور الحياتية يتطلب تنسيقاً مع الاحتلال سيقوم به طرف ثالث مفهوم من زاوية أن أوسلو، هو مَنْ أقر ربط كل مناحي الحياة بالمحتل الصهيوني ورهنها بإرادته، فهناك حاجة لطرف ثالث لمتابعة قضايا تتعلق بالكهرباء والمياه وحركة البضائع والأموال والمعابر، وكلها تم ربطها بيد المحتلين، وبتوقيع القيادة المتنفذة ذاتها، ولكن ينتصب السؤال: ماذا عن التنسيق الأمني؟ هل يعني وقفه، كما أعلنت السلطة وقفه، فعلياً؟ أم وقفه مباشرة، عبر (بلوك عدنان الضميري)، بحيث بات يتم عن طريق طرف ثالث، خاصة أن الطرف الثالث موجود ومقيم في الضفة، ولم ينقطع التنسيق معه يوماً، وهو وكالة المخابرات المركزية الأمريكيةCIA ؟ ولكم أن تفترضوا وكالات أخرى كالفرنسية والروسية والبريطانية، وكلها يمكن أن تكون طرف ثالث!

وعندما يعلن مسؤول فتحاوي مثلاً أن الأجهزة الأمنية لن تنسق أمنياً، ولكنها ستمنع العمليات العسكرية، فيمكننا الوقوف على حقيقة ما أعلنته السلطة حول وقف التنسيق، كأني بلسان حال الصهاينة يقول: ماشي بدناش تنسيق.. المهم تصدوا للعمليات! إذ ما وظيفة التنسيق الأمني أصلاً غير التصدي للمقاومة والمقاومين؟ لذلك كله يمكن تفهم عدم الثقة المتأصل بتوجهات وتصريحات وسياسة ذلك الفريق القيادي اليميني المهيمن على المنظمة والسلطة وحدود حركته.

  1. بناء وحدة ميدانية وطنية مقاومة للضم تفرض رؤيتها وفعاليتها عبر ممارستها الكفاحية كبديل شعبي، ليس فقط لبرنامج التفاوض اليميني الرسمي، بل وأيضاً للمؤسسة الرسمية المتكلسة وفاقدة الحافزية والدافعية لأي فعل كفاحي. ينبغي تسمية الأمور بمسمياتها ليس فقط إنصافاً للحقيقة، بل واحتراماً للجماهير، فلماذا فقدت الجماهير ثقتها بالقوى ومؤسساتها الخاصة والرسمية؟ سببين أساسيين بتقديري: تكلس تلك المؤسسات، وخاصة الرسمية، وفقدانها لأية آليات للفعل الكفاحي، ولكم في اجتماعات المجلس الوطني والمركزي والتنفيذية دليل على ذلك. مَنْ يراهن على قرارات تلك المؤسسات ومَنْ لا زال يوليها احترامه وتقديره؟ هي أقرب لجلسات العطاوي: هناك مَنْ يهيمن ويفرض رؤيته والبقية ديكور؛ البيان جاهز قبل انعقاد الاجتماع، وكفى الله المؤمنين شر القتال. مَنْ يدعي غير ذلك فهو كاذب، وهذا ما ثبت في الاجتماع الأخير للقيادة. السبب الثاني هو تكرار ذات الشعارات والمطالب، والتي باتت تتطلب إعادة النظر فيها، وكلما تأخرت تلك العملية كلما تأخرت ثقة الجماهير بمن لا زال يتمسك بتلك الشعارات.

مفهوم الوحدة الوطنية مثلاً أو مفهوم إعادة بناء منظمة التحرير، مفهومان يحوزان بتقديري على النسبة الأعلى من عدم الثقة. كيف يمكن لوحدة وطنية أن تُبنى بين نهجين وبرنامجين، مقاوم ومستسلم؟ وكيف يمكن إعادة بناء المنظمة دون محاسبة جدية لمن أدخل شعبنا وقضيته في نفق كارثي اسمه أوسلو، ودون العودة لجذر الصراع مع المشروع الصهيوني الذي جسده الميثاق الوطني والذي شطبته تلك القيادة؟

إنني ممن توصلوا لهذه القناعة: أن لا إعادة بناء لمنظمة التحرير كقيادة وأداة للنضال الوطني وممثل لحقوقه المشروعة دون إسقاط قيادتها الحالية، وهذا بتقديري يتطلب، ولإفشال مشروع الضم: بناء وحدة وطنية ميدانية، كادر وقاعدة فتح مكون رئيس فيها، تخلق أداتها التنظيمية التوحيدية.