Menu
حضارة

نكبة أم جريمة؟

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج- 10

حاتم استانبولي

صفقة القرن - التطبيع.jpg

خاص بوابة الهدف

تعبير نكبة كان مفهومًا دارجًا؛ يطلق للكناية عن مصيبة كبيرة تقع للإسان، بفقدانه خسارة كبيرة في الأرواح أو الأملاك أو الصحة أو الاموال أو الخيرات الزراعية، ولكن هل هذا المصطلح يعبر بشكل دقيق عن ما أصاب الفلسطينيون قبل وبعد عام 1948؟

إذا ما أخذنا الوصف الدقيق لما حدث للفلسطينيين  نستطيع أن نطلق عليه جريمة مركبة؛ حملت أبعاد متعددة وطنية وحقوقية وقانونية وإنسانية وسياسية وتاريخية. بالمعنى الوطني فقد تم تقاسم وطن الفلسطينيين بين عدة كيانات سياسية، ونتج عنه بعدًا قانونيًا إلغائيًا؛ أدى إلى إلغاء الشخصية القانونية للفرد ونقله من حالته القانونية، تحت مسمى حكومة  فلسطين إلى حالات متعددة حملت طابع الإلغاء والإلحاق أو التهميش وعدم الاعتراف به كإنسان؛ له موقع يتمتع بشخصية قانونية (جنسية). هذا الحق ترك آثارًا جُرميّة سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية على الإنسان الفلسطيني الذي حرم من حقوقه الوطنية وإمكانية المطالبة الفردية بأملاكه التي سرقت منه، أو مطالبته بالمحاسبة على الجرائم التي ارتكبت بحقه أو أفراد عائلته أو شعبه من قبل قوات الاحتلال البريطاني أو المجموعات العصابية اليهودية الصهيونية  والتي تحولت إلى "جيش الدفاع الاسرائيلي" وقادة المجموعات التي ارتكبت الجرائم أصبحوا قادة دولة اسرائيل.

إن جريمة تقاسم الوطن القومي الفلسطيني بين مشروع دولة تفتقد للأرض من أجل تجميع (شعب)، تحت عنوان أحقية إلهية، ومشروع دولة تفتقد لعدد من المواطنين يتطابق مع القانون الدولي من أجل تشريع قانوني لدولة.

إن رفض الجامعة العربية الضبابي لقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة تحت رقم 181 لعام 1947، لم يترافق مع أي قرار لحل الجانب القانوني  للشخصية الوطنية الفلسطينية، بل شرع إلحاقها أو تمايزها في دول الشتات، ولكن بلا أية حقوق مدنية؛ إلا في سوريا، حيث أعطيت لاحقًا حقوقًا متساوية مع المواطن السوري. أما في الأردن فقد امتلك كل الحقوق، ولكن بلا هوية قانونية (وطنية فلسطينية). وفي العراق فقد اعتبروا ضيوفًا عليه بلا أية حقوق مدنية وعوض عنها بقرارات رئاسية. أما في لبنان فقد اعتبر الفلسطيني وما زال خارج الإطار القانوني المدني والإنساني.  وفي قطاع غزة بالرغم من حصوله على الهوية الشخصية الفلسطينية (وثيقة سفر مصرية كمثيلاتها السورية واللبنانية)، لكنه كان يحصل عليها باتجاه واحد، أي لا يمنكه العودة بها إلى مصر أو قطاع غزة؛ إلا في حالات استثنائية تتطلب موافقات أمنية خاصة.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن

أما دوليًا بالرغم من قرار الأمم المتحدة الذي يعترف بالشخصية الفلسطينية ويسميها في قراره بإنشاء وكالة خاصة به تعمل على تشغيله وتعليمه، حتى يتم تأمين عودته إلى أرضه، لكنها لم تحل المشكلة القانونية المتعلقة  بالجنسية بقرارها رقم 302 الصادر بتاريخ الثامن من ديسمبر لعام 1949، والذي يعلن فيه عن إنشاء وكالة مؤقتة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين،  على أن يتم تجديدها كل 3 سنوات حتى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. من الواضح أن اسم الوكالة يحمل اعترافًا بالشخصية القانونية للشعب الفلسطيني، ولكنه لم يمنحه أية وثيقة قانونية ليتمكن الإنسان الفلسطيني من تحقيق شروط عيشه الإنساني ويحميه قانونيًا؛ من الاستغلال والضغط والتشريد والابتزاز والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية التي أقرتها المواثيق الدولية الأممية الإنسانية؛ كحق التعليم ما بعد المرحلة الإعدادية وحرية السفر وحقه في إقامة الدعاوي القانونية أمام المحاكم الدولية لاسترجاع حقوقه الفردية المسروقة؛ من أراضي أو أملاك أو حقه بالتعويض. إن قرار الامم المتحدة بإنشاء وكالة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كان يجب أن يرفق بقرار إعطائهم وثائق دولية لتحمي استمرارية حقوقهم الفردية والجمعية التي ينص عليها قانون حقوق الإنسان وتحمي هويتهم الوطنية.

إن إلغاء الهوية القانونية للفرد الفلسطيني؛ حرمه من موقعه القانوني في المنظومة الإنسانية، وأدى إلى أن يتم التعامل معه على إنه خارج المنظومة القانونية الدولية، ولا يحق له أن يطالب بحقوقه أو إقامة أي دعوى قضائية فردية للمطالبة بحقوقه المادية التي سرقت واغتصبت منه، أو عن الجرائم المرتكبة بحقه كإنسان وكفرد وكمجموعة.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس-بيكو وصفقة القرن.. اليهودية في أوروبا وأساس العداء للسامية (ج 2)

لقد أقرت اتفاقية (Beatmenbkommen) المعقودة في 12 من تشرين أول 1921 بين بولندا وحكومة دانزرك التي تعتبر مصدرًا قانونيًا لمنح الأفراد حقوقًا دولية مباشرة لتقديم الدعاوي القانونية أمام المحاكم الدولية، كما تضمنت اتفاقية منع ومعاقبة الإبادة الجماعية التي أقرتها الأمم المتحدة في 9 كانون الثاني لعام 1948، ولاحقًا تطور الإطار القانوني الدولي، وأعطى حقوقًا أوسع لمحاكمة الأفراد على جرائمهم بغض النظر عن موقعهم السياسي أو المعنوي، وإنما اعتمد على سلوكهم وقراراتهم التي أدت إلى ارتكاب جرائم جماعية بحق الإنسانية.

بغياب الصفة القانونية الشخصية للفلسطيني وعدم قيام الدول المضيفة له برفع دعاوي في المحاكم الدولية أو مطالبات تطبيق القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ومنها قرارات 181 و 191و194  الأهم التي تشمل إقامة كيان سياسي أو حق العودة والتعويض.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج3)

إن إلغاء الهوية الفردية القانونية للشخصية الفلسطينية حرمه من استخدام القانون الدولي من أجل ملاحقة مجرمي الحرب من العصابات الصهيونية التي ارتكبت مجازر موصوفة ومعروفة بحق الفلسطينيين ما قبل وبعد عام النكبة، ولم تقم الدول العربية أو الجامعة العربية بتقديم أية مطالبة لمساءلة قانونية للاحتلال البريطاني أو لقادة الاحتلال الاحلالي الإسرائيلي الذين أصبحوا قادة دولة إسرائيل من سياسيين وعسكريين، وبما أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، فإن الباب ما زال مفتوحًا للجامعة العربية أو الدول المضيفة أو الفلسطينيين؛ إن كانوا أفرادًا أو جماعات أو سلطة سياسية لرفع الدعاوي القانونية أمام المحاكم الدولية والمحلية لملاحقة قادة الاحتلال على جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري والمصري إذا كانت جدية بشأن مواقفها العنترية. لهذا فإن إلغاء الشخصية الوطنية الفلسطينية بحد ذاته هو جريمة للتغطية على جريمة أكبر ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني؛ كأفراد ومجموعات وككيان سياسي تمثل بحكومة فلسطين وأملاكها العامة إن كانت مادية (ودائع حكومة فلسطين في البنوك البريطانية) أو ريعية التي قام الاستعمار البريطاني باستغلالها وبيعها وسرقتها؛ إن كانت السرقة مباشرة عبر منحها للوكالة اليهودية (الأراضي الأميرية الوقفية العثمانية التي كانت تتبع للخزينة العثمانية) أو غير مباشرة عبر تأمين مصالح مادية أو سياسية مع الحركة الصهيونية العالمية بفروعها الاقتصادية والسياسية والتي كانت ممثلة بشخصية اللورد روتشيلد في بريطانيا.

النكبة وما نتج عنها من إلغاء للهوية والشخصية القانونية الفلسطينية؛ حرم الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية في حرية التنقل والسفر وحرية التعبير عن الرأي السياسي وحرية إنشاء الأحزاب السياسية وأخرجهم من منظومة العدالة الإنسانية ووضعهم في مخيمات (أشبه بمعتقلات)، على هامش الحياة المدنيّة، وحرمهم من أبسط مقومات الحياة الإنسانية؛ إن كانت صحية أو بيئية ومورست عليهم كل أشكال الابتزاز والحرمان السياسي والاجتماعي والاقتصادي في حين كانت قضيتهم تشكل دخلًا ماديًا لا ينضب للحكومات التي كانت تستثمر في قضية لجوئهم بالرغم من إلغاء هويتهم القانونية.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (جـ4)

النكبة حرمت الشعب الفلسطيني من تطوير حالته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولعب عامل التفيت والتشرذم والشتات دورًا في إعادة إنتاج النكبة بأشكال مختلفة ووضعت مستقبل الشعب الفلسطيني في مهب الريح؛ تحكمه ظروف خارجه عن إرادته في كثير من الأحيان، مما أنتج ظروفًا جديدة تمت فيها طرح التساؤلات حول الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

أما في الجانب التاريخي فقد عمل وعلى مدار 72 عامًا؛ من أجل إعادة كتابة التاريخ من أجل تشريع نتائج النكبة وبدأت تظهر تجليات تزوير التاريخ  في المناهج التعليمية الدراسية لتغيير الوعي الجمعي للأجيال.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج5

أما في الجانب الفلسطيني فقد كانت الخيارات السياسية للقيادة الفلسطينية (الحاج أمين الحسيني وجماعته) خاطئة في اصطفافها مع ألمانيا، في الحرب العالمية الثانية. هذا الخيار الذي كان بين ظالمين واعتمد البعد الديني كمعيار للاصطفاف الذي أدى إلى إلغاء الدور السياسي للفلسطينيين ما بعد 1948.

أما عن القوى الوطنية الفلسطينية وأبرزها عصبة التحرر الوطني التي تغير موقفها من رافض لقرار التقسيم إلى موافق بعد صدور الموقف السوفياتي والذي اعتبروه معيارًا لموقفهم.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج 6)

بغض النظر عن صحة الموقف أو عدمه، لكنهم وحسب ما ورد في مذكرات عبد العزيز العطي صفحة (92)؛ أحد قادة عصبة التحرر الوطني، فإن قادة الحزب دعوا إلى لقاء اتخذ فيه قرارًا بتغيير اسم العصبة إلى الحزب الشيوعي الأردني، وبذلك ساهم الحزب، وبالرغم من كل نضالاته، إلا إنه بتغيير اسمه ساهم في إلغاء هويته الوطنية السياسية، في وقت كانت فيه الحركة الوطنية الفلسطينية في أهم مفاصل نضالها التحرري، ووضع الحزب في تعارض بين بنيته ومهامه الجديدة. إن اسم عصبة التحرر الوطني كانت تحمل سمة المرحلة الوطنية التحررية وتغييرها أسقط مهمتها الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني ووضعها في تناقض مع موقفه من قرار التقسيم الذي يؤكد على إقامة دولة عربية (فلسطينية) إلى جانب الدولة اليهودية، بحيث يغلق الباب لأي تفسيرات صهيونية مستقبلية؛ إن الدولة الأردنية هي الدولة العربية التي نشأت عن قرار التقسيم.

إن موافقة عصبة التحرر الوطني على تغيير اسمها ومهماتها وضعها في تناقض مع الوقائع المادية التي أنتجتها النكبة بأبعادها القانونية والحقوقية والسياسية والإنسانية والتاريخية، وأكد موافقتها على الإلغاء والإلحاق، مما أدخلها في إشكالية وتناقض مع بنيتها الحزبية التي أدت إلى تفتت الحزب، وكانت سببًا في انقساماته المتعددة ومدخلًا لنقدها من قبل التيارات القومية التي ساهمت أيضًا في تعويم الشخصية الوطنية الفلسطينية في الإطار العام العربي.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج7

الحركة الوطنية الفلسطينية وقعت بين اتجاهين تجاه القيادة الدينية التقليدية التي أخذت القضية الفلسطينية إلى خيارات سياسية خاطئة باصطفافها مع النازية، بحيث أخرجتها من الفعل أو التمثيل السياسي، بالرغم من تصدي قواعدها وقادتها في معارك ال1948 واستشهاد عبد القادر الحسيني وبين خيار عصبة التحرر الوطني في تغيير مهماتها الوطنية التي وضعتها في إطار جديد محصورًا في الإطار القانوني للمملكة الأردنية الهاشمية وعزلها عن الشتات الفلسطيني ودورها في قطاع غزة.

إن تغيير مهام واسم عصبة التحرر الوطني لم يكن خيارًا أملته الظروف الداخلية وواقع قواها التي كانت أحوج إلى تعميق وتوضيح للمهام الوطنية التحررية، بل خيار أملاه العامل الخارجي، وما جاء بتفسير فؤاد نصار حول ضرورة التعاطي مع التطورات الجديدة بعد قرار ضم الضفة إلى المملكة الأردنية الهاشمية؛ يوضح أن القرار عمليا أسقط موقف العصبة من قرار التقسيم وألغى المطالبة بدولة فلسطينية على أساس قرار التقسيم ( تفسير فؤاد نصار جاء رداً على رأي عبد العزيز العطي؛ بأن يكون اسم الحزب: الحزب الشيوعي الأردني الفلسطيني) صفحة 92 من مذكرات عبد العزيز العطي.

اقرأ ايضا: فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج8

أما عن قرار ضم الضفة إلى المملكة الاردنية الهاشمية، في سياق إقراره يحمل مطبين قانونيين:

الأول: قوض تنفيذ قرار التقسيم،  بالإضافة إلى أنه لم يكن نتيجة استفتاء شعبي فلسطيني للكتلة السكانية الفلسطينية  الأكبر في الضفة الغربية ومخيمات اللجوء الفلسطيني في الضفتين واستبعاد قطاع غزة.

اقرأ ايضا: فلسطين بين سايكس- بيكو وصفقة القرن (ج9)

الثاني: عملية توطين الفلسطينيين ولاجئيهم عبر تجنيسهم الذي أضفى بعدًا قانونيًا تستثمره  إسرائيل الآن في ما يطلق عليه الخيار الأردني للحل الفلسطيني الذي يعتبر أن الدولة الأردنية هي الإطار القانوني للوطن الفلسطيني.

أما عن النتائج الملموسة، فقد أدخل الحركة الوطنية الفلسطينية وامتدادها في الحركة الوطنية الأردنية في تعارض مع الدولة الأردنية، في حين كان المفترض أن يكون التناقض موجهًا للاحتلال الاحلالي الصهيوني المغتصب. تراكم التعارض ( دون حلول سياسية) الذي اتسمت فيه مرحلة ما بين 1950 وحتى 1967 حول التعارض إلى تناقض حاد بين البنية الاجتماعية للدولة ونظامها السياسي، هذا التناقض الحاد الذي أفرزته هزيمة 1967 وأطلقت علانية الثورة الفلسطينية التي تعاملت مع الدولة الأردنية كخصم سياسي وطرحت شعارات انقلابية بعيدة عن استثمار القوى الشعبية، ولم تدرك أن هنالك مصالح لقوى اجتماعية (عشائرية) في بقاء النظام الملكي وتعتبره ممثلًا لها.

بالرغم من أن ميزان القوى الاجتماعي كان محسومًا للتوجهات الوطنية؛ إن كانت (فلسطينية أو أردنية)، حيث ظهرت تجلياتها في الفسحة الديمقراطية  عام 1956، وأنتجت أول برلمان لا تمييز فيه بين مواطني شرق النهر أو غربه (حيث نجح يعقوب زيادين نائبًا عن القدس وهو ابن الكرك ). النتائج البرلمانية  عكست  ميزان القوى الاجتماعي وتوجهاته الوطنية التي أكدت فيه الخيار الوطني الجمعي  لكافة التوجهات الاجتماعية وقواها عبر تشكيل حكومة وطنية (حكومة سليمان النابلسي) تحظى بشرعية شعبية سرعان ما تم الانقضاض عليها والعودة إلى قانون الأحكام العرفية المطبق منذ الاحتلال الاستعماري البريطاني. والمناسبة الثانية التي أظهرت التوجهات الوطنية التحررية للقوى الاجتماعية، كانت في معركة الكرامة التي ظهر فيها التلاحم الميداني بين وحدات الجيش الأردني التي غطت عبر القصف المدفعي عمليات المقاتلين الفلسطينيين الميدانية، في الكرامة والشونة الجنوبية والشمالية، هذه المعركة التي حقق التلاحم المشترك انتصارًا أعاد الثقة بإمكانيات هزيمة العدو الصهيوني، ولكن العقلية السياسية المتحكمة بالقرار السياسي لم تبني على هذا الانتصار والتلاحم، وتطرح خطة مجابهة مشتركة كان النظام في وضع لا يمكنه، إلا الموافقة عليها تقوم على أساس العمل المشترك بين المقاومة والجيش الأردني لاستنزاف المحتل قبل أن يتمكن من بسط سلطاته وهيمنته على الضفة الغربية؛ معركة الكرامة كانت ممكن أن تكون نموذجًا للتلاحم السياسي والميداني، إلا أن الأخطاء السياسية التي ارتكبتها فصائل العمل الوطني الفلسطيني بيمينها ويسارها، والتعاطي مع وجودهم كأنه من خارج سياق  البنية الاجتماعية للحركة الوطنية الأردنية التي هي امتداد طبيعي للحركة الوطنية الفلسطينية (مردها كان ردة فعل على سنوات القمع التي امتدت منذ النكبة وحتى حرب ال 67) وضعها خارج إطار البعد الاجتماعي للمكونات التي امتزجت على مدار عشرات السنين بين ضفتي النهر التي تحمل مكون اجتماعي واحد بالمعنى  التاريخي، والتي لا يمكن تحديد الفواصل فيما بينها، بالرغم من كل المحاولات التي تظهر من حين إلى آخر، إلا إن وقائع التاريخ والجغرافيا أقوى منها.

القوى الوطنية لم تستطع التوصل إلى مساومة مستندة إلى ميزان القوى الاجتماعي المحسوم لصالحها للتوصل إلى تقاطع مع النظام الذي كان محميًا باتفاقيته مع بريطانيا التي لم تكن لتسمح في سقوطه، بل دفعته لحسم الصراع، بعد أن شعر بالخطر الداهم عليه من خلال بعض الشعارات (كحسم ازدواجية السلطة أو كل السلطة للمقاومة)، إضافة للمحاولات الانقلابية التي باءت بالفشل، والتي كانت نتيجتها تفريغ مؤسسات الدولة والجيش من الشخصيات الوطنية ووضع الأساس للفرز الاقليمي وإجهاض الحركة الوطنية الأردنية؛ من خلال وضع المصالح الوطنية الفلسطينية في تصادم حاد مع مصالح النظام العشائري في الأردن وتعرية الساحة الوطنية وترك مكوناتها الاجتماعية عرضة لتأثير الدين السياسي (الإخوان المسلمون) الذي كان يعمل على تفريغ المحتوى الوطني للقوى الاجتماعية؛ مستخدمًا شعارات محاربة الإلحاد، وأن الجهاد في أفغانستان ضد الخطر الشيوعي أولى من محاربة الاحتلال الاحلالي الصهيوني لفلسطين.

وبصدد مفهوم الحركة الوطنية في الأردن، فإننا لا يمكن الحديث عن الحركة الوطنية الأردنية بمعزل عن تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي عملية تطورت عبر سياق تاريخي تداخلت فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحيث لا يمكن تحديد فواصل بينها وكل محاولة من أجل وضع فواصل تؤدي لمظاهر من العنصرية، بغض النظر عن طبيعة البناء الفوقي الذي جاء نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو ومتطلبات تنفيذ وعد بلفور.

أما عن الجزء المنسي من الشعب الفلسطيني في ال48 الذين تركوا لقمة سائغة يلوكها الاحتلال العنصري الغاصب الذي تعامل معهم على أنهم حظائر بشرية، ووضعت قيود على  تنقلهم في وطنهم لسنوات عديدة، ومارس قيود اقتصادية وسياسية وتعليمية تعيد كتابة التاريخ بناء على الرواية الصهيونية، وبالرغم من هذه القيود، فقد واجه الفلسطينيون سياسات القمع بما توفر لديهم من إمكانيات إعلامية وأدبية وسياسية محدودة؛ تمت الإشارة إليها من خلال الكاتب الشهيد غسان كنفاني عندما ألقى الضوء على الأدب الفلسطيني المقاوم في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948. وكبقية أجزاء الشتات الفلسطيني  فرض عليهم الإلحاق  في منظومة الدولة الإسرائيلية، ولم يحظوا بأي اهتمام من قبل الحركات السياسية الفلسطينية حتى بداية السبعينيات، حتى إنهم لم يولوا أي اهتمام من قبل المجالس الوطنية  الفلسطينية أو من قبل الفصائل الفلسطينية  قبل عام 1970.

وإذا كانت نكبة 1948 شرّعت إعلان دولة إسرائيل دوليًا، فإن هزيمة 1967 كانت اعترافًا رسميًا عربيًا بأحقية إسرائيل في ما عرف بدولة إسرائيل؛ عبر موافقتها على قرار مجلس الأمن 242، وبناء عليه أسست إسرائيل لإستراتيجية جديدة؛ تقوم على أساس قضم وابتلاع تدريجي لما عرف بفلسطين التاريخية.