Menu
حضارة

طهران وكاراكاس الطريق لكسر الهيمنة

موسى جرادات

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

لم تكن حادثة وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى الموانئ الفنزويلية حدثًا عابرًا، يمكن تجاوزه دون التوقف عنده، فالحدث جاء في سياق معقد ومتشابك، فالبلدين المحاصرين من قبل العدو الأمريكي منذ عقود، حصارًا محكمًا يراد منه وفق المُعلن الأمريكي إسقاط النظامين الحاكمين، حتى إن الحصار قد بلغ ذروته في بداية هذا العام، مع التشديد المطلق لكل آليات العقاب، بالإضافة لتهديد البلدان التي تبدي رغبة في التعامل معهما، ومحاولة الانقلاب على نظام الحكم في فنزويلا من قبل وكالات أمنية خاصة مرتبطة بالولايات المتحدة الأمريكية، أما بالنسبة لإيران، فليس خافيًا على أحد مدى المحاولات الأمريكية لزعزعة نظام الحكم فيها.

وأمام هذا المشهد يطل علينا كلا البلدين في محاولة منهما للتأكيد على قدرة الشعوب والحكومات الرافضة للهيمنة الغربية على إحداث شرخ في دائرة النار الملتهبة حولهما، بغض النظر عن ردات الفعل الأمريكية الرعناء، والتي حاولت منذ إعلان البلدين عن اتفاقية شراء البنزين التهديد بمنع ذلك، ومع هذا مضت إيران المصدر وفنزويلا المستوردة في مساعيهما لتنفيذ ما اتفق عليه، وتكللت المحاولة الأولى بإيصال الدفعة الأولى من الشحنات التي اتفق عليها بنجاح، وصولًا إلى الشحنة الثانية، والتي بدأت بالاقتراب من الشواطئ الفنزويلية والتي ستصلها خلال أيام. فقد ذهبت كل التهديدات الأمريكية لناقلات النفط الإيرانية أدراج الرياح وعبرت البحار والمحيطات في رحلتها الطويلة لتحط في المرافئ الفنزويلية، في ظل التصميم الإيراني للرد على أي محاولة أمريكية لاعتراض طريقها حتى لو وصل الأمر لمواجهة عسكرية مفتوحة مع الولايات المتحدة وفق لتصريحات الرسمية للمسؤولين الإيرانيين.

قد تكون المحاولة الإيرانية والفنزويلية في هذا السياق تأكيد على قدرة الشعوب المغلوبة على تخطي قدرة الخصم وفجوره، وبناء علاقات إنسانية بين الشعوب والدول قائمة تبادل المصالح الثنائية وعلى كل المستويات، وكذلك كسر حلقة من حلقات الاستتباع للغرب، على أمل أن تثمر هذه المحاولة، محاولات أخرى من بلدان مختلفة، يمكن أن يُبنى عليها إمكانية قيام نظام عادل قادر على مواجهة المنظومة الغربية والخروج من أدوات السيطرة والتحكم والتي تفرضها على الجميع منذ قرون. وبالنظر لنجاح هذه المحاولة بين البلدين وعلى الرغم من محدوديتها؛ إلا إنها أعطت بالتجربة والبرهان إمكانية أن تنشأ تلك العلاقات بالرغم من حجم التهديدات التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفائها على البلدان التي ترغب بإقامة علاقات متوازنة مع إيران وفنزويلا.

إن قيام البلدين ببناء هذه العلاقة وعلى كل المستويات؛ يُظهر بوضوح لا يقبل الشك، إن هناك بصيص من الأمل في حال توفرت الإرادة؛ فنجاح تلك التجربة وتكرارها، يعني بالضرورة إن كل السياسات المتبعة من الأمريكان وشركائهم الأوربيين تجاه البلدين لم تؤتِ أكلها، وهذا ما عبرت عنه التصريحات القادمة من البيت الأبيض، والتي أكدت أن هناك محاولات أمريكية للتواصل مع نظام مادورو في كاراكاس، على الرغم من الإدعاءات الأمريكية الدائمة، والتي تقول فيها إنها لا تعترف به. يضاف إلى المحاولات الأمريكية للتواصل مع الإيرانيين في الفترة الأخيرة، والتي أثمرت عن إطلاق سراح السجناء بينهما.

فالإدارة الأمريكية الحالية باتت تدرك أن كل سياساتها الخارجية، والتي قامت على دبلوماسية العنف وسياسة أقسى درجات الضغط على البلدان الخارجة عن سيطرتها لم تعطِ النتائج المرجوة، وبالتالي لم يسجل لتلك الإدارة أي نجاح ملموس في سياساتها الخارجية وفي مختلف الملفات والأصعدة، فيما الصراع السياسي الداخلي بلغ ذروته والانتخابات أصبحت على بعد أشهر قليلة، فيما ملامح التغيير القادم أصبح وشيكًا في البيت الأبيض، وترامب أصبح خالي الوفاض من كل منجز داخلي وخارجي يؤهله لعرض بطاقته الانتخابية؛ فحكومته اليمينية المغرقة في الأيديولوجيا لم تستطع أن تتعاطى مع الواقع السياسي الدولي وفق آلياته ومحدداته، وليس وفق التوهمات الأيديولوجية المفرطة في العنصرية والاستعلاء والقهر والإرهاب المنظم الذي على ما يبدو قد ارتد إلى الداخل الأمريكي ليفتك بالنسيج الاجتماعي للشعب الأمريكي ويطيح ببنى المؤسسات الأمريكية لصالح حفنة من الواهمين الذين يحتقرون الإنسانية ويمقتونها،  فيما تمضي طهران وكاراكاس ببناء علاقاتهما بعيدًا عن الوهم.