Menu
حضارة

أشباح "الاحتراق الكبير" تحوم بين إيران وإسرائيل

د. محمد السعيد إدريس

نقلا عن صحيفة الأهرام المصرية

يبدو أن الأحداث بدأت تتسارع بصورة مخيفة لتنبئ عن احتمالات حرب موسعة بين إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة وبين إيران. دوافع التفكير الإسرائيلى بشن هذه الحرب كثيرة، وربما تكون القيادة العسكرية الإسرائيلية بدأت تميل إلى القبول بضغوط بنيامين نتنياهو وحكومته التى يقودها اليمين المتطرف الداعية إلى ضرورة القضاء على الخطر الإيرانى الذى يعتبرونه "تهديداً وجودياً" لكيان دولة الاحتلال، ففى السنوات الماضية كانت الفجوة واسعة بين موقف القيادة السياسية والقيادة العسكرية من التورط فى حرب مع إيران، وكانت الولايات المتحدة هى الأخرى مترددة، وربما رافضة للضغوط الإسرائيلية للمشاركة فى حرب ضد إيران يكون هدفها هو القضاء نهائياً على حلم إيران فى امتلاك سلاح نووى. 
رفض الرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما كل الضغوط الإسرائيلية للتورط فى مثل هذه الحرب، كما رفض مطالب دول مجلس التعاون الخليجى لتأسيس تحالف عسكرى أمريكى- خليجى ضد إيران على غرار حلف شمال الأطلسى (الناتو) وبدلاً من ذلك وقع الاتفاق النووى مع إيران عام 2015 وطالب الدول الخليجية بإنتهاج "علاقات سلام" مع إيران "حتى ولو كان سلاماً بارداً". الآن جاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بوعد التخلص من الاتفاق النووى الإيرانى، واستجاب لكل مطالب نتنياهو بفرض أقصى عقوبات ضد إيران وأصدر قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها "عاصمة موحدة وأبدية" لدولة الاحتلال الإسرائيلى، كما اعترف بفرض السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، وأعلن صفقة لتصفية القضية الفلسطينية على النحو الذى يريده اليمين الصهيونى ليس فقط فى إسرائيل بل وأيضاً فى الولايات المتحدة، وتعامل، ومازال يتعامل مع إيران باعتبارها خطراً على المصالح الحيوية الأمريكية فى الشرق الأوسط يجب التخلص منه. 

وجاءت الانتكاسات التى تواجه حملة الرئيس ترامب للانتخابات الرئاسية بسبب سوء إدارته لأزمة انتشار فيروس كورونا، وتورطه فى مواقف عنصرية عدوانية ضد الأمريكيين من أصل أفريقى وقت أن تفجر الغضب الشعبى الأمريكى عقب مقتل المواطن الأمريكى جورج فلويد (أسود البشرة) على يد شرطى أمريكى (أبيض البشرة)، لتزيد من قناعته بأن "حرب ناجحة" ضد إيران ربما تكون الفرصة الوحيدة أمامه لاستعادة شعبيته المتداعية أمام منافسه الديمقراطى جو بايدن وتأمين التجديد لولاية رئاسية ثانية فى الانتخابات التى ستجرى يوم 3 نوفمبر المقبل.

بنيامين نتنياهو يدرك هو الآخر أن فرصته باتت سانحة للتخلص من الخطر الإيرانى، وأن هذه الفرصة فى مقدورها أن تحقق له ثلاثة أهداف بضربة واحدة بعد أن تعيده بطلاً قومياً قادراً على أن يحافظ على أمن إسرائيل. أول هذه الأهداف التخلص نهائياً من خطر دخول السجن والمحاكمة القضائية فى قضايا فساد وخيانة أمانة، وتأمين فرص حصوله على "عفو عام" مدعوم شعبياً هذه المرة. ثانى هذه الأهداف أن يقوم بفرض موقفه على غريمه بينى جانتس شريكه فى الحكومة الحالية بالنسبة للضم الفورى والكامل لغور الأردن والكتل الاستيطانية فى الضفة الغربية، حيث أضحى جانتس رافضاً لهذا الخيار ويفضل تأجيل الضم الآن لتفادى الاعتراضات الدولية والحفاظ على العلااقت الإسرائيلية الحسنة بعدد من الدول العربية، والانحياز للضم التدريجى البطئ وليس الضم الكامل والفورى كما يريد نتنياهو، أما ثالث هذه الأهداف فهو التخلص من الشراكة الحكومية الحالية بين حزب الليكود وحزب "أزرق – أبيض" الذى يتزعمه جانتس، والمطالبة بإجراء انتخابات عامة مبكرة يأمل أن يوظف فيها "حربه الناجحة" ضد إيران للفوز بأغلبية تمكنه من تشكيل حكومة دون اضطرار للتحالف مع أحزاب أخرى.

خيار "الحرب الناجحة" هذا هو الذى بات يغرى القيادات العسكرية بقدر ما يغرى الرئيس الأمريكى وهذا ما يروج له الإسرائيليون بشدة هذه الأيام اعتقاداً بأن الظروف شديدة الصعوبة التى تواجه إيران وحلفاءها سوف تجعل منها "صيداً سميناً" يمكن النيل منه بسهولة .

من بين هذه الظروف التى أقنعت العسكريين وجعلتهم على استعداد للقبول بالمخاطرة فى الحرب مع إيران، وهى المخاطرة التى ظلوا يرفضونها طيلة السنوات الماضية لإدراكهم حجم ونوع الخطر الذى ينتظر إسرائيل إذا تورطت فى حرب مع إيران، ثلاثة عوامل أساسية.

أول هذه العوامل أن إيران باتت شديدة الإنهاك داخلياً بسبب ضراوة العقوبات الأمريكية التى قصمت ظهر الاقتصاد الإيرانى ، وأفرزت أجواء شعبية باتت ناقمة على النظام وسياساته، وبسبب قسوة تداعيات انتشار فيروس كورونا وهى التداعيات التى أجهزت على ما تبقى من قدرات صمود الاقتصاد الإيرانى حسب تقديراتهم، الأمر الذى سيفرض حتماً ضغوطاً هائلة على النظام الإيرانى وستحد من قدرته على الصمود فى أى حرب تتعرض لها إيران.

ثانى هذه العوامل، حالة الإنهاك غير المسبوقة للحلفاء الإقليميين لإيران وأولهم "حزب الله" الذى يواجه "أسوأ أيامه" داخلياً فى لبنان بسبب الضغوط الاقتصادية الأمريكية والغربية، للدرجة التى حفزت قطاعات شعبية لبنانية للتظاهر محملة "حزب الله" والسيد حسن نصر الله أمينه العام شخصياً مسئولية التردى الراهن فى الاقتصاد اللبنانى، للدرجة التى شجعت البعض على المطالبة بنزع سلاح "حزب الله" استجابة للمطالب الأمريكية كى يتراجع الأمريكيون عن ضغوطهم. وما يحدث فى لبنان يحدث نظيره فى سوريا بسبب تفعيل الولايات المتحدة ما يعرف بـ "قانون قيصر" الذى وضع سوريا تحت مقصلة الضغوط الاقتصادية الأمريكية لإجبارها على القبول بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية وفى مقدمتها إنهاء الشراكة مع إيران، وإخراج إيران نهائياً من سوريا . 

أما العامل الثالث الذى يدعم خيار الحرب الآن على إيران باعتبارها "حرباً ناجحة" فهو وجود إدراك إسرائيلى بأن إيران التى لم تستطع الدفاع عن نفسها داخل الأراضى السورية أمام وابل من الاعتداءات والضربات الموجعة فى مناطق متفرقة من الأراضى السورية لن تكون قادرة على خوض حرب متكافئة مع إسرائيل المدعومة أمريكياً. الإسرائيليون توصلوا، خلال الشهرين الماضيين، إلى قناعة مفادها أن "الهجمات الإسرائيلية المكثفة والمتكررة ضد المواقع الإيرانية فى سوريا قد استنفدت أغراضها" ما يعنى أن خيار نقل الحرب إلى الأراضى الإيرانية نفسها أضحى ممكناً ومواتياً.

هذا الاستنتاج الأخير ربما يؤكد الاتهامات غير المباشرة، التى توجه لإسرائيل الآن بتحميلها مسئولية الاعتداءات التى تعرضت لها منشآت حيوية إستراتيجية إيرانية منذ ما يقرب من أسبوعين كان أخطرها ما وقع يوم الخميس (2/7/2020) باعتداء تعرضت له "منشأة ناتنز" النووية المخصصة لإنتاج أجهزة الطرد المركزى من الجيل المتطور وأحدث حريقاً كبيراً فى أجزاء حيوية منها وأتلف معدات دقيقة تستخدم فى صناعة أجهزة الطرد المركزى المتطور المستخدمة فى تخصيب اليورانيوم حسب تأكيدات بهروز كمالوندى المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية.

يدعم هذا الإستنتاج تزامن وقوع هذا الحادث، الذى تجاوز "كل الخطوط الحمراء" ووصل إلى "عصب القدرات النووية الإيرانية" مع إعلان بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية فى ذات اليوم (الخميس 2/7/2020) أن جيش بلاده على أهبة الاستعداد للتعامل مع جميع السيناريوهات "بقوة هجومية كبيرة جداً" متوعداً من سيحاول مهاجمة إسرائيل بـ "ضربة قاضية"، كما يدعمه أيضاً ما كتبه مراسل الشئون العسكرية فى موقع "القناة 13" بالتليفزيون العبرى "آور هيلد" بعد جولة تفقدية للقوات العسكرية الإسرائيلية شمال فلسطين المحتلة على الحدود مع لبنان بأن "إسرائيل تتحسب لرد إيرانى على تفجيرات منشأة ناتنز النووية" وقوله "نحن ذاهبون إلى صيف ساخن" يأمل المعنيون فى الجيش الإسرائيلى ألا تؤدى إلى ما يسمونه بـ "الاحتراق الكبير".

خشية هذا "الاحتراق الكبير" له دلالات كثيرة أبرزها أن إيران لن تكون وحدها ضحية وقوع مثل هذه الحرب بل إسرائيل أيضاً يؤكد ذلك مضامين الاتفاقية العسكرية الجديدة التى وقعها فى دمشق يوم الخميس الفائت (9/7/2020) رئيس الأركان الإيرانى محمد باقرى مع نظيره السورى، التى من شأنها تمكين كل من إيران وسوريا من فرض "قواعد اشتباك جديدة" مع إسرائيل ، يمكنها أن تجعل من خيار "الحرب الناجحة" التى يأملها الإسرائيليون "احتراقاً كبيراً" وفقاً لتحذيرات أو مخاوف كبار القادة العسكريين الإسرائيليين.