Menu
حضارة

"بدنا نعيش" وصفحات "الشاباك" الفيسبوكية

سليمان أبو إرشيد

بعد أن تحوّل الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيحاي أدرعي، إلى ما يشبه النجم في بعض الفضائيات العربية، "يحاور" و"يناور" و"يجادل بالتي هي أحسن" ويحظى بالتكريم الذي يحظى أو لا يحظى به الضيف العربي الندّ، وأحيانا إلى "مفتي" يفسر آيات القرآن الكريم بنفسه تارةً، ويشيد بتفسير يطابق أهوائه من قبل نفر من شيوخ السعودية دعاة التطبيع المارقين، تارةً أخرى.

وبعد أن "اخترق" العالم العربي مسلسلا "فوضى" و"طهران" اللذان يحوّلان جرائم الحرب الإسرائيلية إلى بطولات، بعد أن تُجرّدها من بُعدها السياسي وواقع الاحتلال وتضفي عليها صفات إنسانية نبيلة، فتجعل من الضباط الإسرائيليين أبطالًا خارقين يشابهون أبطال الأفلام العالمية أو أبطال الحكايات الشعبية العربية، يتمتّعون بالنبل والأخلاق الحميدة والمبادئ السامية والكثير من الشهامة، يحافظون على حرمة البيوت ولا يقتلون النساء والأطفال.

بعد كل ذلك، جاء الآن دور جهاز الأمن العام (الشاباك) ليدلي بدلوه في الحرب النفسية والدعائية التي تخوضها إسرائيل ضدّ الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي، بهدف تشويه صورة المقاومة الفلسطينية وحلفائها وتسخيف بطولاتهم وتضحياتهم مقابل أبطال خارقين لا يمكن قهرهم، وذلك لبث روح الهزيمة واليأس والإحباط في صفوف شعبنا وكسب الرأي العام العالمي.

وبينما تحظى صفحة الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي، سالف الذكر، على الفيسبوك بآلاف المتابعات، كشف الكاتب هيلل كوهين في مقال نشرته "هآرتس" أنّ جهاز المخابرات الإسرائيلي "الشاباك" أنشا مؤخرًا أكثر من 30 صفحة باللغة العربية على "فيسبوك" يديرها ضباطه ويشكل الجمهور الفلسطيني هدفا مباشرا لها، ويتم التوجه إليه بشكل شخصي بواسطة ضبّاط المخابرات المجنّدين لهذ الغرض.

وجاء هذا الكم من الصفحات "الشاباكية" بعد النّجاح المتخيّل الذي حققته صفحة "بدنا نعيش" التي أنشأها "الشاباك" عام 2016، واختارت مصطلحا يستعمله بعض الفلسطينيين للتعبير عن تعبهم من النضال ضد الاحتلال وإعطاء الأولوية لجلب لقمة العيش لأولادهم.

الرسالة واضحة في ثنايا العنوان، من الأفضل لكم أنتم الفلسطينيون أن تنشغلوا بتحسين مستوى حياتكم عِوضًا عن الانشغال بالسياسة التي لا طائل منها، كما يقول كوهين، الذي يشير إلى انضمام ضباط "الشاباك" ومسؤوليه من غزة جنوبا وحتى جنين شمالا إلى هذا النشاط الفيسبوكي الذي تحول في الأشهر الأخيرة إلى ميدان علني وصاخب ينشر فيه ضباط "الشاباك" أولئك مئات "البوستات" ويحظون بآلاف المتابعين الفلسطينيين.

واذا كانت صفحة الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي تزينها هذه الأيام صور وفيديوهات إقامة مناسك الحج في بيت الله الحرام، فإنّ صفحة "بدنا نعيش" الشاباكيّة تزينها صورة المسجد الأقصى مذيلة بالدعوة إلى "الامتناع عن التجمعات والرباطات فيه للحيلولة دون تحويله إلى بؤرة لنقل الأمراض والعدوى" على حد تعبيرهم.

وبينما تظهر تل أبيب مضيئة وبيروت مظلمة في صفحة الناطق بلسان جيش الاحتلال، كتعبير عن القوة والتفوّق، تظهر صفحة "بدنا نعيش" صور المقاومين الفلسطينيين الذين وقعوا في أيدي "الشاباك" كتعبير آخر عن القوة والتفوق، وهي محشوة بضرب الأسافين بين الضفة وغزة ومحاولة الإيهام بقيام حماس باستغلال شباب الضفة لتحقيق مآربها السياسية، حيث يظهر أحد الرسوم الضفة على شكل آلة تشغلها حماس ويُظْهِرُ آخرُ رؤوسَ شبابها على شكل كرات تلعب فيها الأخيرة كرة القدم وتدخلها على شكل أهداف إلى السجن الإسرائيلي.

وإذا كان الهدف المعلن لهذه الصفحات هو فرملة المقاومة الفلسطينية العنيفة للاحتلال، فإنّ الهدف الأهم، إلى جانب ذلك، يتمثل في التأثير على الوعي الفلسطيني المرتبط بالضفة والعلاقة مع إسرائيل عموما وإضفاء الشرعية على الحكم العسكري والتطبيع مع الاستيطان.

ويحاول الاحتلال تمرير هذا الأمر من خلال خلق عالم افتراضي لا يوجد فيه احتلال ويعيش فيه الفلسطينيون والإسرائيليون بطمأنينة ومساواة في الضفة الغربية، وإعطاء انطباع وكأن "الشاباك" يعمل لأجل اليهود والعرب معا، في حين أنّ مقاومة الحكم العسكري الإسرائيلي هي مقاومة للسلام والتقدم الذي تجلبه إسرائيل وتجلب الضرر على من يشارك بها، كما يقول الكاتب هيلل كوهين.

إنّها "حملات وعي" مثلما يسمونها باللغة المهنية، كما يقول، سبق للجيش الإسرائيلي إن أقام شبيهة لها شارك في بلورتها خبراء نفسيون، خبراء تسويق، مستشرقون ورجال استخبارات، إلّا أنّ ما يميّز الصفحات التي يديرها ضباط "الشاباك" معرفتهم للحقل والأطراف الفاعلة فيه ولذلك هم يعرّفون أنفسهم "مقرّبين من الفئات المسؤولين عنها ويخاطبونها بودية ولكن بحزم ’الأخ الأكبر’"، بلسان كوهين.

وعلى غرار "الشيخ" أدرعي، فإنّ "مشايخ الشاباك" من أمثال كابتن حسام وكابتن إيلي وكابتن فادي، ممّن يزخر بأسمائهم الفيسبوك، يوظّفون لصالحهم، أيضًا، بعض آيات القرآن الكريم بعد تحريفها وتشويه معانيها على غرار "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" منطلقين من أن نهاية المقاوم هو الموت أو السجن، لا النصر أو الشهادة.