Menu
حضارة

المقدمات التاريخية "التحريضية" لثورة 23 يوليو انقلاب أم  ثورة؟

ابو علي حسن

نشر في العدد 16 من مجلة الهدف الرقمية

مضى على ثورة 23 يوليو المصرية بقيادة الزعيم عبد الناصر ثماني وستون عاماً, ولا يزال الجدل والنقاش مفتوحاً على مصاريعه في كل مناسبة لانطلاقتها أو مناسبة رحيل زعيمها؛ جدل لا يتوقف حول آثارها أو آثار ما سمي بالناصرية في الحياة السياسية السائدة في مصر, وفي الواقع العربي, فالنقيض لهذه الثورة وما يمثل من رجعية وتبعية للأجنبي, لا زال يحمل آثار معاداته لهذه الثورة وزعيمها, ويشكك في ضرورتها التاريخية والسياسية والاجتماعية, ويحاول أن يربط هذه الثورة بزعيمها عبد الناصر, دون أن يربطها بحاجة المجتمع المصري في حينه, وللأمة العربية إلى هذه الثورة بما تحمل من مبادئ وغايات نبيلة, كي يصل إلى الاستنتاج إلى أن ثورة 23 يوليو رحلت وانتهت برحيل زعيمها, ولم تترك وراءها أي أثر في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية والعربية عموماً, وهم بهذا يقيمون الأوضاع السائدة عبر سياسة ومنطق القطع مع التاريخ, وأن الناصرية بما تمثّل من تحولات بنيوية ليست إلا لحظة عابرة في التاريخ المصري والعربي كي يتوجوا انتصارهم على مبادئ وأهداف ثورة 23 يوليو بالقول "بأن الناصرية انتهت".

لقد مضى على ثورة 23 يوليو ثماني وستون عاماً, تغيّر فيها وجه العالم بنظمه وسياساته, وبناه السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وغابت فيها دول وأحلاف وقوى عالمية, ودخلت البشرية عصراً جديداً مختلفاً عما كانت عليه ثورة يوليو, وعصرنا اليوم هو عصر التكنولوجيا المتطورة, وعصر اقتصاديات المعرفة, والحروب السيبرانية؛ عصر فيه من الصفات والمعطيات التي لم يعش أو حلم فيها جيل ثورة يوليو, تلك الثورة التي قامت في عصر راديو الترانستور, ولم يكن بعد قد دخل التلفزيون مصر أو الوطن العربي.

فهل يصح أن نحاكم اليوم ثورة يوليو في ذلك العصر, بإنجازاتها وإخفاقاتها, بمعايير ومعطيات عصرنا اليوم؟ إن أدوات القياس لمحاكمة ثورة يوليو ينبغي أن تكون هي ذاتها أدوات القياس في زمنها وعصرها, وليس أدوات القياس في عصرنا الراهن الذي يختلف جوهرياً في بناه عن عصر ثورة يوليو، وعليه فالسؤال الأساس يتمحور حول ضرورة ثورة يوليو من عدمه؛ هل الأوضاع السائدة في الحياة المصرية كانت تستوجب الثورة؟ أم أن الثورة كانت نزعات شخصية أو انقلاباً عسكرياً يستهدف السلطة والحكم؟

إن القراءة الموضوعية لثورة يوليو 1952, تكتسي أهميتها بالقراءة التاريخية لمقدمات الثورة التي تكن مقطوعة الجذور عن الحالة المجتمعية السائدة حينذاك, وليست مقطوعة الجذور عن تاريخ مصر القادم وحركتها الوطنية والشعبية, أي إنها ليست وليدة لحظة سياسية عابرة, أقدم عليها نفرٌ من المغامرين أو بضعة ضبّاط هواة؛ إنما هي تعبير ومحصّلة سياسية لحالة شعبية استطاع نفرٌ من الوطنيين الأحرار أن يلتقط صوتها, ويلبي النداء الوطني منذ قرون. لقد اختار الوطنيون أفضل الوسائل الممكنة لإنجاح الثورة الكامنة في النفوس والمشاعر, وهي وسيلة الإستيلاء على السلطة السياسية عبر المؤسسة العسكرية "وهذه ليست نقيصة"، ومن ثم يبدأ التغيير الشامل والبنيوي في الحكم والمجتمع والمؤسسات, أي استكمال الثورة على كل الأصعدة.

وعليه فالثورة المصرية لم تكن انقلاباً عسكرياً بكل المقاييس, كون قادتها عسكريين, إنما كانت ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية وبنيوية على يد عسكريين, أطاحت بكل القديم وأعادت بنائه من جديد ليلبي الحاجة المصرية الوطنية والشعبية, وليواكب مجريات العصر, ويرسم خارطة طريق للحالة العربية بمجملها وطنياً وتحررياً, ولو لم يكن عبد الناصر ورفاقه قد فجّروا هذه الثورة, فعاجلاً كان سيقوم غيرهم من الحركة الوطنية بهذه الثورة، ارتباطاً بكل الأحداث التاريخية التالية كمحفزات ومحرضات تاريخية.

أولاً: إن مصر إبان ثورة يوليو كانت محتلة من الاستعمار البريطاني, ويعتبر الحاكم الفعلي في الحياة السياسية والاقتصادية؛ ألم تحاصر القوات البريطانية مقر قصر عابدين, حيث فرض السفير البريطاني السير مايلز لامبسون على الملك فاروق اعتماد زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس لتشكيل الحكومة..!! أو يتنازل المالك فاروق عن العرش؟ تلك كانت واحدة من مفردات وسطوة الاحتلال البريطاني, أي أن مصر كانت فاقدة لاستقلالها الوطني وسيادتها مصادرة لصالح المحتل البريطاني.

ثانياً: لقد كانت تحكم مصر أسرة محمد علي من سلاطين وخديوهات وملوك, امتداداً للغريب الأجنبي من مماليك وغيرهم من حكم مصر... وظلّت هذه الأسرة تحكم مصر عبر مائة وخمسون عاماً, فيها من الفساد المالي والسياسي ما كتبت عنه المراجع التاريخية الكثير الكثير, ولعل أهمها فساد الخديوي إسماعيل الذي ذاع صيت فساده إلى الآفاق، بعد أن باع أسهم قناة السويس واستدان من الحكومات الغربية ما أغرق مصر بالديون, وفتحت المجال للتدخلات الأجنبية؛ ألم تكن عودة مصر للمصريين في الحكم والسلطة, أمرٌ وطني وقومي وفي صميم الفكر السياسي لثورة يوليو؟

لقد اعتبرت أسرة محمد علي أن مصر ملك وراثي من الأجداد والآباء والأحفاد، وأن المصريين ليسوا إلا عبيدًا لهذه الأسرة، والتاريخ شاهد على تفكير الأسرة وعلاقتها بالشعب المصري, فحين تقدّم الزعيم أحمد عرابي أمام قصر عابدين على رأس قواته ليطالب الخديوي توفيق بالاستجابة لطلبات الجيش، وأهمها إسقاط الوزارة وتحسين ظروف الجيش... الخ؛ نزل إليه الخديوي توفيق قائلاً له: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها, أنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي, وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا.."، ورد عليه أحمد عرابي: " لقد خلقنا الله أحراراً, ولم يخلقنا تراثاً أو عبداً, فوالله الذي لا إلاه إلا هو, إننا سوف لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم...". هذه واحدة من تاريخية الاستعباد لشعب مصر، والتي لم تغادر وعي الزعيم عبد الناصر, لتؤسس فكرة الخلاص من أسرة محمد علي, وانتقال الحكم إلى المصريين.

ثالثاً:  من نافل القول أن سوء الأحوال الاقتصادية في مصر قبل الثورة والتناقضات الطبقية في توزيع الأراضي الزراعية, قد شكّلت عاملاً رئيسياً في تعميق الحاجة إلى الثورة للتخلّص من الإقطاع الزراعي, ويقول المفكر الجغرافي العظيم جمال حمدان، صاحب اصطلاح عبقرية المكان، في كتابه "شخصية مصر"؛ أن من بين الخمسة أو الستة ملايين من الأفدنة التي كانت تمثّل رقعة مصر الزراعية, كان نحو المليون منهم للأسرة الحاكمة, ونحو المليون لطبقة الإقطاع, ومثله للاستعمار ولطفيليات الاستعمار, ممثلاً في الملكيات الأجنبية من أفراد وشركات عقار واستصلاح". ويستطرد بأن "عدد الملاّك في مصر قبل ثورة يوليو 1952 كان 2,8مليون مالك, وأكثر من 2 مليون من هؤلاء الملاّك لا يملكون، إلا 13% من المساحة الكلية بمتوسط نصف فدان لكل مالك..!!"، أي أنهم ملاك معدمين, وكان 94% من الملاك يملكون نحو 35% من المساحة الكلية, أي ثلث الأرض الزراعية, بينما الثلثان المتبقيان كانا حكراً لنحو 6% من الملاك, منهم 3% يمتلكون أكثر من ثلث الأرض, مع ملاحظة أن تعداد مصر في ذلك الوقت كان يراوح بين (17 إلى 20 مليون نسمة).

هذا الواقع الطبقي, كان حافزاً مستمراً للثورة لأجل القضاء على الإقطاع وطبقة الملاّك من الباشوات والأجنبي, وهو الحافز الذي دفع ثورة 23 يوليو بعد انتصارها بثلاث شهور, لاعتماد قانون الإصلاح الزراعي في 9/سبتمبر 1952 الذي يحدد الملكية الزراعية لكل مالك, وهذا القانون المبكر جداً من عمر الثورة، لم يكن إلا استجابة موضوعية ومنطقية لحاجة الإنسان المصري في أرضه ووطنه, بل هو استجابة لمخزون الوعي الوطني لدى الشعب المصري, ونخبه الوطنية ضد الإقطاع والباشوات المرتبطة بالأجنبي.

رابعاً: ولا ريب أن هزيمة حرب 1948, وضياع فلسطين, وما رافقها من خذلان وتقاعس وغياب الرؤية القومية لقضية فلسطين, قد تركت آثاراً نفسية ومعنوية لدى الضباط الذين شاركوا في حرب 1948, وحوصروا شهوراً دون عونٍ أو مدد, وجلّ الضباط من مجلس قيادة الثورة كانوا قد شاركوا وحوصروا في هذه الحرب الخاسرة, ومن ضمنهم جمال عبد الناصر وآخرين. لقد دخل الملك فاروق هذه الحرب دون مقدمات, ودون رؤية سياسية مسبقة بقضية فلسطين, ودون توافق في البرلمان أو رئاسة مجلس الوزراء, حيث أخذ قرار المشاركة في الحرب قبل يومين من بدئها..!! في ضوء نصائح من قبل عبد الرحمن باشا عزام أمين عام الجامعة العربية, وتحت تصور ورغبة الملك فاروق، بأن هذه الحرب ستكرسه زعيماً أو خليفة للمسلمين..!! وأنها ليست أكثر من نزهة عسكرية تعود بعدها الأمور إلى سابق عهدها.

ودون الأطناب في ملابسات هذه الحرب وأحداثها, ومسألة السلاح الفاسد, وغياب قضية فلسطين عن الوعي الوطني للنظام المصري الملكي الحاكم, فقد شكّلت هذه الوقائع حافزاً آخر في الإسراع في بلورة تنظيم الضباط الأحرار, حيث كانت هذه الحرب بمثابة فرصة لتقارب الضباط مع بعضهم في الرؤية والأحداث والمصير, مما فرضت عليهم الحالة التفكير في القضية الوطنية والقومية, بعد ويلات حرب لم يكن لهم دور في خوضها، إلا في مسرح الميدان الذي لم يحضّر مسبقاً.

خامساً: لم تكن ثورة 23 يوليو بدون تحريض تاريخي على قيامها, أو دون موروث وأحداث سياسية عالقة في الوجدان الشعبي المصري, فقد كانت محصلة رفض شعبي كامل, لمرحلة تاريخية طويلة من استبداد الاحتلال البريطاني وعملائه المحليين, حيث شكّلت حادثة دنشواي عام 1906 في الوجدان المصري الشعبي ذروة وقسوة الاحتلال الأجنبي, وتقاطع العملاء المحليين مع سياساته العدوانية, تلك الحادثة التي على إثرها تم إعدام عدد من القرويين المصريين, ومحاكمة 92 قروياً؛ بحجة قتل أحد الجنود الإنجليز الذي توفي بضربة شمس, بعد مطاردة القرويين لجنود بريطانيين أشعلوا النيران في أجران المحاصيل الزراعية, وهي حادثة خلّدها التاريخ المصري لبشاعتها وظلمها، لا سيما بعد رد الفعل الإنجليزي الذي تمثّل في محاكمة القرويين وإنزال حكم الإعدام في بعضهم والسجن المؤبد لآخرين, ومما زاد في استثنائية هذه الحادثة, أن الاحتلال البريطاني استخدم قضاة مصريين في محاكمة القرويين الأبرياء، كان على رأسهم إبراهيم الهلباوي وبطرس غالي الذي أصبح رئيس وزراء لمصر لاحقاً, والذي اغتيل لاحقاً على يد ابراهيم الورداني المنتمي إلى الحزب الوطني الذي أسسه المحامي مصطفى كامل بعد واقعة دنشواي. هذه الواقعة التاريخية لا يمكن فصلها عن السياق العام والممتد تاريخياً في رفض الاحتلال ورفض التبعية, ولا يمكن فصلها عن موروث وطني تراكمي؛ أحدث نقلات نوعية في الوعي الوطني المصري وحركته الوطنية, ورموزها القيادية مثال محمد فريد, ومصطفى كامل, وسعد زغلول, وغيرهم من رواد النضال الوطني.

سادساً: قبل ستة شهور من ثورة 23 يوليو شبّ حريق هائل في وسط القاهرة بتاريخ 26 يناير 1952, وطال مئات من المنشآت العامة والمحالات التجارية والفنادق ودور السينما والشقق السكنية والنوادي الليلية, ويعتبر هذا الحريق من أضخم وأشمل الحرائق التي أصابت عاصمة كالقاهرة, مما خلّف خسائر مادية هائلة وقتلى وجرحى تجاوزت المئات. وبدا أن الحادث كان مدبّراً, وأن الفاعلين كانوا على مستوى عالٍ من التدريب والمهنية ووضوح الخطة, وامتلاك وسائل إشعال الحرائق السريعة, فضلاً عن قدرتهم العالية من التنظيم والتخطيط والتنقل من مكان إلى مكان, وفي ضوء ذلك أعلنت الأحكام العرفية ومنع التجوال, وتعيين مصطفى النحاس حاكماً عسكرياً.

هذه الواقعة التي هزّت الشعب المصري لما لحق بعاصمته الجميلة من حرائق وتدمير, قد مثلت الشرارة التي تسببت في الإسراع بقيام ثورة 23 يوليو, بعد أقل من ستة شهور على الحريق, سيما ولم تصل كل التحقيقات حتى اليوم عن الفاعلين عن هذا الحريق, رغم أن كل المؤشرات كانت تتوزع على مسؤولية الملك فاروق للتخلص من رئيس الوزراء مصطفى النحاس, في ضوء خلافه معه, ومسؤولية الاحتلال البريطاني للتخلص أيضاً من مصطفى النحاس انتقاماً لإلغائه معاهدة 36, وهناك من اتهم حركة الإخوان المسلمين في محاولة منها لعقاب الملك وسرايا عابدين على مقتل زعيمهم حسن البنا, وهناك من اتهم حزب مصر الفتاة بزعامة أحمد حسين القومي والاشتراكي المتطرف.

إن المحصلة كانت أن الفوضى السياسية والأمنية, والفساد المتمثل بالأحزاب والسرايا, كانت سبباً في حريق القاهرة, الذي عجّل بالثورة التي لبّت الحاجة الشعبية في ذلك الوقت. كل هذه المحفزات التاريخية ساهمت في انطلاقة ثورة 23 يوليو, بعد أن نضجت كافة المعطيات الموضوعية والعوامل الذاتية المتمثلة بحركة الضباط الأحرار، وعليه فإن الإخلاص الوطني الذي تحلّى به عبد الناصر ورفاقه في الاستجابة لصوت وأحاسيس ومشاعر الشعب المصري، هو أحد أهم مقاييس التقييم لثورة يوليو, لذلك فإن الإفتراء على عبد الناصر وتجربته من كارهين ومعادين وانتهازيين وفاسدين, لم تستطع أن تسقط عنه أنه من أنبل وأخلص الزعامات في عصره على المستوى الوطني والقومي, فقد أخرج المجتمع المصري من حالة اليأس والإحباط إلى فضاء الحلم والرقي والرفعة والكرامة ويكفيه المحاولة:
•    حاول أن يستكمل استقلال مصر ويتحرر من كل أشكال التبعية للأجنبي.
•    حاول أن يلحق بعصره, تعليماً وصناعةً وحداثةً.
•    حاول أن يضع مصر والأمة العربية في المساحة الجيوسياسية التي تليق بها.
•    حاول أن يصنع أول وحدة عربية من بوابة الجمهورية العربية المتحدة، من خلال الوحدة مع سوريا.
•    حاول أن يكون رقماً صعباً إقليمياً ودولياً.
•    حاول أن يبني كتلة تاريخية دولية؛ دول عدم الانحياز.
•    حاول أن يقدّم لحركات التحرر العربية العالمية كل عون ومدد.

سيبقى كل من يعادي عبد الناصر وثورة 23 يوليو، يكيلون له الاتهامات، وينهشون من لحم تجربته، وسيبقى هو وثورته دائم الحضور في الوجدان العربي.