على مدار الساعة
أخبار » آراء

الحصاد المر والفرص المتاحة

17 آب / أكتوبر 2015

عانى اليسار الفلسطيني وكادراته لأكثر من ثلاثة عقود متتالية من خيبات الأمل، وضياع الهوية، وفقدان ثقة جمهوره، والتي سبقتها هجرة العقول والكادرات من مجال العمل السياسي والتنظيمي لحقل العمل الأهلي، ليتحول عدد لا بأس به من تلك الكادرات من مربع أصدقاء الثورة إلى أعدائها.

صحيح أن انهيار الاتحاد السوفيتي شكّل إشكالية تاريخية لليسار في جميع أنحاء العالم، إلا أن إضاعة هذا اليسار وقياداته من فرص متاحة ومتعددة لما وفرته له بداية الانتفاضة الأولى لتقدم الصفوف وقيادة الشارع وتثوير الجماهير، لتحقيق أهدافها الوطنية والقومية والتقدمية والطبقية، شكّلت اتساعاً لحجم الفجوة الاستراتيجي الذي طال طبيعة العلاقة مع الجمهور والشباب المنتفض، والتي أخذت بالاتساع، وصولاً لضعف التفاعل، والتواصل مع هذه الجماهير، والابتعاد شيئاً فشئياً حتى باللغة عن اللغة الشعبية لتصبح مفرداتها خارج القاموس اليومي للجماهير، والولع بموضوعات غالباً ما تكون بعيدة عن مشاغل الناس، ولا تقع في سلم أولوياتها.

ظل اليسار بكل فصائله وقياداته ولكن بنسب متفاوتة من فصيل لآخر يدور في فلك الأزمة، ويقف أمام حصاده المر الذي تجلى بالفكرة المأساوية عن الذات، ومحاولات التهرب من الهوية الفكرية لتتوالد معها نزعات التريج والتعذيب للذات، وتغييب اللغة العقلانية المسئولة والتثويرية في آن، وليبدأ البحث عن شماعة يُعلق عليها لوائح خساراته الكبرى، فأصاب البعض منه ما أصاب رموز السلطة ومفسديها من تعظيم للذات، وتعالي على الجمهور، والنظرة الليبرالية المتعالية، بل ووظف الكثير منهم نفسه وقلمه دفاعاً عن السلطة وقادتها وبرنامجها الذي ولّد كارثة حقيقية لشعبنا ما زال يدفع فاتورتها حتى الآن، ممارساً ابشع أشكال الإرهاب الفكري والتنظيمي على كل من يخالفه الرأي داخل الهيئات والمنظمات، ليدخل في حرب استنزاف داخلية طالت ممكّنات اليسار وطاقاته وممتلكاته، وعطّلت العقل الجمعي في هيئاته لصالح تكتلات وظواهر مرضية هي أبعد ما تكون عن تلك الثقافة الثورية والتنويرية التي بشر بها هذا اليسار منذ انطلاقاته الأولى.

ولكي يلتقط هذا اليسار هذه الفرصة التي أتاحها الشباب له بثورته على الاحتلال، وممارساته، والتي عبّر من خلالها رفض كل ممارسات السلطة بشقيها، وتجليات انقسامها وتقاسمها بكل أشكالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية عليه:

أولاً: مغادرة ثقافة التبرير، تلك الثقافة التي ارتكزت إلى وظيفة التبرير والتسويغ والشرعنة والواقعية، وأنتجت ممارساته السياسية والاجتماعية والكفاحية بطريقة جافت دوره المفترض، وأحلت المواقف الذرائعية والممارسات النفعية محل الأخلاق الثورية. تلك الثقافة التي صرفت اليسار عن مهمة الاشتباك القومي، والطبقي مع أعداء الجماهير ومستغليها، إلى حالات من الاشتباك الداخلي حول هذا الموقف أو تلك السياسة، وأدخلته في حالة من الاستنزاف الدائم بعدما برر وجود السلطة ووظائفها بطريقة أساء الاعتبار لأبجديات استكمال مرحلة التحرير، وترك المؤسسات الوطنية ضحية الفساد والإفساد الذي مارسته القيادة المتنفذة فيها، بعدما وضع الحقيقة رهن إشارة المنفعة. على اليسار أن يغادر هذه الثقافة واستعادة ثقافة التنوير والتحرير والمقاومة، وتقبل النقد البنّاء لمواقفه التي تخالف الإجماع الوطني حول موضوعات عدة ومن بينها دور السلطة، وبرامجها، وقيادتها.

ثانياً: صرف الفكرة في حساب العمل، والبحث عن أقصر الطرق وأقلها كلفة في سبيل تحقيقها، فلم يعد مقبولاً اجتماعياً ولا سياسياً أو وطنياً الحديث في كل شيء، دون أن نفكر على نحو صحيح في أي شيء. لم يعد مقبولاً أن تؤدي دوراً رسولياً أو وسيطاً أو محابيا، في ظل أننا بحاجة للمواقف الجذرية المباشرة والصريحة، ولعمل يغير وجه السلطة، ويحقق الحد الأدنى من مطالب شعبنا وحقوقه الوطنية والاجتماعية. وقد تكون علة عجز اليسار في طبيعة عمله، أو في برنامجه الذي يعرضه على الجمهور الذي يجافي إلى حد بعيد المزاج الشعبي، فهل من المنطق مثلاً أن يتحدث عن الديمقراطية في مجتمع مكبل بقيود الاحتلال واتفاقات مذلة؟!. هل من المنطق أن يبقى مجرد دعاة للحوار واستعادة الوحدة؟! هل من العقل أن ندعو للانتفاضة، ونحن ننأى بكادرتنا وهيئاتنا عن الانخراط بالميدان مع شباب الانتفاضة، أو حتى التقليل من شأن هذا الحراك الجماهيري والشبابي؟!.

ثالثاً: على اليسار أن يحرر ذاته من خلال البدء الفوري بإخضاع الأفكار والأفعال إلى محكمة المعرفة، واستخلاص العبر من أزماته، وتأسيس حواره ومخاطبته ونقده على معطيات الواقع، ومحاسبة النفس على قدر طاقة الفعل الذاتي، والاستعداد للتعبير بشجاعة عن آليات مواجهة أخطائه على قاعدة الثقة بالنفس باعتبارها عامل الحسم، ومحفز للقدرة على تزويده بالطاقة اللازمة للإنتاج، بعيداً عن تعظيم الذات أو الفكرة المأساوية عنها؛ ففي ذلك فقداناً صريحاً لشعور الثقة بالنفس، ولا نتائج لهذا السلوك سوى التغطية على حالة العجز، وعدم المقدرة على تغيير الواقع، أو البحث عن شماعة يعلق عليها خسائره الكبرى، فضلاً عن التعلق بشماعة السلطة وبرنامجها الهابط.

رابعاً: على اليسار أن يعيد النظر في طرق حصوله على المعرفة، ونظام تفكيره بتلك الطرق، والنظم التي باتت تعبر عن نفسها بجملة من النزعات المرضية، سواء بالنزعة النصية المغلقة لاستتباع النص، والتفكير من داخل معطياته وحدوده الجغرافية، والتي حرمته من التفكير خارج الصندوق، ومنعته من القراءة الموضوعية للواقع، وأبقته وفعله حبيس هذا النسق العقائدي السلفي المغلق ليعيش في بديهياته، وإعادة إنتاج معطياته ليضع علامة استفهام كبرى حول قدرته على تجديد بناءه وشرعيته في مجتمع أوكل له دور حساس ومهم، وهذا يتطلب منه الخروج من أحكام القيمة إلى لغة التقرير والتحليل ( الحكم المعياري)؛ فبقاء هذا اليسار اليوم منوط بالمهام الملقاة على عاتقه. على هذا اليسار أن يبحث في الممكن والممتنع في حركته اليسارية، وصولاً لتحقيق أهدافه وبرامجه، بما يعزز قدرته على صناعة حقائق المرحلة.

خامساً: إن كل ما سبق لن يستطيع اليسار تحقيقه بعيداً عن الخلاص من الفقر المعرفي، الذي أصاب هيئاته وتشكيلاته المختلفة، والذي أصبح يمثل عائقاً أساسياً وحقيقياً أمام تقدم عملية الإنتاج والإبداع في مختلف المجالات السياسية والكفاحية والاجتماعية، ويعيد عجلة الإنتاج الثقافي والفكري القادر على إظهار هذه الإبداعات، والحد من ركام الأفعال وردود الأفعال غير المقيدة بأي أصول أو ضوابط منهجية تمكّن هذه الأفعال من تحقيق الجدوى السياسية والاجتماعية والكفاحية المتوخاة منها.

أخيراَ، إن ما جاء في هذا المقال اجتهاد شخصي لنتائج كثيرة وصلت لها تجربة ممتدة لأكثر من عقدين. وان كاتب هذه السطور اذ يكرس تناوله لليسار فذلك لاعتبار وجوده في هذا التيار الذي يفترض ان لديه القدرة اكثر من غيره على ان يلتقط اللحظة التاريخية وينحاز للجماهير فعلا لا شعارا.
وان هذا التركيز على اليسار لا يعفي بقية القوى السياسية الفلسطينية من جريمة غيابها ومراوحتها لمكانها واصرارها على قيادة جيل الثائرين بعقلية المهزومين ، متناسية ان هذا لم يعد ممكنا.
 وعليه فإنني أدعو اليسار بما هو عليه من بنية تنظيمية وارث تاريخي لرفع يده عن قطاع الشباب المنتفض، وتسخير كل إمكاناته وطاقاته خدمة له في ميادين الاشتباك المختلفة، ووضع قياداته في خدمة هذا الشباب الثائر، بعيداً عن عكس الازمات الفكرية والثقافية التي تعصف باجسام اليسار ، وتلوثها ببرامج السلطة الانهزامية ذات السقف الهابط، ولتطلق يد الشباب بالميدان بعيدا عن الوصاية والتقييد السياسي، او مقولات التنظير الفكري التي يتخذها البعض حصنا له في وجه العمل الحقيقي.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

محمود الراس

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر