Menu
حضارة

أسئلة الجدوى وإجابة السياق

المواجهات كبوتقة صهر للهوية الجمعية الفلسطينية

سميرة دحلان

هذه هي القاعدة الآن: يتطاير، على نقاط الاشتباك، الرصاص والغاز والبنزين المشتعل.. وبعد الانتهاء، وأمام نشرات الأخبار تتطاير الأسئلة المستنكرة حول جدوى التظاهرات الشعبية على مداخل المناطق: لماذا هذا الانتحار أمام القناصة؟ لماذا هذا "الرقص العبثي أمام المحسوم"؟

نبتدئ من حيث ينبغي:التساؤلات كلها مشروعة. وينبغي لنا أن نعيد تقييم خطواتنا دائما، نتقدم أو نتأخر وفقا لمقتضيات إنجاح المهمة التي تبدو مركزية الآن أكثر من ذي قبل، تبدو أكثر تحديا وثورية أمام عنجهية  وصلف وتصعيد دولة الاحتلال  وأدواتها من عصابات مستوطنين وجنود: مهمة إدامة الانتفاضة.

انطلاقا من مقولة "إن الشعوب  التي تكتفي بأنصاف ثورات إنما تحفر قبرها بأيديها". معظم من يرفعون أشكال هذا السؤال، سالف الذكر، في فضائنا هم قلقون حقّا. علينا جميعا مراجعة وتقييم جدوى المظاهر الانتفاضية دائما.

أمام سؤال اللحظة، قد يبدو من العبث بمكان تفسير جدوى هذا الاندفاع الشعبي (والذي سمّاه البعض انتحاريا) إلى الحواجز ونقاط الاشتباك. إن في غزة أو في الضفة. فالأذى الذي يمكن لعبوة مولتوف أو حجر تحقيقه في فضاء مفتوح أمام عيون القناصة يبدو ضئيلا وهامشيا مقارنة بالأضرار التي يتسبب فيها الرصاص. يبدو الشباب والصبايا الملثمون أهدافا متحركة لجنود مدربين (أو يتدربون على أجسادنا). ولا يفت ذلك من عضد الأذرع التي تطوح بالمقاليع تجاه بيت إيل وقبة راحيل وجسر الطيبة، ومفرق البيغ في الناصرة، وجسر الزرقاء وطمرة الجليل وباب الزاوية وقرب خضوري وشرق جباليا وفي باقي نقاط الاعتراك اليومي في فلسطين الكاملة.

سيصاب بخيبة أمل من يطمح إلى تحرير فلسطين من نقاط الاشتباك محدودة الأثر، ماديّا على الاحتلال. لكن، ولكي نتمكن من رؤية الغابة علينا الابتعاد عن جذع الشجرة قليلا : هذه الانتفاضة تتركب اليوم، في الأساس من عمليات فردية  على امتداد فلسطين التاريخية. وما يصل هذه النقاط المتباعدة ببعضها.. الذي يحوّل هذه النقاط المتباعدة فعلا إلى مركّب من مركبات إنتفاضة شاملة  هو السياق.. هو "رقصة المحسوم" اليومية هذه أمام الرصاص.. هو الانتفاض اليومي والدائم، هو تحويل الأجندة اليومية  للأرض المحتلة، من الجليل وحتى النقب، من دراسة وعمل ومشاغل يومية ومقاومة اعتداءات محدودة في الجغرافية إلى انتفاض وانتفاض. وإن بدى هذا المشهد الانتفاضي عبثيا للبعض، لحظيا..  فإنه يشكّل نقضا تامّا لعمليات "إدارة الأزمة" والاسترزاق منها.

لقد أنجزت هذه الاشتباكات التي تبدو عبثية توحيدا مهما للبرامج الفرعية لقطاعات هذه الجماهير في شتى أماكن تواجدها. هذا الدم العالي الذي يسكب على المداخل يبدو ضروريا لإعادة تركيب وتوحيد الهوية الفلسطينية الجامعة. في مواجهة عمليات إدارة الأزمة.

تسعى عقلية "إدارة الأزمة في فلسطين" (نترفع هنا عن تسميتها "عملية التسوية السياسية" لأن لا أفق لتسوية سياسية ضمن برنامج الدولتين الأميركي بل هو إعادة لإنتاج ذات الأزمة مرارا وتكرارا) إلى إعادة تعريف أولويات الجماهير.. وقبلذاك: إلى تحويل "الجماهير" (بصفتها جماعة بشرية تنتظم وراء مطلب سياسي/ اجتماعي/ ثوري واضح)، إلى مجرد جماعة بشرية تنتظر المعونات، والإفراج عن الرواتب، وتدور في حلقة استهلاك الشعارات، والإعلانات الملونة التي تنصبها شركات الإعلان عن أطفال سعيدين وعائلات مفعمة بالفرح فوق أسطحة المخيمات، وقروض التمليك، وآثار ارتفاع أسعار البنزين والقمح والكرامة.  وتتم إعادة تعريف أولويات الجماهير عبر إفقارها، عبر ربطها في وسط فلسطين بنمط إنتاج استهلاكي وغير قادر لا على الانتاج ولا على الصمود.. وفاقد تماما لسمات التنمية. ومرتبط باتفاقيات باريس الاقتصادية وبالاقتصاد الصهيوني حصرا. أما في غزّة، فالحصار يطال كل شيء، من الإبرة حتى الإسمنت والعوارض الخشبية. وفي النقب والجليل والمثلث يتم ربط اقتصاد القرى والبلدات بعجلة التروستات الاحتكارية الاسرائيلية، وتقمع أية محاولات لتنمية مجتمع عصامي وقادر على الصمود.

هذه عملية "حيونة" يراد لها أن تنجح في فلسطين. تحويل أهالي الشهداء والأسرى، وجموع اللاجئين عن أحلامهم وحقوقهم في التحرر إلى مجرد وجود بيولوجي خاضع تماما للقطّارة الأميركية. ومنتهك تماما من قبل اليو إس إيد وأيتامها.

 إن صفاء رؤية الجماهير، المعلم الحقيقي والدائم  بتعبير الكاتب الشهيد غسان كنفاني ، يشير الآن إلى نقاط الاشتباك كلّها، وإن مرحليا ربما، باعتبارها كور الصهر الحقيقي للهوية الفلسطينية الجامعة، باعتبارها السياق المفقود الذي يسبغ على البطولات الفردية معناها واتجاهها. ويحيل هذا كلّه إلى اندفاع نحو الحواجز وأبراج القنص  وتصدي للسلاح الناري باللحم الحي. اندفاع نحو الانتفاضة.الانتفاضة المستمرة والشاملة والقاهرة، ولو استخدمت إسرائيل كل مطّاطها ومستعربيها وترسانتها.