Menu
حضارة

كفاح دام في مواجهة الخرافة

استعمار الخليل

أحمد مصطفى جابر

استعمار الخليل

للخليل قصة دامية مع الاستيطان، ولها كذلك سجل كفاح مشرف، وقد بلغ عدد معتقليها في الانتفاضة الحالية 163 معتقلا وهم يزيدون، ويواجه شبابها عمليات قتل يومي بدم بارد من الاحتلال، وخرجت منها 11 عملية طعن فدائية منذ بداية أكتوبر.

تعتبر محافظة الخليل الأكبر بين محافظات الضفة، سواء من حيث المساحة أو عدد السكان حيث تبلغ مساحتها اليوم 1060 كم2، بينما كانت حتى عام 1948 تعادل 2076 كم2 حيث خسرت 51% من مساحتها إثر النكبة. ويبلغ عدد السكان 497206 نسمة حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء عام 2004، وتبلغ كثافة السكان 452 نسمة/كم2.

لم يكن لليهود أي أثر يذكر في الحياة الاجتماعية الاقتصادية عبر تاريخها حيث بلغ عددهم سنة 1881 ما بين 1000-1200 نسمة، وكانت الطائفة مندمجة اندماجاً كاملاً في المجتمع الخليلي واستمر هذا حتى عام 1929 عندما اتخذ يهود الخليل وبفعل النشاط الصهيوني موقفاً مناصراً للحركة الصهيونية، تصاعد التوتر حتى أحداث البراق عندما وقعت مصادمات عنيفة بين الطرفين قتل خلالها 67 يهودياً، وتشير الكثير من الابحاث أن تلك الأحداث وقعت بتخطيط وتآمر كامل من الحاكم العسكري البريطاني، على عكس جميع الادعاءات الصهيونية، حيث كان ما أشعل الاضطراب فعليا هو اخفاء بعض اليهود لجماعة مسلحة من الهاغاناة جاءت لارتكاب جريمة في الخليل، بعدها قامت حكومة الانتداب البريطاني بترحيل اليهود من الخليل إلى القدس ، ولم تزد أملاكهم في الخليل في ذلك الوقت عن 0.08 % من أرض المدينة وريفها، وكان عددهم 135 نسمة وتبلغ التجمعات السكانية العربية 138 تجمعاً  ومساحتها 79.8 كم2 شمل 7.5 % من المساحة الكلية للمحافظة.

 

أيديولوجيا الاستيطان بين الثأر والخرافة

اجتمعت ركيزتان أساسيتان في النشاط الاستيطاني الصهيوني في الخليل، الركيزة الأولى: هي رغبة اليمين الصهيوني المتطرف بالثأر لأحداث 1929، والركيزة الثانية هي الخرافة التوراتية التي تزعم أن اليهود هم الورثة الشرعيين لإبراهيم الخليل الذي تزعم المدونات  التوراتية أنه امتلك المدينة بعد أن خدع  فرعون مصر فأعطاها له، وهكذا سعى اليهود منذ البدء للسيطرة على الحرم الإبراهيمي وتهويد المدينة بدءاً بتحويل الحرم إلى معبد يهودي.

وقد بدأت الخطوات الاستعمارية ووضع اليد نحو تهويد الخليل بعد احتلالها مباشرة عام 1967 حيث تنكر أعضاء حركة غوش أيونيم بزعامة الإرهابي موشيه لفنغر بشخصيات سياح سويسريين ونزلوا في فندق النهر الخالد، وبمجرد دخولهم الفندق أعلنوا الاستيلاء عليه، وأنهم لن يغادروه إلا إذا وافقت الحكومة على منحهم الحق في الاستيطان، و بعد أربعين يوماً  منحتهم الحكومة العسكرية المحتلة شرعية التواجد، وبعدها حاولوا الخروج من تحت عباءة الحكومة العسكرية وطلبوا إقامة فعاليات تجارية خاصة في منطقة الحرم حيث توجد مغارة المكفيلا، فأقاموا مطعم (كاشيد) وحوانيت تجارية أصبحت محط قدم لزرع بؤر استيطانية 0حول الحرم.

وفي عام 1968 أقرت الحكومة إقامة مدرسة يهودية لاستقطاب وجلب دعاة التهويد وتوّج هذا في أيلول 1968 إثر إقامة كنيس مقابل المسجد الإبراهيمي الذي يعتبر أول خطوة لخلق أمر واقع جغرافي يهودي.

تلا ذلك عام 1970 إقامة مستعمرة كريات أربع، ثم تلتها خطوات أخرى شملت الاستيلاء على بعض الأبنية داخل المدينة وتحويلها إلى أحياء يسكنها اليهود.

الخطوة الكبرى الأخرى حدثت في ربيع 1979 عندما احتلت مجموعة من النساء اليهوديات مبنى الدبويا (المقر السابق للحاكم العسكري البريطاني)  في قلب المدينة وطرد العرب منها، هذا المبنى أصبح أهم البؤر الاستيطانية وقد أقيمت حولها بنايات ضخمة ومحصنة، ثم تم الاستيلاء على منطقة الكراجات لاستخدام الجيش والأمن. وفي 9/8/1984 صادق وزير الدفاع على إقامة بؤرة استيطانية في تل الرميدة (رامات شاي) وفيها أكثر من 15 عائلة يهودية في قلب حي فلسطيني وهي عائلات متطرفة تنتمي إلى حركة كاخ، تلا ذلك عام 1985 الاستيلاء على مدرسة أسامة بن منقذ وأصبحت فيها بؤرة استيطانية (بيت رومانو)، وفي نفس العام أقام المستوطنون بناية ضخمة في منطقة سوق الخضار بجانب بناية الأوقاف الإسلامية بدعوى وجود كنيس يهودي قديم في ذلك الموقع.

وكان عام 1982 قد أصبحت مستعمرة (جفعات خارصينا) على الحدود الشرقية الشمالية لمدينة الخليل، ثم مستوطنة بيت حاجاي على الحدود الجنوبية 1984، ثم بؤرة عسكرية سميت (عاز) للربط بين بيت حاجاي وكريات أربع، وفي 5/6/1996 تمت السيطرة على منطقة قنطرة الحمام حيث أصبحت بؤرة استيطانية جديدة.

وحالياً تشغل المستعمرات 5.3 % من مساحة الخليل ما يعادل 0.5 % من المساحة الإجمالية للمحافظة وتتوزع المستعمرات في ثلاثة خطوط متوازية تقريباً مع ما يشبه الحزام في المنطقة الجنوبية الحدودية للمحافظة.

وتوجد 25 مستعمرة دائمة (قانونية بالمصطلح الصهيوني) و15 عشوائية أقيمت 1996 إثر دعوة شارون لتوسيع الاستيطان وتشكيل حركة فتيان التلال الاستعمارية، ويبلغ عدد المستعمرين 12000 مستعمر وتعتبر كريات أربع أكبر المستعمرات وتبلغ مساحتها 604.375 دونمات وعدد سكانها 6400 مستوطن.

 

جيرة السوء

كان المستوطنون على الدوام هم الجار الأسوأ لأهالي لخليل، حيث تواصلت عمليات الإرهاب الصهيوني والتخريب والتضييق على المواطنين.

وكانت أولى المجازر قد استهدفت طلاب جامعة الخليل عام 1983، عندما قام ثلاثة مستوطنين بالهجوم على حرم الجامعة بالأسلحة الرشاشة واستشهد أربعة طلاب وحكمت المحكمة العليا على الإرهابيين بغرامة مالية قدرها أغورة واحدة‍.

وعام 1984 قام المستوطنون بتسميم مياه الشرب مما أدى إلى وقوع عشرات الإصابات، خاصة بين ألأطفال.

وخلال فترات متعاقبة وضع المستوطنون عبوات ناسفة على مداخل المدارس العربية والمساجد الأثرية التاريخية في المدينة، مثل مسجد الشيخ علي البكاء ومسجد القزازين في محاولة لارتكاب مجازر وقد اكتشف العرب معظم العبوات قبل تفجيرها لحسن الحظ، وإلا كانت أوقعت مئات الضحايا.

أفظع المجازر كانت مجزرة الحرم عام 1994 عندما فتح المجرم باروخ غولدشتاين النار على المصلين أثناء صلاة الفجر وذهب ضحية الجريمة 30 شهيداً وكان من الممكن أن يكون الرقم أكبر بكثير لو لم يتصد مواطنون للمجرم المهاجم وقتلوه.

 

تحطيم الوحدة الجغرافية وقتل الحياة

تقطع الطرق الالتفافية التي تم انشاؤها بعد أوسلو ويبلغ طولها 117.1 كم المحافظة إلى ثلاث كتل رئيسية، مع إمكان اقتطاع كتلة رابعة في حال وصل الطريق الالتفافي   بالخط 60.

وبالأخذ بعين الاعتبار أن الطريق الالتفافي يؤدي إلى حرمان أصحاب الأراضي من البنيان على مساحة 150 م من جانبي الطريق فإن المساحة المسيطر عليها تبلغ 34.4 كم2 ما يعادل 3 % من المساحة الإجمالية للمحافظة.

أما جدار الفصل العنصري فسيعزل 414.5 ألف دونم من أراضي الخليل (40%) منها حوالي 92.5 ألف دونم غرب الجدار الغربي للمحافظة وحوالي 322 ألف دونم شرق الجدار الشرقي. وبموجب المخطط فإن البلدة القديمة إضافة إلى 71 تجمعاً ستكون مستهدفة بتدابير العزل وبمزيد من عمليات التوسع الاستعمارية وسيتوغل الجدار في قلب المدينة ليضم معظم البلدة القديمة حيث تقع 4 مواقع استيطانية. وسيعزل الجدار سبع تجمعات شرق بلدة يطا بالإضافة إلى بدو الرماضين والفريجات جنوب الظاهرية وتجمعات أخرى.

وهكذا يكون المجموع 29 تجمعاً عدد سكانها 5354 نسمة، حوالي 10.7 % من السكان إضافة إلى 43 تجمعاً منعزلاً عن أراضيها وعدد سكانها 300640 نسمة أي 60 % من سكان المحافظة، وهكذا فإن 70.7 % من سكان المحافظة سيتضررون من الجدار الذي سيضم 17 مستعمرة ونقطة استيطانية.

وفي حال تنفيذ الخريطة المعلنة، فإن الجدار سيحيط بالمحافظة من الجهات الأربع بعد مصادرة أكثر من نصف أراضيها مما يعني خلق كانتون مغلق كما هو الحال في معظم محافظات الوطن الهدف منه عزل المحافظات عن بعضها ومنع حرية الحركة والتنقل وشل التطور الطبيعي.

وسيكون المخرج الوحيد إلى باقي المحافظات عبر ممر ضيق يعبر بلدة حلحول وصولاً إلى البوابة الجديدة الوحيدة المقامة على شارع 60 الاستعماري، وبعد عبور البوابة إذا كانت مفتوحة سيكون المواطنون أمام خيارين: إما التوجه إلى شارع 60 عبر الحاجز العسكري الدائم على مفرق كفار عتصيون ركوباً في الباصات العامة، حيث لا يسمح الجنود للسيارات الخاصة بالمرور إلا بعد الحصول على ترخيص يعتبر الحصول عليه ضرباً من المستحيل. وعلى الحاجز يمر المواطنون بمرحلة تفتيش طويل تنتهي بإعادة الشباب ومنعهم من العبور، الخيار الثاني التوجه عبر سعير مروراً بالطريق الذي يعبر وادي سعير ثم تفوح وصولاً إلى الحاجز العسكري على مداخل قرية زعترة جنوباً (حاجز الفرديس) حيث هناك سيناريو التفتيش العقابي ذاته، وهذه المرحلة هي ضعف المسافة اللازمة للمرور عبر خط 60.

ورغم هذه المعاناة، فإن خارطة الجدار تغلق وادي سعير بفعل المسار المتوقع حول مستعمرة اسفر (متساد شمعون) شرق سعير، عند ذلك لن يكون أمام الفلسطينيين سوى المرور عبر سعير ثم خربة كوازيبا مروراً ببيت فجار وتفوح وصولاً إلى الحاجز نفسه (الفرديس) وهذا المسار من الطريق ضيق ومحفر ومعظمه ترابي لا يسمح بحركة سير سهلة.

وهكذا فإن حال الخليل في مواجهة الجدار هو حال فلسطين المحتلة المنكوبة، حيث سيحطم الجدار الوحدة الجغرافية للمدينة ويزيد من معاناة أهلها الصامدين.