Menu
حضارة

بلير.. إذ "يعتذر" !!

هاني حبيب

رئيس-الوزراء-البريطاني-السابق-توني-بلير

بعد 12 عاماً، يتقدم رئيس الحكومة البريطانية الاسبق توني بلير باعتذار، وشبهة اعتذار، عن خطأ شارك في ارتكابه بغزو العراق، خطأ وصل إلى حد الجريمة، بل إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ من الأصح الإشارة إلى نتائج هذا الغزو الدولي للعراق، بأنه هو الذي أدى إلى كل ما تشهده الساحة العربية من تحولات، تضمنتها جرائم حرب ما تزال سارية الفعل على هذه الساحة التي باتت أكثر استبعاداً عن أي استقرار.

لم يعتذر بلير كما خيل لهمـ بل إنه برر جريمته بأخطاء تتعلق بالمعلومات الأمنية الاستخبارية، لم يتعذر بلير، لأنه كمخادع كبير متمرس، يحاول استباق نتائج التحقيق بقراراته المتعلقة بالانطواء تحت الإرادة الأمريكية بشن حرب على العراق قبل 12 عاماً، يعتذر بلير عن سوء التخطيط وعدم القدرة على استنزاف مستقبل العراق بعد الغزو، وكأنه بذلك، يتهرب عن ذكر الأسباب الحقيقية وراء هذا الغزو.

التحقيق بقرارات بلير حول غزو العراق، قاربت على الانتهاء، بعد ستة سنوات من اضطرار الحكومات البريطانية على عقدها، في حين أن بعض المحللين في الصحافة البريطانية، يزامنون هذا الاعتذار مع قرب صدور مذكرات توني بلير، اعتذار دعائي أكثر من عودة عن خطأ أو جريمة، قبل عام، أشار عمدة لندن بوريس جونسون، إلى أن بلير مجرد رجل مجنون تماماً، غير أن الوقائع لا تشير إلى جنون هذا الرجل، بل تشير إلى أنه داهية كاذب ومخادع.

يقال أن توني بلير هو صاحب فكرة تشكيل اللجنة الرباعية، واقنع الادارة الأمريكية بذلك التي سرعان ما وافقت، وتشكلت بالفعل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، لكن تبين بعدها، أن وراء هذه الاقتراح خداعاً كبيراً، إذ يعتبر تشكيل اللجنة الرباعية، محاولة للالتفاف حول الأمم المتحدة وقراراتها بشأن القضية الفلسطينية، والشلل الذي أصاب اللجنة الرباعية بقيادة بلير، غير المفهوم والمبرر ورغم كل الأحداث الدموية والحروب التي شنتها إسرائيل، تؤكد أن اللجنة مجرد إلهاء عن الجوهر، أكثر منه محاولة لدور فاعل للوصول إلى حلول.

بالعودة إلى الوراء، فإن توني بلير هو الذي أسبغ على نفسه لقب المبعوث الخاص للجنة الرباعية، فور استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية عام 2007، وهكذا كان من دون أن يراجع أحداً هذه الصفة، إلاّ أن الأهم في هذا السياق، أن سبب تقدم بلير باقتراح فكرة اللجنة الرباعية، يعود حسب محللين بريطانيين إلى الالتفاف على ما يسمى بالمبادرة العربية التي تبنتها القمة العربية قبل عام واحد من الحرب على العراق، ويقال أن هناك مداولات قد جرت بين إسرائيل برئاسة شارون في ذلك الوقت، مع بلير وبوش لإحباط هذه المبادرة، وتشكيل اللجنة الرباعية هو الرد لإحباطها، لهذا تقدم بلير بالفكرة إلى البيت الابيض الذي تبناها، ومن هنا تقدم بلير باستقالته من رئاسة الحكومة البريطانية.

بلير المخادع والكاذب، يجد بعد تسلم نتنياهو الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، نموذجاً موازياً لأخلاقياته وافكاره، فالمبعوث للجنة الرباعية، التي تهدف إلى تحقيق السلام، سارع فور إعلان القيادة الفلسطينية توجهها للأمم المتحدة، لنيل الاعتراف ب فلسطين كدولة تحت الاحتلال، سارع ليعلن وحتى قبل اتخاذ اللجنة الرباعية قراراً بهذا الشأن، أن هذا التحرك الفلسطيني، تحركاً صدامياً يضع العراقيل أمام التوصل إلى حل وتسوية مع إسرائيل، وإذ أثار هذا التصريح القيادة الفلسطينية، إلاّ أنه لم يجد في الرباعية، من ينتقده، وكان توني بلير هو "البديل" عن كل اللجنة الرباعية، وحتى المواقف التي اخذتها بعض الأطراف، إما لتأييد الحراك الفلسطيني نحو الأمم المتحدة، أو تلك الدول التي تحفظت أو لم تتخذ موقفاً، كل ذلك كان بعيداً عن موقف محدد من الرباعية التي اعتبر بلير نفسه بديلاً عن اجتماعاتها وقراراتها.

في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، حاولت اللجنة الرباعية التدخل بالإعلان عن زيارة لها لإسرائيل والضفة الغربية، غير أن إشارة من نتنياهو، أوقفت هذه الزيارة التي أعلن عن تأجيلها من دون تحديد موعد لهذا التأجيل، وهو ما يؤكد من جديد الدور القذر والمخادع الذي يلعبه توني بلير، الذي يتحمل مسؤولية الجرائم التي ارتكبت وما تزال تُرتكب بحق الشعوب العربية، وخاصة الشعب الفلسطيني، ليس باعتباره فرداً، بل باعتباره ممثلاً لسياسة الخداع والنفاق التي تتبناها السياسات الاستعمارية الغربية.