Menu
حضارة

ذكريات "إيريك رولو".. "فى كواليس الشرق الأوسط

صورة تجمع ايريك رولو بياسر عرفات

حلمى شعراوي

ظننت  أنى سأنعم بقراءة كتاب عن ذكريات صحفى بارز " مثل إيريك رولو" ، يعرف العالم العربى فى رؤاه  الخارجية ، حتى تشمل علاقاته الأفريقية ، أو فى صراعاته التى لا تتوقف ، خاصة وأن الذكريات المشار إليها فى مطلع  كتاب  "  فى كواليس الشرق الأوسط (2015)  تبدأ من 1952وحتى عام 2012 ...ولكني وجدت عالما خاصا يحيط ب مصر وفلسطين ويحيطان به فى ظروف نعانى فيها ندرة النصوص المحترمة عن هذه الفترة فى العالم الشمالى خاصة .

 " وإيريك رولو" ( 1926- 2015 )  لم يكن بالشخص البسيط ، فى صلته بما يعلم ، فهو الصحفى والكاتب الديمقرطى الذى ظل العالم يتابع كتاباته بعناية على مدى أكثر من نصف قرن عبر صحيفة " لوموند " الفرنسية . وهو اليهودى المصرى  ( إيلى رافول ) الذى أبعد عن مصر منذ 1951 " كيهودى يسارى " ، لكنه يعود إلى القاهرة 1963بدعوة خاصة من " جمال عبد الناصر" تتم لأول مرة مع صحفى أوربى ليحمله رسالة إلى " الغرب " عامة ، وإلى " فرنسا ديجول " بوجه خاص ، بأن مصر التى تبنى نفسها بعلاقات متنوعة مع العالم الخارجى ، تعتبر العلاقات مع "الغرب " ليست مضادة بالضرورة لعلاقاتها مع "الشرق" فى ظل المشروع القائم عن عدم الانحياز...."

 كان عبد الناصر يجيد إقامة هذه العلاقات مع شخصيات صحفية وكتاب وأساتذة تذهب بأى  منها  إلى أهدافها البعيدة ، مثل علاقته مع " ديفيد هيرست" من "الجارديان " التى خصه خلالها بأهم الأخبار والمواقف ، ومثلها مع مفكرين مثل " شارل بتلهايم " و"رودونسون" ..الخ ممن كانوا  يشكلون أحد  مصادره فى التفكير ، ومعرفة العالم، وخاصة فى الغرب .

 كنا نحن الباحثين الشبان ، فى مواقع العمل السياسى  الرسمى نفهم الكثير من خلال هذه المقابلات عند نشر "المسموح" منها ، لذلك لم أدهش لقول السفير الجزائرى المعروف ، " الأخضر الابراهيمى " فى تقديمه للترجمة العربية لكتاب "إيريك رولو"  : بأنه يشكل للجيل العربى الناشئ مرجعا ثمينا ...

 ومن اقترب من "إيريك رولو" ولو اقترابا طفيفا مثلى ، يعرف قدر الرجل ، كما يقدر روحه العالية فى تفهم الواقع المأسوى  العربى أيضا، وكنت قد التقيته فى باريس مبكرا، فقادنى بلطف إلى أكبر محررى الشئون الأفريقية فى "لوموند"  وهو "فيليب ديكران" ، ثم التقيته بمودة خاصة فى القاهرة عام 2007 مدعوا من قبل مركزنا " للبحوث العربية والأفريقية " وعدد من المنظمات الأوربية منها " روزا لوكسمبورج" ، و"لوموند" نفسها التى جاء مدير تحريرها مع "إيريك رولو" ، وعدد من شخصيات اليسار الأوربى فى حوار مع شخوص اليسار العربى مما شكل لقاء  كبير الفائدة ، وشهد حوارا فكريا عالميا حول مشاكل العالمين ، وإن لم يشأ الرأى العام العربى أن يستفيد منه كثيرا حين صدرت نصوصه فى كتاب : " حوارات ساخنة (2008)

 فى هذه اللقاءات  يستطيع المرء أن يتفهم كيف يكون الأوربى موضوعيا ، والكاتب المخلص لمهنته مفيدا ، لو خلصت نيته ، وقد بدا لى "إيريك رولو" من هذا القبيل ، خاصة عندما يتأمل المرء تعبيره الصريح وليس مجرد أسرار "الكواليس" فى عالمنا العربى ومناوراته من جهة ، ويرى كل صباح ما يجرى للشعب الفلسطينى الذى طحنته الآلة الصهيونية ، فى أرضه وشبابه ومستقبل مشروعه الوطنى ...من جهة أخرى ، تحت نظر كل القوى العربية المتصارعة ...وللحق كانت رؤى "إيريك رولو" تنبئ بذلك مبكرا

 لقد رأى "إيريك رولو" منذ حضوره لمصر عام 2007  وحتى الآن أن الحديث بشأن فلسطين " لا يجرى إلا عن عملية الاستيطان ، وليس عملية السلام ..".لأن اسرائيل لم تٌرجع طوال عمرها أى متر واحد من المساحات التى احتلتها عسكريا فى فلسطين ..ولذا لا يجب أن يرتاح العرب لحديث الاشتراكيين الأوربيين  أنفسهم عن عملية السلام "...

 وفى حديثه عن تغلغل الأمريكيين والاسرائيليين فى العالم العربى ، إنما يرجعه فى أكثر من نص  إلى  انعدام تأثير العالم العربى وأوربا على الساحة الدولية " ، وتمتع الولايات المتحدة بآلاف القواعد العسكرية فى العالم وخاصة فى العالم العربى ، والغريب أنه فى ملاحظات أحدث يتكلم عن ضعف أوربا ..حيث لا تتمتع القضية الفلسطينية مثلا بأى تأثير لها ، بينما يدفع الأوربيون مليار يورو سنويا للفلسطينيين ! وهو يرى أن تاريخ التعاون العربى الاسرائيلى نفسه ليس حديثا ، لأن ثمة مساعدة متعددة الصور قدمتها الدولة العبرية للقبائل الملكية فى اليمن منذ عام 1962 فى خدمة مصالحها ومصالح الولايات المتحدة والسعودية ..."وينبه "إيريك رولو" إلى الخطورة المشتركة لقوة التيار الدينى والاسلام السياسى فى العالم العربى من جهة ، ونفس التيار الدينى المتطرف بين المستوطنين الاسرائيليين ذوى النفوذ فى اسرائيل من جهة أخرى ، مع شرح ذكى وعميق للفرق مع الإسلام أو الوجود الموضوعى للإسلاميين فى المجتمعات العربية والأوربية ...

 "إيريك رولو" عبْر أكثر من 350 صفحة ، يشبع القارئ بكثير من مفاجآته المعلوماتية التى لا يسمح المجال هنا لذكرها ، عن عبد الناصر ومن حوله ، وعن رعونة السادات وتهوره وشبقه بالعلاقة مع الولايات المتحدة واسرائيل ..! وهو لا يتحفظ عن ذكر مقابلة السادات  "السرية " لممثلى الولايات المتحدة ، فى جنازة عبد الناصر فيطلبهم لمقابلته طلبا لدعم الامريكيين له ، بينما الجثمان والضيوف فى انتظاره .

 وهو دائم التنبيه إلى ضعف المفاوض العربى حتى اتفاقية أوسلو التى اعتبرها عرفات – وفق نصه " نهاية فصل من الآلام والعذاب " ، بينما بدت "لرولو" بعد ست شهور أنها كانت   "محض رؤية ذهنية " ...وان شيئا لم يتغير على الأرض إن لم يكن ازداد سوءا!

 ورغم ذلك يذكر "رولو" أن عرفات مات بموافقة تليفونية من بوش لشارون ، " بسم لا يترك أثرا " ، "وفق تقرير طبيبه .

 وبعد أن يشرح حدود "السلام الاقتصادى" الذى تنشده السياسات الاسرائيلية لا أكثر وفق نظرة استيطانية تسيطر عليها  ، يقول فى النهاية أنه لم تتحقق  النبوءات العربية أو الاسرائيلية : فلم يبتلع العالم العربى اسرائيل ، ولم تشهد الدولة العبرية كوارث متصلة ...

 وحيث كنت أتصور أننى سأجد أيضا مفاجآت عن علاقة العرب بالعالم المتنوع وجدت فقط معارف كثيفة عن مصر واسرائيل والحركة الفلسطينية ، وقد روى  "الرفيق حواتمة " جزءا من هذه العلاقات فى مداخلته للندوة التى لم يحضرها فى الجامعة الأمريكية مؤخرا احتفاءا بالكتاب  .

 ورغم أن "رولو" أفصح  أيضا عن معارفه حول مقتل " لومومبا وزيارته للجنوب الأفريقى ،  فإنى بدوت أليفا بذلك بمالايدعو لعرضه هنا . ولكنى تأكدت فقط من موقف لرجل ديمقراطى أوربى عن أكثر المشاهد مأسوية على أرض القارة ، وإن كان "الوطن العربى " أصبح أكثر مشاهدة لمثل هذه الآلام .