Menu

عن المتصوّفِ صاحبِ الزاوية

الكاتب الراحل هاني حبيب

أسرة تحرير الهدف

في الذكرى الأربعين لوفاة الكاتب هاني حبيب تنشر بوابة الهدف الإخبارية هذا المقال وفاءً للرجل؛ لإخلاصه؛ لسيرته ومسيرته الوطنيّة والثفافيّة.

مفهومُ التصوّفِ قد يحيلُ قارئَهُ إلى المعنى أو المقصودِ الدينيّ منه، في حين أنّ المفهومَ هو أبعدُ وأشملُ من حصرِهِ في الزاوية الدينيّة، خاصّةً وأنّ دراساتٍ وكتاباتٍ عديدةً رصينةً أحالت ظهورَ التصوّفِ في الحالةِ العربيّةِ الإسلاميّة، إلى بداياتِ المعارضةِ السياسيّةِ لأنظمةِ الحكم، التي تحتَ وطأةِ القهرِ والتعذيبِ والقتل؛ تحوّلت أو اختفت تحت عباءةِ التصوّف الدينيّ، الذي بات في عرف البعض "الدَّرْوَشَة"؛ فنحن هنا، وفي هذهِ الزاويةِ التي كان صاحبُها أحدَ أئمةِ المتصوّفينَ في  انتمائِهِ لقضيّتِه، وحبِّهِ لشعبِه، ووفائِهِ لحزبِه، ولسانُ حالِهِ الهدفُ الذي صنع زاويتَه؛ ذات الأسلوبِ الجذّابِ والنهكةِ الخاصّةِ والمضمونِ المختلف، وهل ممكنٌ أن يقدّم ذلك إلا متصوّفٌ جعل من الكلمةِ سبيلًا للوصولِ إلى الهدف درجةَ الاتّحاد معه؛ فكان تصوّفُهُ مزيجًا من التميّزِ والاختلافِ والجرأةِ والحكمةِ والزهد، والغوص في أعماق الفكرة/الكلمة، التي كان يقدّمُها بحبٍّ وشغفٍ إلى قرّاءِ الزاوية، وكأنّه يهربُ بهم إلى أقاصي روح الفكرة/الكلمة، ويحلّقُ بها في أعالي القمم، في مواجهةِ حالةِ الابتذال الفكريّ والسياسيّ القائمة، في دروبِ شعبٍ وأمّة، سُلّط عليها "نظامُ التفاهة"، بما هو أكثرُ ممّا جاء في كتابِ الفيلسوفِ الكندي آلان دونو.

لقد رحلَ صاحبُ الزاويةِ هاني حبيب أو نبيل شنينو أو هاني النبيل؛ فأئمةُ المتصوّفين يُطلق عليهم مريدوهم من الأسماءِ والألقابِ ما يليقُ بهم، وهذا حالُ "أبو شادي" في تميّزه وتفرّده، حيث ترك لنا حيرة مَن قد يملأ الزاوية من بعده أو أن يصبحَ إمامًا بمعنى أدقّ، وهو الذي كان يفاجئنا بمضمونِ موضوعِهِ في كلّ مرّة؛ بحيث يصعبُ على أحدنا، نحن العاملين في "الهدف" - ونرى أنفسنا قريبين من تفكيره - التكهّنُ بما سيكون موضوع زاويته، فيضعنا في رحلةٍ مختلفةٍ معَه، وهذا هو عشقُ الكلمة المختلفة والهادفة والمثمرة، فهي صلةُ الوصل بين المتصوّف ومريديه، وهي ذلك السموّ الذي يرتفعُ بالإنسان حتّى يبلغَ درجةَ التوحّد معها، ويتشبّه بها ويصبحُ هو شيءٌ منها وهي شيءٌ منه، وكأنّه كان يتمثّل قول جلال الدين الرومي: "مَنْ لا يركضْ إلى فتنةِ العشقِ يمشِ طريقًا لا شيءَ فيهِ حيّ".

نذكر، ونحنُ نناقشُ إعادةَ مجلّةِ الهدفِ إلى الحياة، في مطلع عام 2019، وبعد أن غابت لأكثرَ من سبعِ سنوات، وكنّا نقفُ بين مندفعٍ للفكرة وبين متحفّظ؛ بسببِ قلّةِ الموارد والإمكانات وطاقم العمل، من جانب، ومن جوانب أخرى؛ بسبب الانحكام إلى التجارب الماضية، ومدى قدرتنا على استقطاب كتّاب؛ تطوعًا، وإمكانيّة ضمان استمراريّة الصدور... وفي إحدى المناقشات كان "صاحب الزاوية" حاضرًا، وما أن طرحنا الفكرة مجدّدًا، حتى رأيناه مُستحسِنًا ومُشجّعًا وداعمًا لها؛ دون كثيرٍ من الجدل أو التهيّب، وهذا ما كان؛ حيث صدر العددُ الأوّلُ رقميًّا في آذار 2019، وما أن صدر العددُ الخامس؛ جاءنا قائلًا: لقد أعدتم ليَّ الروح، فهو المتصوّف حدَّ التوحّد مع "الهدف"، الذي التحق بمدرستها بعد استشهاد مؤسّسها: غسان كنفاني ؛ بأشهرٍ معدودة، وبقي منصهرًا بها، حتى صدور العدد (36) رقميًّا (1510) بالتسلسل التاريخي، حيث كتب مادّته الأخيرة، وأصيب بالجلطة الأولى وهو يختمُ بها، وتزامن صدورُ العددِ مع الجلطة الثانية، ورحيله المفجع مساء اليوم ذاته... وكأنّ "صاحب الزاوية"؛ قرّر الرحيل وهو متوحّدٌ مع هدفِهِ في أعلى درجات الوجد الصوفيّ... "الهدف" التي عمل على أن تستمر مجلّةً عربيّةً قوميّةً تقدّميّةً يساريّة؛ جسّدته منذ انطلاقتها الأولى، وكذلك بعد إعادتها للحياة، إلى جانب انتظام الصدور في موعدها المقرر شهريًا، واستقطابها كتّابًا من مختلف البلدان العربيّة وغير العربيّة، من المغرب إلى البحرين، ومن أمريكا اللاتينيّة إلى الاتّحاد الروسي، وقدرتها على التواصل مع رعيلٍ من الكُتَّاب والمفكّرين الذين التحقوا في مدرستها منذ تأسيسها؛ فاطمئنْ يا "صاحبَ الزاوية"، فالهدفُ ستستمرُّ معَك: على عهد الوفاء.