Menu

عصفورتي

ثائر أبو عياش

بوابة الهدف الإخبارية

صباحاً، وكالعادة كل يوم تنهض من فراشها الساخن بالأحلام المستقبلية، تمد يداها وتتثاءب، تفتح عيناها عشقاً لرؤية كوب القهوة الأسمر، تضع الوعاء على الغاز وتتوجه مباشرة إلى شرفة المنزل قبل الذهاب إلى المرحاض، تقف مقابل القفص وتشعر بالغبطة أن عصفورين صغيرين قادرين على الحصول على حضن صغير وقبلة لطيفة أمام الجميع وهي عاجزة عن رؤية حبيبها وأن تقول له: أحبك.

تفتح كيس الطعام وتضع الحبوب بين يديها وتنفخ عليهم حتى يتطاير القشر الذي ربما يعلق في حنجرة العصفور، وتزودهم بالماء، وتقول لهم: صباحاً سعيداً وتقبل القفص، تعود إلى البيت ترتشف القهوة وتعاتب الشمس التي لا تستطيع الجلوس فيها بسبب الذهاب إلى العمل، وتبدأ بتجهيز يومها لتنطلق في خضم صراع الحياة.

هذا يومها بشكل عادي على الرغم من حصول بعض الاضافات هنا وهناك، مثل أن ترفع سماعة الهاتف وتقول لحبيبها: اشتقت لك دعنا اليوم نتحدث اشتقت لصوتك، أو ربما تصنع كوب من النعناع وتجلس مقابل التلفاز تشاهد فلماً لا تحفظ أحداثه لكثرة تفكيرها في لون كنزة حبيبها وتقول لنفسها: كان جميلاً بهذه الكنزة، أغار عليه أود لو أستطيع قتل جميع الفتيات هو ملكي أنا.

تعشق العصفورة كثيراً تشعر أنها تشببها تقول دائماً عنها: أنها قوية ويجب أن تبقى كذلك، وتبدأ بالضحك عندما تتحدث لحبيبها عن العصفور الذكر الذي طار من القفص بعد يومين من تعليق القفص على الشرفة، وتقول لعشيقها وعيناها مليئتان بالابتسامة: قوية هذه العصفورة عندما جئت لي بالعصفور الثاني بعد دقيقة قامت باحتضانه وتقبيله، هي لا تستطيع العيش بدون عشيق: إنها ملعونة هذه العصفورة.

يصمت عشيقها والابتسامة مرسومة على تفاصيل وجهه ويبدأ معها نقاش ساخر مليء بالحكمة ويقول لها:

_ربما العصفور الأول قد هجر القفص من معاملتها.

تبتسم هي كعادتها لأنها تؤمن أن عشيقها يقصدها هي لا العصفورة وتقول له:

_العصافير جميعهم هكذا ينتظرون أقرب فرصة ويهربون، لو كان يحبها انتظر وهربا سوياً.

يبحث عشيقها عن زاوية أخرى للنقاش ويقول لها:

_لا تقلقي سوف نأتي لها بعصفور جديد.

ترد عليه بكل حزم:

_نعم، من حقها أن يكون لديها عشيق، لأن الأول هرب وتركها وحيدة، وهي لا تستطيع أن تعيش بدون حنان، واهتمام، وأكثر هي تحتاج الأمان.

ينتهي النقاش عند هذا الحد ويبتسمان الأثنان، ويفهمان جيداً الرسالة، وينطلقان يتحادثان عن تفاصيل لقائهم القادم لأن هناك صعوبة في الحصول على لقاء بسبب ظروف الحياة التي تمنعهم من اللقاء كثيراً، ويفترقان كعادتهم مع لمسة من الحزن، وكثيراً من اللهفة لأنهم يفهمان أن في اللقاء سوف يدخلان القفص وهناك يبحثان عن إياديهم التي تلتقي، وعيونهم التي تتغازل، وقبلاتهم التي لا تتوقف، وأخيراً يكون حضن مليء بالدموع المخنوقة حتى يأتي اللقاء الجديد.

كل ليلة تحتضن دميتها الصغيرة، ومسبحتها المتناثر عليها عطر حبيبها وتغفو، وتتذكر كل ليله ما حدث عندما أقتحم الجيش بيتهم لاعتقال شقيقها ولم تبالي بشيء سوى أن تذهب إلى فراشها وتبحث عن المسبحة حتى لا تضيع بسبب تفتيش الجنود، وتنهض صباحاً تحمد الله أن المسبحة ما زالت بين يديها لأن ذلك يشعرها أن قلبها ما زال قابض على الحب، وتبتسم لأن صوت العصافير يملأ البيت، لأنها مع ذاتها تدرك أن هذه لفتة جميلة أن يأتي لها حبيبها بقفص بداخله عصفورين.

عشيقها يعشق لون بشترها الأسود، ويحب أنفها الذي يشبه خاتم سليمان، ويشعر بالبهجة عندما يلامس شعرها الذي يشبه ستائر الحرير، ويؤمن أن عيناها مثل حبات اللؤلؤ في عقد معلق على صدر امرأة عجوز تعيد ترتيب مقتنيات بيتها القديمة، ويؤمن أن العصفورين جاء بهم ليقول لها: أحبك وأريد أن تكوني داخل قلبي الذي يشبه قفص، ولكنه قفص من الحب، كأنه يقول لها: تحرري من العالم وأدخلي إلى قلبي هناك تكمن الحرية المنشودة.

حدث ما لم يكن متوقع جاءت شقيقتها إليها وقالت لها: أنهضي يبدو أن العصفور الذكر قد حدث له مكروه، مثل المجنونة التي وصلها خبر موت طفلها شعرت في تلك اللحظة لقد شاهدت العصفور ميت داخل القفص، وتذكرت فجأة جارتها التي توفي ابنها في شجار عائلي، كان الحزن بمثابة طلقة أخيرة على الفكرة، ولذلك قررت أن تقول لعشيقها: لا أريد عصافير بعد اليوم قلبي لا يتحمل هذا المصاب مرة أخرى، سوف أقوم بإطلاق صراح العصفورة حتى لا تبقى وحدها.

وجد العشيق نفسه مرتبك عندما قالت له ذلك، حاول مراوغتها، وإقناعها أنه سوف يأتي لها بعصفور جديد، وقال لها محاولاً تهدئتها: وربما مات بسبب الجو البارد، وطوال اليوم كان يفكر كيف يمكن أن يحافظ على قلبها خوفاً من الحزن، وذهب إلى بائع العصافير ليأتي لها بعصفور جديد ويتأكد أن موت العصفور كان فعلاً بسبب البرد، ولكن ذلك لم يشفي الألم الذي بداخله، حاول أن يشغل باله في العمل ولكن لا فائدة من ذلك، عاد من العمل وجلس في فراشه وقبل أن يقول لها: تصبحين على خير، وجد نفسه يقول لها وقلبه كأنه يسبح فوق الغيوم: أنتِ عصفورتي.