Menu

الأزمةُ الأوكرانيّة: عوارضُ الهيمنة

عرفات الحاج

نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف الإلكترونية

بعدَ مضي أكثر من ٦٠ يومًا على بَدْءِ العمليّةِ العسكريّةِ الروسيّةِ في أوكرانيا، تبدو تداعياتها وقد تجاوزت الأطراف المتّصلة مباشرةً بالأزمة، وفي ميدانِ القتال تظهر مجريات المعركة تفاصيل الدور المركزيّ للولايات المتّحدة وحلفائها كطرفٍ قد استعدّ جيّدًا لهذه الحرب، وربّما يمكن القول إنّه استعدّ لها أكبر من روسيا التي يفترض أنّها بادرت لها بإعلان عمليّتها العسكريّة الخاصّة في أوكرانيا.

زيارةُ رئيس الوزراء البريطانيّ وزيارة وزير الخارجيّة الأمريكيّ أنتوني بلينكن ووزير الدفاع لويد اوستن، تبدو احتفالًا مبكّرًا من الغربيّين، بما ألحقوه بالروس، خصوصًا أنّها تأتي بعد انسحاب القوّات الروسيّة من محيط كييف وتراجعها لتركيز عمليّاتها في الشرق الأوكرانيّ المتاخم للحدود الروسيّة، ذلك بعد شهرين من القتال، تكبّدت فيها القوّاتُ الروسيّةُ خسائرَ كبيرة، حتى لو تجاوزنا الدعاية الأوكرانيّة والتضخيم الإعلاميّ لحجم هذه الخسائر.

واجهت القوّاتُ الروسيّةُ منذ بداية الحملة قوّاتٍ مدرّبةً جيّدًا على أعمال الإغارة والكمائن، حظيت بمساندةٍ استخباريّةٍ غربيّةٍ خلال مجريات القتال، واستفادت من تدفّقٍ هائلٍ لأسلحةٍ فعّالةٍ في هذا النوع من الحروب حتّى وإن كانت غيرَ ثقيلة، لم يعجز الجيشُ الروسيّ عن اجتياح المدن الأوكرانيّة تمامًا، لكنّه واجه صعوبةً بالغةً في ذلك، ودفع أثمانًا كبيرةً للتقدّم في كلّ بلدةٍ أو مدينةٍ أوكرانيّة، فالسنواتُ الثمانية السابقة على إعلان العمليّة العسكريّة الروسيّة لم يُمضِها الغربيّون وحلفاؤهم الأوكران في الهجوم على الدونباس فحسب، بل من الواضح أنّها كانت ورشةَ تدريبٍ مكثّفةً على كيفيّة مواجهة سيناريو الاجتياح الروسي للأراضي الأوكرانيّة.

حصارُ روسيا... وأوروبا أيضًا

لم تدخل الولاياتُ المتّحدةُ وحلفاؤها لأوكرانيا للخروج منها، هذهِ الرسالةُ الأساسيّةُ لزيارة وزيري الدفاع والخارجيّة الأمريكيين، وأنّ كييف عمليًّا خرجت من دائرة القتال، ولم تعد منطقةً مهدّدةً بالاجتياح بل عاصمة حليفة للولايات المتّحدة، تحظى بغطائها الأمنيّ والسياسيّ، وإلى حدٍّ ما غطاء عسكري، عبّرت عنه بدفقٍ جديدٍ من المساعدات العسكريّة وشحنات أسلحةٍ أحدث وأكثر فعالية من سابقاتها.

صحيحٌ أنّه لا وجود عسكري رسمي للأمريكيين على الأراضي الأوكرانيّة، ولكن ما واجهه الروس ليس أحد جيوش جمهوريّات الاتّحاد السوفياتي السابقة التي تعدّ قطعًا مفكّكةً وغيرَ مكتملةِ البِنية والتسليح، وما جرى في أوكرانيا لا يشبه ما جرى في جورجيا، وقد أظهرت الولايات المتّحدة، أنّ كلّ الأحاديث عن نيّتها بالانسحاب أو التراجع عن هيمنتها في القارّة الأوروبيّة، أو مناطق أخرى من العالم، يعبّر عن الأمنيات أكثر ممّا هو عن الوقائع، فعلى النقيض من هذه التنبّؤات والآمال، أظهرت الأزمة الأوكرانيّة استعداد الولايات المتّحدة لتجاوز قواعد كثيرة، والمضي إلى حافة الصدام الشامل مع دولةٍ نوويّة، في سبيل مسعاها لحسم ما قد يمكن الاصطلاح عليه ب"المسألة الروسيّة".

فلقد أبقت الحربُ الباردةُ روسيا حارسًا لرصيدٍ سوفياتي هائل، أبرز ما فيه ترسانةٌ نوويّةٌ قادرةٌ على تدمير الولايات المتّحدة، وبقيّة كوكب الأرض خلال دقائق، وجغرافيا واسعة النطاق تجعل هذه الترسانة آمنةً نسبيًّا في وجه أي محاولةٍ للهجوم، ومع ذلك فإنّ القدرات الروسيّة الفائقة نوويًّا، وموارد طبيعيّة حيويّة لأوروبا الحليف الحيوي بدوره للولايات المتّحدة، والمنافس الاقتصادي الساعي لقدر من الاستقلاليّة، وهو ما حاولت روسيا "في حقبة ما بعد يلتسين" استثماره تجاهَ إحياء دورها الدولي، والحفاظ على حصانة إقليمها وجوارها في وجه محاولات التوغّل الأمريكيّ.

من جانبها حرصت الولايات المتّحدة على تطويق روسيا، ومواصلة فرض نوعٍ من الحصار الأوروبيّ عليها، يمنع الدول الأوروبيّة من الاستفادة من موارد الطاقة الروسيّة، ويمنع الروس من الحصول على متنفس ومنفذ للاقتصاديّات الغربيّة وإمكانيّاتها المختلفة، خصوصًا المتعلّقة بالتكنولوجيا.

عسكريًّا، وبشكلٍ واضحٍ لم تخفِ الولايات المتّحدة نيّتها في حصار روسيا، بواسطة مشروع الدرع الصاروخي الذي يعني إفقاد روسيا قدرتها الردعيّة تجاه الولايات المتّحدة، وإبقاء وجودها مرهونًا بالمشيئة الأمريكيّة، وإحاطتها بطوقٍ معادٍ يمتدُّ عبرَ دولٍ كانت في يومٍ من الأيام جزءًا من الاتّحاد السوفياتي، بل ويشكّل الروس جزءًا من شعوبِ هذه الدول حتّى الآن.

مسارُ الاستقلاليّة الأوروبيّة النسبيّة تمَّ قطعُهُ، وأعادت الولايات المتّحدة الحكومات الأوروبيّة لحظيرة الطاعة، حيث ستقدّم الحكومات الأوروبيّة بلا استثناء المساهمات المالية المطلوبة لحلف الناتو، وترفع موازنتها الدفاعيّة، حسبما حدّدت الولايات المتّحدة مسبقًا، كما ستشكّل قوّةً عسكريّةً أوروبيّةً للتدخّل السريع، وبالأساس ستنخرط في الترتيبات لمحاصرة روسيا، بما يلحق أضرارًا جسيمةً بقدرة الدول الأوروبيّة على المنافسة الاقتصاديّة للولايات المتّحدة، بل ويضع دولةً مثل ألمانيا تصنّف كأكبر اقتصادٍ أوروبيٍّ تحت طائلة العجز في موازنتها والانكماش الاقتصاديّ والديون، في ظلّ الارتفاع المرتقب لفواتير الطاقة، وإذا ما استمرّت الحكومات الأوروبيّة في إذعانها لسلسلة الاملاءات الأمريكيّة، ستواجه أوروبا ما هو أقسى على الصعيد الاقتصادي.

في مآلاتِ الحرب:

الحكمُ بصحّةِ هذه الإيحاءات الغربيّة ما يزال مبكّرًا، فمن جانبٍ لم تضع الحرب أوزارها بعد، والروس قد يعودون لتوسيع خارطة عمليّتهم العسكريّة في أوكرانيا، والمؤكّد حتّى الآن أن الأوكران خسروا أكثر من أيّ طرفٍ آخر، فبلادهم تمضي نحو التقسيم بشكلٍ شبهِ حتميّ، حيث ستقع أهمّ مدنهم تحت السيطرة الروسيّة، وباستثناء كييف ولوفوف في الغرب، يبدو أنّ كلّ مدينةٍ أوكرانيّةٍ كبيرة ستكون تحت سيطرة الروس عاجلًا أم آجلًا. صحيح أنّ هذا لن يخدم روسيا كثيرًا طالما بقي جزءًا من الأراضي الأوكرانيّة، يشكل منصّةً للعداء الغربيّ على حدودها، لكنّه أيضًا يعني نهاية أوكرانيا كدولة، وتحوّل ما تبقى منها لمحميّةٍ يشرف عليها الناتو، خصوصًا بعد تشرّد ملايين من سكانها. 

من جانبٍ آخر أفصحت الحرب وتداعياتها المختلفة عن مساراتٍ لأزماتٍ مستقبليّةٍ ستواجه الولايات المتّحدة في هيمنتها على العالم، فمن جانبٍ باتت الصين أكثر توثبًا لمواجهة سيناريوهات الحصار والعدوان الأمريكي المحتملة، ومن جانب آخر تبدو روسيا أقرب من أيّ وقتٍ مضى للصين، بما سيمكن الأخيرة من الحصول على حليفٍ قويٍّ وموثوق، ومصدرٍ أساسيٍّ للطاقة التي يحتاجها النموّ الصيني، وحتّى في القارّة الأوروبيّة، تصنع العقوبات على روسيا أزمات خاصّة، سيتحمل ثقلها المواطن الأوروبيّ، على مستوياتٍ مختلفة، كما أنّ وقع هذه الأزمة على مستقبل إمدادات الطاقة والاستثمار فيها، وعلاقة الدول المنتجة لموارد الطاقة بتلك المستوردة تبدو ضبابيّةً وموضعًا لاختباراتٍ مختلفة.

قد لا تكون النبوءاتُ المتفائلةُ بسقوط الهيمنة الأمريكيّة صحيحة، خصوصًا تلك التي اعتبرت الأزمة الأوكرانيّة علامةً على هذا السقوط أو بدايةً له، ولكن هذه الأزمة رغم كونها بالأساس عارض ناتج عن التمدّد الأمريكي لا الانحسار، إلا أنّها تظهر أيضًا استعداد أطرافٍ مختلفةٍ في هذا العالم لدفع أثمانٍ باهظةٍ في مواجهة هذا التمدّد.

بالنسبةِ لروسيا التي رأت في هذه الحرب ضرورةً وجوديّة، فإنّ الأخطاءَ الكثيرة التي أحاطت بإدارة العمليّة العسكريّة، أو الخسائر ضمنها ليست سببًا للتراجع، خصوصًا أنّها دفعت بالفعل الثمن بتعرّضها لسيلٍ غيرِ مسبوقٍ من العقوبات.