Menu

ثقافةُ الصورةِ الشعريّة

علاء حمد كاتبٌ وشاعر/ العراق - نشر هذا المقال في العدد 37 من مجلة الهدف

نعدُّ قوّةَ القولِ بؤرةً أساسيّةً في تكوين جسدِ النصّ، ولا نستثني القوّةَ العليا للجسد، المتمثّلة بالعنونة، فهذهِ لها شأنُها الاستقلاليّ الخاصّ من ناحية الإشارة، ومن ناحية الدلالة... وطالما القول يمثّل الكلامَ الوجاهيّ للحدث الشّعريّ؛ فالحدثُ الشعريّ عبارةٌ عن صورةٍ مستقلّة، وهي حزمةٌ من الكلمات، وربّما من الجمل، والنزول إلى عبقريّةِ هذهِ الرزمة، نكون قد أعلنا التوافق والرفقة معها من خلال حركتين مهمّتين؛ حركة المتخيّل وحركة المحسوس، فنحن في مساحةٍ لغويّةٍ تحت الوعي، كما أكّد السرياليّون على ذلك.

هناك بعضُ الآراء تشيرُ إلى أنّ الصورةَ الشعريّةَ وسيلةٌ من وسائل التعبير؛ ونكون قد منحنا الصورةَ هيئةً محدّدةً تساعد على نمو القصيدة؛ وفي الوقت نفسه تخصّصت هذه الهيئة يقظةً ترافق حالتها، ومكوّنًا للصورة بأنّها حالةٌ اجتهاديّةٌ تؤدي إلى المعنى فقط، من خلال إيجاد وسيلةٍ تعبيريّة. فالتعبيرُ والتعبيرُ الفنّي يلازمان المعاني، ولكن جلّ ما يهمّنا في الموضوع ليس ارتباط الصّورة بالتعبير، إنّما دمجُ الصورة برؤية الواضع (الكاتب – الشاعر) لكي تتحوّل إلى رؤى فنيّةٍ قد لا تلتزم التعبير بقدر ما تلازم الإشارات التي تؤدّي إلى التأويل، وإذا طرقنا أبواب التعبير الواضح، فنحن في منطقةٍ تصويريّةٍ بسيطة، في حين لملمة الصورة واقتضابها واعتمادها التقليليّة والتقليليّة الزمنيّة، أي البعد الزمنيّ الذي يرافق الصّورة الشعريّة، سنكون عندها في مناطقَ تعدّديّةٍ لتغيير شكل المحتوى، والاعتماد على التكثيف، كما أكّد على ذلك جان كوهين: إنّ وظيفةَ الصورة هي التكثيف، فالشعريّةُ هي تكثيفيّةُ اللغة، والكلمة الشعريّة لا تغيّر محتوى المعنى بل تغيّر شكله. فيتبين لنا من ناحية المنظور الخارجي بأنّ الصورةَ الشعريّة شموليّةٌ، في حين من الناحية الوظيفيّة فهي تقليليّةٌ (تكثيفيّة)، حيث تكون قيمة الصورة ونوعيّتها من خلال القوّة المتضمّنة لفعل القول، فتتبلوّر اللغة بمركزيّة الصورة وحدّتها. ليست الفكرةُ وسيلةً خالصةً للانتماء إلى التصوير والصور الشعريّة، فهناك الالتقاطُ العفويّ والتلقائيّ، وهما يرافقان ثقافةَ الصورة، فقد منحنا للصورة الشعريّة ثقافتها الخاصة، التي لا تتلخّص ببعدٍ واحد، ولا تتكئ على فكرةٍ قد تكون مستهلكةً، وتميل لبعض العناصر المكرّرة، لذلك فعامل اللغة التجديدي يدفعنا للتجاوب مع منطق الصورة التجريدي؛ فيتكّون لدينا مساحة من المشهديّة، التي تحوي على بنى تصويريّةٍ تؤسّس لنا النصّ الشعريّ وتكون القوّة الدافعة، وخصوصًا إذا تسلّطت الصور الذهنيّة على المشهديّة المرسومة...

إنّ مناطقَ التصوير والتصوّرات والأحلام والاستعارة والتشبيه؛ ومناطق الخيال والتخييل والمتخيّل؛ ومناطق الأشياء المنظورة والأشياء غير المنظورة؛ ومناطق الممكنات التي تعوم قرب الذات؛ ومناطق الأبعاد القياسيّة غير المحدودة، ومناطق القيمة الذاتية، والعوالم التي تدور حولها؛ والمنطقة الذهنيّة. كلّها مساحاتٌ صالحةٌ للصور الشعريّة، وبعضها تؤدي إلى منظومةِ الدهشة؛ فعنصرُ الدهشة دائمًا يتحلّى بزاويةٍ حادة، وهي تلك الزاوية التي تؤدي إلى قشعريرة المتلقي، كنسمة بردٍ في الربيع والطقس يشيرُ إلى الدفء وشروق الشمس، في حين ينتابُ المرءُ حالةً فجائيّةً من البرد تؤدي إلى القشعريرة والرجفة، هكذا هو عنصرُ الدهشة دائمًا يحمل معه المفاجآت والعجائبيّة في اللغة التوظيفيّة.

ما يتضمّنه التعبير، يعكسه القول، لذلك؛ فهناك التأمّل القولي، الذي يظهر من خلال عنصر المتبيّن، فالمتبيّنات لا تظهر إلا من خلال علاقاتٍ قد أجراها فعل القول لكي يرسم علاقاته الفلسفيّة، فيجتاح الداخل المجهول، فتتبيّن العلاقة الدلاليّة مثلًا في الصورة الشعريّة، وكذلك تتبيّن حالات الدمج والارتباط من خلال اللغة المعتمدة في التصوير، وأهم شيءٍ يواجهنا نوعيّة اللغة؛ فاللغةُ الوصفيّةُ مثلًا لا نستطيع الاعتماد عليها، والسببُ واضحٌ جدًّا، وذلك أنّ المتلقي يحتاج إلى هزّةٍ بينيّةٍ توضّح له مآثر الحدث الشعري والتفكّر بمحتويات الصورة. فالمتبيّن يكون في حالةِ توظيفِ اللغة غير واضح، فله علاقةٌ هنا بالتأويل وقيمته قيمة رمزيّة أو قيمة خياليّة حادّة، حيث يكون المتلقّي بعالمٍ آخرَ يختلف عن عالمه المتواجد فيه. ومن خلال هذه العناصر والعلاقات الواضحة وغير الواضحة سأوجز بعض المتبيّنات المهمّة، التي لها الأثر الفعّال في مكوّنات التصوير الذهنيّ أو نقل التصاوير من خلال البصريّة، فنكون أمامَ قيمةٍ من المسافات وتقديرها، فالمتبيّن هنا علاقة بحدّ ذاته؛ متبيّنًا بصريًّا له اشتغالاته وإدراكاته في التصوير والحضور، وكذلك المتبيّن الذاتي وحركته نحو الاستعارات والفعل الرمزي، حيث إنّ العالم الذي يشغله، عالم من المتبينات العديدة.

حركةُ المتبيّن من خلال المساحة الصالحة للإدراك، حيث تكون الصورة الشعريّة قوّةً مخفيةً تتبيّن من خلال جسد النصّ حالةً مستقلّة، ونستطيع أن نطلق عليها (القصيدة القصيرة)، حالها حال الاستعارة من ناحية الفصل، حيث تكون القطعة المستعارة كالقصيدة القصيرة. فهنا يتحدّد لنا مبدأ الاستعارة، وتكون استعارة مكانيّة ملكًا للنصّ من الداخل، فالنصّ يحوي على فراغاتٍ مكانيّةٍ من الممكن الالتجاء إليها من خلال الفعل القصدي للاستعارة؛ لكي يشغل الكاتب تلك العلاقة بين المكان النصّي والمكان الخارجي.

قوّةُ المتبيّن في الصورة... قوّةُ التصوّر واحدةٌ من المتبيّنات في تأسيس الصورة، فالعلاقةُ الموجودة ما بين التصوّر والخيال، علاقةُ فعل المتخيّل وحركته الفعليّة في المساحة المرسومة للصورة، وهي صالحةٌ لاستقبال تلك الصور الجزئيّة، التي من خلالها يبني المتصوّر صورته الكبرى.

قاعدةُ القول: من البديهي لكلّ صورةٍ قولٌ شعريّ، وفي الوقت نفسه يتجاوزُ إلباث القواعد القوليّة العادية، التي يتمّ التعامل معها بشكلٍ يومي، فالقاعدةُ القوليّة تتحكّم بالأعمال المتضمّنة للقول الشعري، ويقابلها القوّة الإشاريّة أو الدلاليّة، حيث تُعدّ الإشارات من الكائنات والمفاهيم الداعمة للقوّة القوليّة. والدعم الأكبر الذي يتبيّن بشكله الواضح هو علاقات الكلمات، فالدعمُ الذي نبحث عنه ليس بالضرورة أن يكمن بعلاقةٍ بين الدال والمدلول، بل من الممكن جدًّا أن نجده من خلال العلاقات الممتدّة بين الكلمات، التي تؤدّي إلى حالاتٍ تركيبيّةٍ لنحصلَ على جملٍ شعريّةٍ لها قوّتها المتبينة في القول المتقدّم والقول المتأخّر.

المتبيّن الرمزي.. الكثير الكثير من الصور الشعريّة تعتمد الرمزيّة، وهي قوّةٌ متبيّنة، وتعني أنّ القوّة الرمزيّة وعلاقتها بالخيال، ينتج لنا الخيال الرمزي، قوّةً تسلطيّةً مضاعفة، فيكون الدال الأكثر اندماجًا في الصورة الواحدة. القوّة الرمزيّة تساعد الكاتب على التقشّف اللغويّ، وتقودنا إلى التأويل كمؤشّراتٍ تركيبيّةٍ كأن تكون في حالات الاستبدال أو التكرار أو التناقض أو الاستدلال. يقول تودوروف: (إنّ النصّ أو الخطاب يصبح رمزيًّا ابتداءً من اللحظة التي نكتشف له فيها، بفضل جهدٍ تفسيري، معنى غير مباشر – ص 43 – الرمزيّة والتأويل - تزڤيتان تودوروف – ترجمة وتقديم: د. إسماعيل الكفري)، فالمطلعُ الأوّلُ الذي نعدّه أصغرَ وحدةٍ لغويّةٍ في النصّ، من الممكن جدًّا أن يشير لنا إلى قوّته الرمزيّة، فنكون أمام علاقاتِ تنسيقٍ وربط؛ وكذلك علاقات استدلاليّة، تقودنا هذه العلاقات إلى البحث عن الممكنات التي وظّفها الكاتب في هذه السلّة المصغّرة للصورة الشعريّة.

المتبيّنُ التصويري للخيال.. لا يكون مختصرًا ذلك المتبيّن في التصوّرات الواسعة، منها المحمولة، التي سعى الفنان (الشاعر) إلى إخراجها، فالمهمّة التي تواجهنا مهمّة اللغة التي تبلغنا عن تلك القوّة الخياليّة، حيث تتمكّن مهارة الفنان على تجاوز الوصفيّة، فيمكث بأحضان اللغة المؤديّة إلى النشاط الشعري، حيث إنّ اللغة الإبلاغيّة، وعلاقاتها تكون هي الأقرب، وهي تؤدّي إلى لغةٍ خياليّةٍ حاملةٍ البعد التصويريّ معها، ممّا تشكّل الجزء الحركي في النصّ الشعري مرافقةً للزمنيّة التي تظهر بتراكم الأفعال من جهةٍ وحركة الأفعال الانتقاليّة والحركيّة من جهةٍ أخرى.

المتبيّنُ الملائم... لا يترك هدفًا إلا ويكون مشاركًا، ولكنّه قد لا يلائم بعض الأهداف المعيّنة، فيحمل العنونة المبالغ بها واجهةً تحاول أن تتفاعل مع الصور، فتسقط في الغموض، ويكتفي عنصر المتبين بنفسه. نختاره هنا لشدة الاعتناء في بعض النصوص التي تلائم الغموض وتفرط في الرمزية وتتوسع في الخيال؛ كأن الشاعر مطارد من قبل الرقيب فيلتجئ إلى حالاتٍ تلائم الوضع الجديد.

حريّةُ الفعل.. وتكمن في عالمٍ خاصٍّ بها ضمنَ عوالمَ عدّة تفيض حول الذات، فتكون اللغة حرّةً وطليقةً وغيرَ مفروضة؛ فتتبين لنا العناصر الجديدة، التي تجتاز العقلانيّة، وتميل إلى لغةٍ تحت العقلانيّة. حيث إنّ حريّة الفعل هي حرية الخيال أيضًا، وعندما نقول حريّة الخيال فهناك حرية اللغة غير المحدودة، التي تهمّ الشاعر كثيرًا؛ لكي يسبح في عالمٍ غير محدود، فيصبح أمثولةً للحرية التي يعتنقها في الكتابة والانتماء إلى الذات الشاعرة، وهي تلك الذات التي أوجدت نفسها ضمن فعل القول وحريته العظمى.

المتبيّن في جسد النصّ.. يقودنا إلى صورةٍ متبيّنةٍ لها سلطةٌ واضحة، ولها القدرة على امتداد المعاني أو الصور الجزئيّة التي تعوم حولها؛ لذلك فالقوّة الداخليّة تؤثّر على القوّة الخارجيّة في الترتيبات والتركيبات، فيظهر عالم المحسوس متفاعلًا مع القوّة الداخليّة. فيكون المحسوس مقابل الجملة، في حين يكون المتخيّل مقابل النصّ، هذه التباينات الغرض منها، أنّ المحسّوس يبيّن السكتات في القول، فيترك فراغًا، في حين المتخيل يُغرقنا في مساحة من الخيال؛ فيفرض تعامده التوضيحي ما بين سلطة المتخيل وبين مرافقه المحسوس، لتبيان قوة الفعل التأويلي، فنكون أمام إطارين، إطار المتخيل المهيمن على النصّ، وإطار التأويل المختفي في عباءة اللغة المتضمّنة للقول الشعري.

المتبيّن من خلال لحظةٍ متكاملة.. تظهر اللحظة من خلال التقاط الشاعر لها، وربما لن تتكرّر في حالة عدم تدوينها في الذهنية أو في النصّ، ومن الممكن جدًّا أن تتحوّل تلك اللحظة من خلال العلاقات وتراسل الحواس إلى بعدٍ لحظويٍّ يمارس نشاطه الفعلي طالما نحن مع سيرة الذات العاملة، التي لها القدرة على إيجاد المبتكرات والإبداع غير المطروق. فتكون اللحظة بنائية، وتتحول إلى جسدٍ من الممكن اصطياده أو تجسيده في بنائية النصّ، بدايةً من الصورة الشعرية التي تعدّ تعدّدية الإثارة بالنسبة للمرسل إليه.

تجليّاتُ المتبين.. تشكّل الصورة الشعرية واقعًا إضافيًّا لجسد النصّ، لتسيطر على محتواه وتتبين العناصر الجمالية وحركتها وارتباطها مع أدوات النصّ الشعري، فيكون للصورة الفضل على حركة النصّ وتوجيهه في خلق لغةٍ جديدة، ويعني خلق علاقاتٍ جديدةٍ بين الكلمات، ومن ثمّ الجمل الشعرية المتواصلة؛ فتكون متّعة القارئ بجماليّة النصّ منظورًا خارجيًّا بدايةً من العنونة.. يقول بريتون ( [1] ): بالنسبة لنا لا يتعلّق الأمر بإيقاظ الكلمات وإخضاعها لمعالجةٍ بارعةٍ من أجل جعلها تسهمُ في إبداع أسلوبٍ مثيرٍ للاهتمام... الكلمات هي شيءٌ آخر. وربّما تكون كلّ شيء.

القوّة المتضمّنة للظنّ... يعتمد الكاتب (الشاعر) على التلقائيّة في توظيف الدوائر التصويريّة، لذلك يميل إلى الحقيقة الظنيّة والتقديرات التي تعوم من حوله في الطبيعة؛ ليكون واحدًا منها خارج التعقيد، بل يستلهم الشفافيّة والبساطة في إيجاد تلك الترددات، التي تساعده على ترجمة الظنون من عالمه الداخلي إلى العالم الخارجي، لتكون الجملة الشعرية متطابقة عندما تكون الرؤية العينية أمام المشهد الطبيعي. عندما تكون الظنون معللة، في هذه الحالة سيكون الشاعر اعتمد السببية من خلال قصدية الظنّ المرسوم على صيغة كلمات.

الشاعر يحمل ثقافة تصويرية من خلال الصور الذهنية وكيفية ملائمة الكلمات والجمل الشعرية لها قبل الكتابة، أي يكون في مبدأ المقروء قبل المكتوب؛ وحركة الصورة التي نعنيها تتولد ذهنيا من خلال التجربة الحسية ومؤثرات المحسوس والعلاقات التي تخطط لها الذات وهي تدخل إلى عدة عوالم حولها؛ فيكون المنفذ الذي تختاره ملائما مع ثقافتها، لذلك تكون ثقافة الصورة من ثقافة الذات وفعل المتخيل والأبعاد الواقعية ومدى عبور الشاعر ما خلفها ليكوّن تلك الأحلام المسيّرة للعملية التكوينية في النصّ الشعري الحديث.

 

 


[1] ص 118 – السريالية وعيون المرايا – ترجمة: أمين الصالح