Menu

المقدسيون كانوا أهلاً لحمل الراية بجدارة   

راسم عبيدات

المقدسيون كانوا على مستوى المسؤولية والحدث... استخدموا كل الإمكانيات المتاحة لديهم للدفاع عن قدسهم ومقدساتهم وفي المقدمة منها المسجد الأقصى. صحيح بأن بينت في حشده لمسيرة الأعلام كان يزايد على نتنياهو الذي يريد أن ينقض عليه ويظهره كجبان يتراجع عن السير بمسيرة الأعلام الإسرائيلية وفق المسار المحدد لها، وبالتالي يعمل على إسقاط حكومته، أو تفكيكها من داخلها.. ورغم كل الحشد للجماعات "الداعشية" اليهودية من الزعران والمتطرفون والصخب والجلبة والاعتداءات على المواطنين المقدسيين في البلدة القديمة والشيخ جراح وفي المسجد الأقصى تحت حماية وحراسة أكثر من 3000 شرطي وجندي حرس حدود، وإغلاق شبه كامل لمدينة القدس وتقطيعها لمربعات أمنية بسواتر حديدية، لمنع تدفق المقدسيين إلى المدينة... ولكن كل ذلك لم يمنع المقدسيين، من سلوك كل الطرق من أجل الدفاع عن مدينتهم وعروبتها واسلاميتها وعن مقدساتها، أقصاها وقيامتها... وبالتزامن مع انطلاق مسيرة  أعلام زعران المستوطنين وسيرها باتجاه ساحة باب العامود، كانت مسيرة مقدسية ترفع الأعلام الفلسطينية تنطلق من شارع سلاح الدين بكل معانيه ورمزيته رافعة الأعلام الفلسطينية ومطلقة بواسطة طائرة "دورون" صغيرة علم فلسطين ليرفرف خفاقاً في سماء المدينة، ليؤكد على أن القدس بأرضها وسمائها وما فوق الأرض وتحتها ينبض بالعروبة وبتاريخ هذه الأمة وحضارتها، رغم أن الكثير من قادة هذه الأمة قد خذلوا القدس وتامروا عليها وأصبحوا شركاء للمحتل في العدوان عليها... نعم كان هناك تجاوز ومس بالخطوط الحمراء وجرى استباحة للأقصى في الفترة الصباحية وفي مسيرة الأعلام، ولكن عاد بينت لكي يلتزم باتفاق الإطار الذي كانت مصر وقطر عرابه بتعليمات أمريكية مباشرة ... لكي لا تنفجر الأوضاع في المنطقة، بالإبتعاد عن الأقصى بمسيرة إعلامه... صحيح بأن بينت استخدم التعبئة والتحشيد وأصر على السير بالمسيرة وفق مسارها، لكي يحقق مكاسب شخصية وحزبية في ظل انتخابات تبكيرية إسرائيلية خامسة باتت قاب قوسين أو أدنى، في ظل حكومة إسرائيلية متعثرة، وحالها يشبه حال "القربة" المخزوقة التي لا ينفع معها الترقيع، ويريد أن يستثمر في الجماعات "الداعشية" اليهودية التي يلتقي معها فكرا وأيديولوجيا من أجل كسب أصواتها في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية القادمة، لزيادة حجم تمثيله في " الكنيست" البرلمان الإسرائيلي، ولكن كان الهدف المركزي كسر ما أرسته معركة "سيف القدس" في أيار من عام 2021، بالربط والوحدة السياسية ما بين القدس وغزة، وإعادة ربط الساحات الفلسطينية مع بعضها البعض... القدس صحيح قاتلت لوحدها وبدم وبأجساد أبنائها، وهذا ليس بالغريب على أهل القدس، الذين شكلوا الحلقة المركزية في كل الهبات السابقة، وقادوا معارك الدفاع عن الوجود الفلسطيني العربي في المدينة وعن مقدساتها أقصاها وقيامتها... ولكن رغم أن المقدسيون، يدركون بأن مقاومة غزة حاضرة في معادلة القدس، وبأن تلك المقاومة لن تتاجر في قضية القدس لحسابات ضيقة حزبية وفئوية، وأن البعض يتحين الفرص لكي يكيل التهم والشتائم لغزة و ل م ق ا و م ت ه ا ولمحورها... وكأنه هو "سبع البرومبا" ومن أنقذ القدس، وهو لم يقدم لها سوى الشعارات و"الجعجعات" الفارغة والوعود الجوفاء... غير أن القدس لديها عتب كبير على من رفعوا "الدوزان" عالياً وحلقوا في الفضاء، وأطلقوا التصريحات النارية التي شحذت همم المقدسيين ورفعت من توقعاتهم، ولكن في النهاية، لم يكن هناك الرد بحجم الشعارات والبيانات والتصريحات التي أطلقت، رغم قناعتنا بأن الرد والمسؤولية واجبة على غزة ومقاومتها ومحورها تجاه القدس ومقدساتها، ولكن ليس هي الحلقة الوحيدة التي يجب أن تكون سباقة للرد، فهي دفعت الكثير من الثمن في حروب ومعارك سابقة، وأهلها يعيشون الحصار والجوع والدمار والكثير من المعانيات، بل من يشبعوننا ويتحفوننا بالشعارات البراقة والأسطوانات المشروخة، القدس خط أحمر، القدس عاصمة الدولة الفلسطينية ولا بديل عن القدس، ماذا قدموا للقدس..؟

من رفعوا "الدوزان" وحلقوا عالياً في السماء، أخطأوا لأن الجماهير الفلسطينية المقدسية، شحنتها ورفعت من معنوياتها تلك التهديدات والتصريحات والبيانات، ولكن الردود لم تكن بحجم التمنيات، والرسائل الإعلامية الخاطئة أو التهديدات التي لا تتم ترجمتها الى فعل في الميدان، من شأنها أن تصيب الجماهير بحالة من الإحباط واليأس، وتضربها في العصب المركزي "المعنويات"، ناهيك أن ذلك يفتح الطريق للمزايدين والمشككين، بنهج وخيار وثقافة المقاومة، وهؤلاء يتحينون الفرص، لكي يطلقوا العنان لتصريحاتهم و"فذلكاتهم" في الفتن والتشهير وضرب المعنويات، ولذلك على الغرفة المشتركة وقادة الفصائل في غزة، أن يصارحوا أهل القدس بحقيقة ما جرى، فالناس تعتب على من تحبهم، وتدرك بأن ضغوطاً كبيرة مورست على سلطة وقادة غزة، وكان هناك ورقة إطار مصرية قطرية برعاية أمريكية، ورقة تركز على عدم التصعيد وانفجار الوضع على شكل حرب إقليمية شاملة.

نعم كان المقدسيين بحجم التحدي والمسؤولية وأهلاً لحمل الراية، وسجل شبانهم وفتيات شعبنا ومسنيهم بطولات تستحق التقدير في تصديهم لعربدات وزعرنات قطعان المستوطنين، أثناء اعتدائهم على حرائر فلسطين والقدس، والاعتداء على الأقصى. هي معركة في سياق صراع وجودي مستمر ومتواصل، يسعى المحتل لتحويله إلى صراع ديني، يريد من خلاله أن يكرس تقسيماً زمانياً ومكانياً، معتقداً بأن الهرولة التطبيعية الواسعة من قبل دول نظام رسمي عربي انهار و"انبطح" وتعفن، توفر له مثل هذه الفرصة، ولكن أنا على ثقة بأن كل ما يجري في العالم والإقليم والمنطقة من تحولات استراتيجية، هي ليست في صالح دولة الاحتلال، وبأن المنازلة الكبرى باتت قاب قوسين أو أدنى، فلا غزة ولا مقاومتها ولا محورها سيخذلون القدس ومقدساتها ولا فلسطين وشعبها.