Menu

العودة للنقب

بوابة الهدف الإخبارية

خاص_بوابة الهدف الإخبارية

ينتظر من هذه المساحة أن تنشغل بالتعقيب على اقتحام العدو ومستوطنيه للمسجد الأقصى، ولكن في هذا العنوان ليس هناك أكثر من جملة واحدة، يدركها كل فلسطيني تنطلق من موقف وإرادة هذا الشعب "بغض النظر عن معادلات القوة، تراجع المسار الكفاحي أو تصاعده؛ صحة قرارات قوانا المناضلة أم خطأها؛ جاهزية الحاضنة الشعبية أم استنزافها في هذا الموضع أو ذاك؛ العدو سيدفع ثمن عن جرائمه"، هذا ما أثبته شعبنا طيلة مائة عام من الصراع.

لنعود للنقب، ليس العودة للنقب كموضوع بمعنى مغادرة النقاش الوطني حول المواجهة مع العدو في القدس لنقاش حول النضال في النقب، ولكن العودة فعليًا لأرضنا المسلوبة في النقب، وهذا ما يحدث فعليًا منذ سنوات، حيث يناضل أهلنا في النقب للعودة لقراهم والمناطق التي هجروا منها وللصمود في بقية مواضع تشبثهم بالأرض الفلسطينية، هذا النضال الذي يواريه تهميشنا نحن له، لنضيف لحجم الثقل الملقى على أكتاف مناضلي شعبنا في النقب عبء تجاهلنا لنضالهم؛ فمنظومات الإعلام التي باتت توجه الاهتمام السياسي والجماهيري تعشق ما يشبهها؛ الحدث المثير العاجل الصارخ، دوي القصف، أو ممارسات نضالية ووطنية مهمة يخوض فيها فاعلين ومناضلين يشبهون الصحفي تدور في الجامعة أو في ميدان التظاهر الرئيسي في مدينة فلسطينية على بعد أمتار من مكتب الصحفي.

إن العراقيب التي يهدمها الاحتلال لأكثر من ٢٠٠ مرة متتالية ليست إلا نموذج واحد من نضال أهلنا في النقب لأجل عودتهم وعودتنا؛ علمًا أن النقب التي تبدو بهذا البعد لصحفي أو سياسي فلسطيني من غزة أو الجليل أو رام الله، هي امتداد طبيعي للبنية الاجتماعية في قطاع غزة والخليل، ولم تختار بناها النضالية عزل ذاتها اجتماعيا أو سياسيا عن نضال شعبنا، بل نحن من اخترنا هذا العزل ليضاف لأسيجة الاحتلال التي تعزل هذا الوجود الفلسطيني الحي والمشتبك.

إن وهم وجود مركز أهم لهذا الصراع ينسجم مع عقلية المحتل ومسعاه لحسم الاشتباك لمصلحته بشكل نهائي، فهو المركز الأوروبي الذي جاء ليخضع الأرض وأهلها، ويبحث عن مركز لمقاومتنا وفعلنا ليخضعه بدوره، أما نحن فتلك الشظايا التي مزقها تفجيره لبلادنا وبنيتنا الاجتماعية ووجودنا المادي كبشر؛ شظايا تواصل منذ العام ١٩٤٨ محاولة الاجتماع مجددًا على أرض فلسطين وتستطيع كل منها جرح وإدماء الاحتلال واستنزافه في طريقها ونضالها لأجل العودة والتحرير وتقرير المصير. أما في ظل وجود الاحتلال؛ فاجتماعنا الوحيد الممكن والضروري هو وصل شبكات النضال الفلسطيني ببعضها البعض، ودعم كل موقع نضالي لغيره بما يحيل خارطة فلسطين لخارطة اشتباك واستنزاف للعدو، ومساحة للفعل المتآزر الذي يستفيد من هذا التمزق والتمايز الذي صنعه بين التجارب النضالية في إرباك العدو بتعدد أنماط الفعل وأدواته وقدرته على إبداع ما يفاجئ به العدو... لنا هوية واحدة لا نتنازل عن وحدتها، وفي الاشتباك مع العدو لاستعادة الموضع المادي لهذه الهوية، حيلتنا التعدد، زمن الاشتباك الممتد بما صنعه من تجارب نضالية وراكمه من خبرة ودراية بآلاف الأدوات والنماذج لإدماء العدو، وانتشار ليس باليسير على العدو ضبطه في بلاد تعرفنا ونعرفها، وإرادة شعب يأبى الهزيمة، ويواصل النضال حتى وإن تقطعت به السبل، يتذاكر أبناء فلسطين فيما بينهم دروس النضال، وأساليب التمرد والثورة، يتناقلونها من جيل لجيل ومن موضع لآخر؛ فمفاتيح العودة الحقيقية التي يحملها جيل الأحفاد ليس تلك المفاتيح المعدنية لبيوت نسفها الاحتلال في أرضنا السليبة، ولكن تلك التجارب النضالية والذاكرة المشتركة التي تختزنها، والصلات التي حفظناها جيدًا بين أجزاء الجسد المقطع والروح والهوية المتصلة... عائدون لفلسطيننا: طال الزمان أو قصر.