Menu

بريطانيا والمسألة الأوربية بين التفكك وإعادة الإنتاج

حاتم الجوهري

في حرب أوكرانيا شهدت المسألة الأوربية العديد من دلائل التفكك ومن محاولات إعادة الإنتاج في الوقت نفسه، خاصة بين الحلف الغربي القديم وتحديدا بين فرنسا وبريطانيا ومحاولة كل منهما الدعوة لكيان سياسي خارج الاتحاد الأوربي الذي أصبح يتميا، ومحاولة استقطاب أوكرانيا له ومعها العديد من دول حلف وراسو الشيوعي القديم.
إنما تجدر الإشارة بداية إلى أن الحرب في أوكرانيا نفسها تعد استمرارا للمتلازمات الثقافية للمسألة الأوربية، تلك التي تعتبر نفسها ذروة للتطور الإنساني ومركزه المقدس والنهائي الذي لا يوجد بعده شيء، خاصة في فكرة الصراع على نظرية نهاية التاريخ وذروته بين الشيوعية القديمة وبين الرأسمالية، والتي يجرى محاولة لإعادة إنتاجها في شكل ومتلازمة ثقافية استقطابية جديدة.
الصدام بين الهيمنة للمسألة الأوربية القديمة     
وبين الصعود للمسألة الأوربية الجديدة   

فهذه الحرب هي بسبب تصور المسألة الأوربية للوجود البشري على أنها صراع على امتلاك الحق المطلق في نظرية مقدسة ونهائية للبشر لا يوجد بعدها، والتنافس على هذه النظرية بين الرأسمالية وبين الشيوعية، فالسبب الرئيسي للحرب هو تمدد حلف الأطلسي الذراع العسكري للرأسمالية نحو حدود روسيا، متخيلا أنه حتى بعد هزيمة الاتحاد السوفييتي نهاية القرن الماضي والشيوعية، لا بد أن يستمر في التوسع والحركة للأبد طالما أنه يتحرك وفق نظرية تعتبر نفسها نهائية ومطلقة وليس هناك من شيء بعدها.
وفي الوقت ذاته يأتي رد الفعل الروسي وغزو أوكرانيا في سياق المسألة الأوربية نفسها، فرغم خسارة روسيا للرهان والصراع بين الشيوعية والرأسمالية قديما، إلا أنها طورت شكلا ثقافيا جديدا للصراع الوجودي الصفري على النظرية المطلقة مركز الكون بالنسبة لهم، أسمته الصراع بين "قوى البر" وبين "قوى البحر" حيث تمثل روسيا قوى البر (قوى الأوراسية) وتمثل أمريكا قوى البحر (قوى الأطلسية). 
فهنا "الفعل" كان بسبب المسألة الأوربية القديمة ونهاية التاريخ ووهم انتصار الليبرالية وجناحها العسكري، و"رد الفعل" كان بسبب المسألة الأوربية الجديدة وصعود قوى الأوراسية لمواجهة قوى الأطلسية، المهم أن تقدم لنا المسألة الأوربية المشوهة ثنائية حدية معتبرة أنها مركز العالم وأننا أم اصطفاف كوني ومطلق يجرجر العالم خلفه.
تاريخ النظرية المطلقة    
وبداية المسألة الأوربية عند هيجل

وسنجد أنه تاريخيا ارتبطت المسألة الأوربية بصعود العرق الجرماني قادما من شمال أوربا وشبه الجزيرة الاسكندنافية في القرون الميلادية الأولى، وتسيده الموجة الحضارية لأروبا فيما بعد الموجة الرومانية، واتخذت المسألة الأوربية تجسيدها الواضح مع الفيلسوف الجرماني هيجل الذي اعتبر الدولة البروسية الملكية (ألمانيا القديمة) هي ذروة التاريخ المتمثل في دور الدولة وسلطة الملك والشكل الطبقي لها، معتبرا أن ذلك الشكل ذروة التاريخ لأنه جمع بين المثالي (سلطة الملك ممثلة للدين) والمادي (البنية الطبقية الإنتاجية التقليدية وخدمتها لدور الدولة الملكية وسلطتها).   فقام بالانتصار للمثالي الذي تمثله سلطة الملك في علاقته بالدين والكنيسة والخالق، وفي الوقت نفسه قدم شكلا ماديا لهذا المثالي تمثل في تأكيده على الرأسمالية والبناء الطبقي التقليدي في الدولة البروسية (بين الطبقة الزراعية والطبقة الصناعية والطبقة البيروقراطية)، معتبرا أن هذا الشكل للدولة في تصوره المثالي المادي هو ذروة التاريخ البشري، وذروة التأويل المثالي/ الديني عبر التاريخ الذي مر عند هيجل بأربعة مراحل أعلاها المرحلة الجرمانية، حيث "جعل هيجل الدولة البروسية [الجرمانية] هي الدولة المطلقة باعتبارها دولة محققة فعليا ارتقت إلى درجة المطلق، ومن هنا فإن تاريخ العالم يمر بأربعة مراحل، هي العالم الشرقي [الديني/ الثيوطيقي]، والعالم اليوناني [ظهور الفرد الحر وتداخل الديني/ الحياتي]، والعالم الروماني [صدام الأرستقراطية المهيمنة مع الشخصية الحرة والديمقراطية]، ثم العالم الجرماني [وحدة الإلهي والبشري والتوفيق بين الموضوعي والحرية متمثلا في الدولة]" (1).
ماركس والنظرية المطلقة المضادة لهيجل 
وأصل الثنائية الحدية والاستقطاب المقدس

ثم خرج ماركس تلميذ هيجل بنظرية مطلقة جديدة معاكسة لأستاذه؛ عبر خلط المادي والمثالي أيضا لكنه انتصر للمادي، فاعتبر أن الشكل المادي المطلق للدولة الجرمانية هو الشكل اللاطبقي وتفكيك سلطة الملك والتراتب الطبقي المرتبط بها، وكان المثالي عنده أنه رغم تفكيك سلطة الملك بتمثلاتها الدينية والمثالية التقليدية، قدم ماركس مثالية متخيلة للشكل المادي حينما طالب بأن تكون ذروة النظرية البشرية المطلقة المادية هي وصول حالة اللا طبقية إلى حالة عالمية تتيح الموارد لكل البشر وتبنى الجنة على الأرض فيما عرف بالشيوعية المثالية. 
استمرار تفكك المسألة الأوربية   
الأنجلو ساكسون في بريطانيا     

لكن المسألة الأوربية وخرافة النظرية المطلقة لم تنقطع بهزيمة الشيوعية إنما يجري الآن إعادة إنتاجها في أشكال جديدة وتفكك أشكال قديمة..      
ففي هذا السياق ظهرت مؤشرات تفكك الذهنية الجرمانية نفسها في غرب أوربا، وذلك على المستوى العرقي أو القبائلي القديم، فقبائل الأنجلو ساكسون التي بزغ نجمها في بريطانيا أعلنت الانفصال عن الاتحاد الأوربي نفسه (اتفاق البريكست)، والعرق الأنجلو ساكسوني نفسه الذي سيطر على أمريكا المستعمرة البريطانية السابقة، كان قد ضرب فرنسا ضربة قوية عندما وقع بايدن اتفاق "أكوس" العسكري البحري مع بريطانيا واستراليا (المستعمرة الأنجلو سكسونية القديمة بدورها)، على حساب ضرب اتفاق عسكري أبرمته استراليا مع فرنسا.
فرنسا تدخل على الخط التفكك    
وورثة قبيلة الفرنجة      

وفي خضم الحرب الأوكرانية ذاتها دعت فرنسا لاستيعاب أوكرانيا بعيدا عن مظلة حلف الأطلسي التي تسيطر عليها أمريكا والأنجلو ساكسون، عندما دعا ماكرون إلى إنشاء كيان سياسي أوربي قادر على قبول أوكرانيا بسرعة بعيدا عن إجراءات الاتحاد الأوربي المعقدة الطويلة وبشكل ما عن مظلة حلف الأطلسي، وهو ما يتفق مع توجهات فرنسية قديمة بالاستقلال العسكري لأروبا عن حلف الأطلسي.
مزايدة بريطانية أخرى     
وكذلك دخلت بريطانيا ممثلة في رئيس وزرائها جونسون إلى سباق تفكك المسألة الأوربية والذهنية الجرمانية وتمثلاتها الثقافية الحالية، في محاولة استقطاب أوكرانيا، حيث كشفت صحيفة "
Corriere della Sera" الإيطالية العريقة نقلا عن مصادرها أن رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، عرض على الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، تشكيل تحالف ضد روسيا، حيث "يتضمن نموذج التحالف الذي عرضه جونسون: تشكيل رابطة أوروبية بقيادة المملكة المتحدة، تشمل أوكرانيا وبولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، ويمكن أن تضم إلى صفوفها تركيا في وقت لاحق"، كما ذكرت الصحيفة. وقد قدم جونسون هذه المبادرة في 9 أبريل عندما قام بزيارة لكييف، وورد أن الجانب الأوكراني لم يعرب عن موقفه من هذا المقترح" (2).     
الاتحاد الأوربي  
الابن اليتيم       

ليبدو الاتحاد الأوربي القديم مفخرة القارة العجوز وكأنه أصبح ابنا يتيما لا يريد أحد كفالته، ويبدو وكأن روسيا تدق المسمار الأخير في نعش متهالك وآيل للسقوط والدفن منذ فترة طويلة، فأمريكا شجعت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوربي، وفرنسا تريد للقارة الأوربية أن تستقل عن المظلة العسكرية لحلف الأطلسي، وتعرض على أوكرانيا كيانا سياسا جديدا خارج الاتحاد الأوربي، ودخلت بريطانيا على خط المزايدة لتعرض على أوكرانيا كيانا بديلا للاتحاد الأوربي ذاته.     
في انتظار قرار ألمانيا    
لكن مركز الثقل سيكون في ألمانيا التي لم تحسم تصورها السياسي للمستقبل بعد، غير أنها قررت تعديل توجهاتها العسكرية وإنفاق حوالي 100 مليار دولار لتعزيز قدراتها العسكرية دون أن تحدد المظلة العسكرية التي ستلقي بثقلها خلفها، هل ستتوجه نحو الاستقلال عن الأنجلو ساكسون، وتتحالف مع فرنسا، أم ستدعم الأنجلو ساكسون وحلف الأطلسي، أم ستتحرك وفق سياسة جديدة توازن فيها بين التناقضات المتفجرة، خاصة وأن الجرمان الأصليين في الشمال في فنلندا والسويد قررا الانضمام لحلف الأطلسي.
حيرة الذات العربية
وتبقى المعضلة حاضرة عند الذات العربية في عجزها عن تطوير مقاربات جذرية خارج الصندوق للتعامل مع المسألة الأوربية ومحاولات إعادة إنتاجها، معظم المستويات السياسية سلطة ومعارضة تدافع عن أماكنها التاريخية، وتراتباتها الاجتماعية التي استقرت لها في سياق المسألة الأوربية.   
وتقف الحالة العربية متصلبة أمام تطور حواضن اجتماعية قادرة على إنتاج تمثلات سياسية جديدة وفعالة، تستعيد الذات العربية ونهضتها في مواجهة إعادة إنتاج المسألة الأوربية من جديد، لأن الخطاب الوحيد القادر على ذلك هو خطاب الثورات العربية وما بعد المسألة الأوربية.
لكن لموقف التمثلات السياسية العربية من المسألة الأوربية الراهنة حديث آخر.. نعود له مرة أخرى إن شاء الله.
هوامش:
- موقع روسيا اليوم الإخباري بتاريخ 27/5/2022م

https://ar.rtarabic.com/world/1358379
-محمد السعيد العيشاوي، مفهوم الدولة بين هيجل وماركس، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة محمد بوضياف، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، قسم الفلسفة، الجزائر، السنة الجامعية 2016-2017م.