Menu

المخيم في الرواية الفلسطينية.. بين المكان المفتعل والهوية المستقطعة

تغريد عبد العال

تغريد عبد العال - الأخبار 

حضر المخيم في الرواية الفلسطينية كمكان قسري أنتجته النكبة، فدخل السّرد وبقي هناك. لكنّ صورته في الرواية تغيرت عمّا كانت عليه في السبعينيات حين كان أيقونةً للثورة، وإذ به يحضر في بعض الروايات الحديثة كمكان للشتات والأحلام الضائعة.

 أصبحت له جغرافيا مختلفة تتقاطع مع الوطن في الذاكرة الحية، لكنّها لا بد من أنها تتألم. فهل خيمة عن خيمة تفرق، كما قالت «أم سعد» (1969) في رواية غسان كنفاني ؟ وهل صورته في الروايات الحديثة تعكس هواجس جيل مختلف عن الجيل السابق؟ وما هي أبرز الروايات التي تحدثت عنه؟ وكيف كانت صورته في تلك الروايات؟ ثلاثة كتّاب فلسطينيين يتوقّفون عند صورة المخيم في الإصدارات الفلسطينية التي ينتمي كتّابها إلى أجيال مختلفة

محمود شقير: المخيم أحد التجلّيات المرّة للكارثة

يقول لنا الروائي والقاص الفلسطيني محمود شقير (1941) المقيم في رام الله إنّ «المخيم هو أحد التجلّيات المرّة لكارثة 1948، وقد تنوعت صوره في الرواية الفلسطينية. في رواية «ماء السماء» (2008)، رصد يحيى يخلف، بدايات تشكل المخيم بعد اضطرار الناس إلى مغادرة وطنهم جرّاء الغزو الصهيوني، ثم كيف أصبح الوعي على المأساة يدفع الناس باتجاه العمل المنظم الذي يستهدف إبقاء شعلة الأمل حية في النفوس. الأمر ذاته نلمسه في رواية «العشاق» (1973) لرشاد أبو شاور ورصده للحياة اليومية في مخيمات عين السلطان والنويعمة وعقبة جبر، وفي رواية حسن حميد «تعالي نطير أوراق الخريف» التي صدرت في بداية التسعينات، هناك البؤس والمعاناة ثم بداية التحول نحو المقاومة. وفي رواية «مخمل» (1993) لحزامة حبايب، ظلّت بطلة الرواية تكافح من أجل حياة كريمة لها ولأسرتها، ثم كان مصيرها القتل على أيدي شقيقها وابنها لمجرد أنهما اشتبها في سلوكها، وهي لم تكن خاطئة. وفي رواية «سروال بلقيس» (2019) لصبحي فحماوي، كان الهمّ الأساسي للناس كيف يدبرون لقمة العيش، ثم أصبح الوعي السياسي يتبدى في سلوك الجيل الجديد».

ويتابع أنّ «هذا الوعي يتنامى ويزدهر إبّان صعود المقاومة كما في رواية «أم سعد» لغسان كنفاني، حيث الثقة في المستقبل والإصرار على المقاومة، وفي رواية السيرة لإبراهيم نصر الله الموسومة بـ «طفولتي حتى الآن»، يبدو المخيم الذي عاش الكاتب طفولته فيه، مكاناً مؤقتاً تحيا فيه، إضافة إلى نماذج بشرية محبة للحياة. تحفزها على ذلك ذاكرة عابقة بحب مكانها الأول في فلسطين، غير منقطعة في الوقت ذاته عن التفاعل مع التطورات السياسية في مكان اللجوء. وفي روايتي «مديح لنساء العائلة» (2015)، يظهر المخيم في حالة خضوع وظهور روح جديدة مقاومة فيه، وتقع أثناء ذلك بعض السلوكيات غير السوية، تتمثل في وقوع البندقية في يد غير واعية، ثم تتراجع صورة المخيم لدى تراجع المقاومة إلى حد العبث بأجساد النساء والتطاول على كرامتهن كما جاء في رواية «حليب التين» (2010) لسامية عيسى». ويرى شقير أنّ ثمة تنويعات أخرى، ففي رواية «ليالي الأشهر القمرية» (2002) لغريب عسقلاني، يعود بطل الرواية من جرّاء اتفاق أوسلو إلى المخيم الذي عاش فيه طفولته، فكأن كل هذه التضحيات لم تنتج سوى الخسارات، مع ذلك يظل الأمل قائماً في عزائم الجيل الجديد من الشباب. ويتوقف شقير عند رواية «عين المرآة» (1991) التي «توثّق فيها ليانة بدر حياة الناس في المخيم، وترصد همومهم وتطلعاتهم؛ وأحزانهم وأفراحهم، وتضع هذا المخيم عبر التفاصيل الحميمة في بؤرة الاهتمام. وفي رواية «الباطن» (2017) يقترب صافي إسماعيل صافي من أجواء المخيم المجاور للقرية، ليصور حياة الناس الذين يقاومون البؤس والشقاء بالإصرار على حب الحياة. ويكتب الأسير المقدسي حسام زهدي شاهين «زغرودة الفنجان» (2015) محدداً الأمكنة التي يتحرك فيها بطل الرواية، وهي مخيم الدهيشة ومدينتا بيت لحم ويبوس. ويكتب الأسير المحرر صالح أبو لبن «البيت الثالث» (2013) معبراً فيها عن مخيم الدهيشة الذي كان من أهم البؤر الثورية للانتفاضة الأولى. وفي «الحاجة كريستينا» (2016) لعاطف أبو سيف، تلعب المصادفة دوراً في نزع بطلة روايته من مكانها الأصلي في يافا، لتعيش في لندن، ثم في أحد مخيمات غزة، ثم تغادر المخيم في مفارقة لافتة. وفي أحد مستويات روايته «باب الشمس» (1998)، يوثّق إلياس خوري حكايات اللاجئين من أهالي مخيم شاتيلا، لضمان حفظ الذاكرة الفلسطينية وحمايتها من التبديد، والأمر ذاته في أحد مستويات «بنت من شاتيلا» (2019) لأكرم مسلم». ويختم شقير بما قاله الروائي مروان عبد العال لدى تسلمه «جائزة القدس عام 2016»: «هذه الجائزة هي وسام على صدر المخيم، وصدر الفلسطيني البسيط والفقير والطيب والمقاتل (..) المخيم الذي أنجب ناجي العلي وبطله حنظلة، وغسان كنفاني وأبطال رواياته الذين نعرفهم».