Menu

قراءة في دراسة "أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية" للمفكر غازي الصوراني

د. غسان أبو حطب

لقد صدّر المفكر  غازي الصوراني عضو مجلس أمناء جامعة الأقصى أخيراً دراسة هامة، بعنوان: "أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية"، سلط من خلالها الضوء على الخصوصية الفلسطينية المتمثلة بالصراع المصيري - الوجودي الذي يخوضه شعبنا ضد عدو يمتلك وينتج الكثير من أدوات العلم والمعرفة والتكنولوجيا المتطورة، ويُعد من أكثر الدول تطورًا على مستوى الشرق الأوسط، والعديد من جامعاته تأخذ موقعاً متقدماً في التصنيفات والمقاييس الدولية المعنية بالتعليم ومؤسساته، وأبرزها تصنيف شنغهاي، وهنا لا بد لنا من الوقوف أمام هذا التصنيف؛ حيث أوضحت دراسة كاي(2008) أن أبرز مشكلات التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم( ARWU) تتمثل في الاختلاف الشاسع بين النظم المحلية في الدول وصعوبة تصنيف جودة التعليم بناءً على معايير ومؤشرات دقيقة(cai, 2008, 34) كما تواجه منهجيته العديد من الانتقادات كتحيزه للعلوم الطبيعية، كما لا يأخذ في الاعتبار الوظائف الأخرى للجامعات مثل الخدمات المقدمة للمجتمع المحلي(van Raan,2005,6) ،ومن أبرز الانتقادات الموجهة لهذا التصنيف هو تطبيق المعايير على جميع الجامعات بغض النظر عن الاختصاص وحجم الجامعة، ثم النشر باللغة الانجليزية فقط وإهمال المنشور باللغة العربية، وتركيزه على الجامعات الكبيرة ذات التخصصات العديدة، والتعامل مع الجامعات وكأنها نسخ كربونية مما يتسبب بإهماله للثقافات والبيئات التعليمية والاجتماعية المختلفة.

وهذا يتفق مع سؤال المفكر الصوراني: هل تتناسب معايير التصنيف مع وضعية جامعاتنا كمؤسسات في ظل الاستعمار؟ وبكل تأكيد الإجابة لا

وقد جاءت مساهمة الصوراني الثاقبة تحت عناوين عدة وهي:

التعليم العالي من التحررية إلى الاندماج في السوق وهنا يُطالب الصوراني بتوجيه الخريجين إلى الانخراط في عمل التعاونيات الزراعية في الضفة الغربية ،في حين يؤكد على توجه خريجي الجامعات في قطاع غزة نحو التخصصات العلمية التكنولوجية المتقدمة، يُظهر هُويته الايديولوجية بشكل واضح من خلال انحيازه للفكر التعاوني والتضامني في مجابهة توحش السوق والذي يعمل على توظيف خريجي It لخدمة مطامع الكومبرادوريين، ثم ينتقل للحديث عن التعليم العالي في الأراضي المحتلة عام 1967م، مؤكداً على أربعة معايير للحكم على النظام التعليمي وهي: 
المعيار الأول: دمقرطة التعليم، بمعنى توسيع قاعدته الاجتماعية بما يُؤمِّن مجانية مشاركة أبناء الفقراء الذين يمثلون الأغلبية الساحقة لشعبنا، في العملية التعليمية بكل مراحلها، ً باعتبار هذه المشاركة هي أصل من أصول ومكونات التنمية المجتمعية ، التي ننادي بها كمشروع حضاري اقتصادي اجتماعي وثقافي، وهنا أيضاً تتجلى هُوية المفكر الايديولوجية المنحازة للفقراء والمسحوقين من ابناء شعبنا المكافح.    
أما عن المعيار الثاني، يقول الصوراني تحت عنوان "الجامعات منابر للتحرر الوطني" :عند الحديث عن بنية الجامعة من حيث نوع الجسم الطلابي الذي تشكلت منه في الضفة الغربية وقطاع غزة، نجد انها مكونة -في أغلبيتها- من أبناء الطبقات الشعبية غير القادرة على تغطية تكاليف التعليم في الخارج، أو الحصول على منح خارجية، هذه الصفة الغالبة على نوعية الحركة الطلابية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، خلقت أجواء جامعية نشطة على المستوى السياسي الوطني، دعمها في ذلك امتداد الحركة الوطنية جماهيريا في ذلك الوقت ودعم منظمة التحرير الفلسطينية لموازنات الجامعات، وتوفر إدارات جامعية ان لم تكن متناغمة مع المد الوطني فهي على الأقل لا تستطيع الوقوف في وجهه، وبالتالي شكلت الجامعات حاضنة للعمل الوطني، ومركزاً أساسياً للتعبير عنه إضافة الى النقابات المهنية، والنقابات العمالية.
وينتقل بنا المفكر لعقد مقارنات بين تمرحلات تاريخية متعاقبة للتعليم العالي في فلسطين فبُعيد النكبة ارتبط التعليم العالي بحاجة مؤسسات الأونروا لمعلمين وبحاجة سوق العمل الخليجي ،وفي ستينيات القرن الماضي ومع نشوء منظمة التحرير كمعبر عن الهُوية الوطنية أصبحت مؤسسات التعليم العالي منابر للتحرر والانعتاق من المُستعمر، وبعد قدوم السلطة وتبنيها لقيم الليبرالية الجديدة تغير دور ووظيفة الجامعات لتصبح مؤسسات خدمية محكومة بقوانين السوق المنفلت والمتوحش، وهنا علينا أن نميز بين هذه المؤسسات ،فهناك مؤسسات حاولت جاهدة ومن خلال مكوناتها المتنوعة الدفاع عن هُويتها الوطنية وانحيازاتها للفئات الفقيرة والمهمشة كجامعة بيرزيت والتي تنشغل بعض معاهدها حالياً في نقاش كيفية تحرير الانتاج المعرفي من سطوة علاقات القوة والسلطة ومن هيمنة المُستعمر وأذنابه

كما ويشير الصوراني لمجموعة من العوامل التي ساهمت بضعف المنتج العلمي للجامعات الفلسطينية مقارنة بجامعات المُستعمر ومنها ضعف العلاقة بين الجامعات ومؤسسات الإنتاج؛ وغياب العلاقات التكاملية للجامعات مع القطاعات الإنتاجية وانعدام تمويل القطاع الخاص للبحث العلمي؛ وغياب ثقافة البحث العلمي لدى معظم الاساتذة؛ وعدم تبني السلطة لسياسات محددة لدعم البحث العلمي بالجامعات ، ومن الجدير بالذكر أن حجم الإنفاق على البحث والتطوير بلغ ما يقارب 61.4 مليون دولار فقط في العام 2013، أي أقل من 0.01% من الناتج المحلي الإجمالي ، وهذه النسبة تعتبر الأقل على مستوى الدول العربية مما يدل على ضعف الإمكانيات المادية وضعف الاهتمام والإدراك من قبل الجهات المختلفة بأهمية البحث والتطوير كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني، ومما لا شك فيه أن قطاع البحث العلمي في فلسطين يواجه تحديات عديدة، بعضها مرتبط بالواقع السياسي والاقتصادي الذي خلقه المُستعمر، والبعض الآخر يرتبط  ببيئة البحث العلمي في فلسطين. يفتقر قطاع البحث العملي في فلسطين إلى الحوكمة والتنظيم، كما يفتقر إلى وجود سياسات واستراتيجيات واضحة، وهناك تغييب للدور التنموي للبحث العلمي في السياسات والاستراتيجيات الوطنية، والخطط التنموية كما لا يوجد تحديد للأولويات التي يجب أن توضع في مقدمة برامج القطاعات العلمية المختلفة. حيث تتركز بعض الأنشطة البحثية في مجالات تخدم أولويات الجهات الممولة على حساب الأولويات الفلسطينية، ونتيجة لذلك نجد أن هناك فجوة بين مخرجات البحث العلمي والاحتياجات والأولويات الوطنية، بالإضافة إلى ضآلة الإنتاج البحثي. ومساهمة مراكز الأبحاث في عملية التنمية الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية ضئيلة. إلى جانب ذلك، لا تلعب هذه المراكز دوراً واضحاً في صنع القرار الفلسطيني، كما أن عدم اعتماد صانع القرار في سياساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على نتائج الدراسات التي تصدرها هذه المراكز، بالإضافة إلى عدم وجود استراتيجية واضحة للبحث العلمي تحدد أبرز المجالات البحثية التي تشكل أولوية للمجتمع وصانع القرار الفلسطيني ومربوطة بمصدر تمويل حكومي منتظم ومستدام، ما يضطر بعض هذه المراكز إلى ممارسة أنشطة بحثية لا تتماشى مع نشاطها البحثي الرئيسي (التخصص)، ولا مع دورها الوظيفي، خاصة في ظل تبدل توجهات الممولين البحثية.       
وفيما يتعلق بالمعيار الثالث، المرتبط بتحديث التعليم العالي، يقول الصوراني: إن عملية التحديث شرطها التحرر من كافة المعوقات الخارجية(التبعية) والداخلية، مع ضرورة تعميم الوعي بالحقوق الوطنية والتاريخية في مناهجنا التعليمية، وبالتمحيص في واقعنا نجد أنفسنا منكشفين تماماً لسياسات الممول المتواطئ بشكل كبير مع المُستعمر من خلال فرضه لاشتراطات تمس هُويتنا وروايتنا والعمود الفقري لسرديتنا الفلسطينية التاريخية، وهنا يقرع الصوراني ناقوس الخطر المتمثل باستمرار هيمنة التحالف الطبقي الطفيلي البيروقراطي واستمرار حالة التشظية والانقسام الفلسطيني –الفلسطيني.    
المعيار الرابع يرتبط بعملية تقييم المؤسسة التعليمية ومدى استجابتها، من حيث مخرجات عملية التعليم، لحاجات بناء اقتصاد تنموي مقاوم، فالتنمية المقاومة على مختلف تفرعاتها هي الكفيلة بتحقيق القدرة على بناء مجتمعي قادر على الصمود، وهنا يتجلى دور الجامعات بأن تنظم منهاجها وأساليب تدريسها لبناء أجيال تأخذ على عاتقها الانخراط في التنمية المقاومة.

وفي تناوله لعوامل الأزمات المتراكمة في الجامعات الفلسطينية نورد فيما يلي أبرزها:

 

· محاولات العدو الصهيوني محاصرة نمو وتطور الجامعات الفلسطينية من ناحية وخلق المعوقات التي تحول دون – تثقيف الشباب بالمناهج الوطنية-، والعمل على إعاقة التطور النوعي للتعليم الفلسطيني، إلى جانب قمع المحاولات الهادفة إلى تطوير البنية التحتية للتعليم العالي الفلسطيني، وذلك انسجاماً من العدو مع رؤاه وأفكاره الصهيونية القائمة عل الاستعمار الاستيطاني. وهنا كان من الأفضل ذكر بعض تجارب مجابهة هذا النهج الذي تبناه المُستعمر من أجل عدم الإمعان في جلد الذات.

· عدم وضوح أو تبلور الفلسفة التربوية الحداثية للمنظومة التعليمية في الجامعات والكليات.

· الضعف الشديد بالنسبة للاهتمام المطلوب في تفعيل عملية البحث العلمي، وغياب التنسيق أو التكامل بين الجامعات في هذا المضمار، إلى جانب غياب الموازنات المطلوبة لتشجيع البحث العلمي، وضعف الدوريات والمجلات ودور النشر المتخصصة. وهنا يشير المفكر الصوراني إلى ما نسبته 70% من أساتذة الجامعات بغزة والضفة لا يبذلون الجهد المطلوب منهم باعتبارهم باحثين متخصصين معزياً ذلك لأعباء التدريس الملقاة على كواهلهم والضعف المعرفي في متابعة التطور المعرفي ولم يتم هنا اللجوء إلى مؤشرات (كمية ونوعية) تؤكد هذا الاعتقاد ضمن دراسة بحثية وليس مقالاً أو وجهة نظر للكاتب.

 

· قصور أو فشل معظم الجامعات الفلسطينية في إعداد المناهج وإنشاء الكليات العلمية المتخصصة لتحقيق وبلورة "اقتصاد المعرفة" علاوة على عجزها في تطوير مجتمعنا الفلسطيني صوب مفهوم "مجتمع المعرفة" القادر على الإنتاج الفكري العقلاني، العلمي، بما يمكن مجتمعنا من حماية وترسيخ الرؤى والمناهج والأفكار الحداثية الوطنية والقومية الديمقراطية التقدمية والتحررية المناهضة للعدو الصهيوني من ناحية، ولأفكار التخلف والتبعية والاستبداد من ناحية ثانية.وهنا لا بد من التأكيد على أن التأخر التاريخي لولوج مجتمع المعرفة قابل للتدارك عندما يتوفر الطموح والإرادة السياسية المدعومة برصد الموارد اللازمة لبناء البيئات التمكينية والمؤسسات القادرة على رعاية التطور المعرفي وتحويل مكاسبه إلى وسائل مساعدة على تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة.

· تزايد انتشار الصراعات السياسية الفصائلية في معظم الجامعات، التي تتخذ في بعض الأحيان أوضاعاً حادة تعصبية نقيضة للحوار الديمقراطي، إلى جانب بعض الصراعات العنيفة ليس ضد الطلاب فحسب، بل أيضاً ضد إدارة الجهاز الجامعي دون أي احترام لرئاسة الجامعة واساتذتها ومجلس امنائها من ناحية ودون احترام للأسس الأخلاقية الأكاديمية الديمقراطية من ناحية ثانية.

· التنافس بين الجامعات الفلسطينية دون أي اهتمام لتفعيل عملية التكامل المنهجي في البرامج والرؤى والاستراتيجيات المطلوبة للبحث العلمي ولعملية التكامل الأكاديمي في البرامج من ناحية، أو في خدمة السوق المحلي أو الأجنبي من ناحية ثانية.

· عدم كفاءة نسبة غير قليلة من أعضاء هيئة التدريس للقيام بمهامهم التدريسية والبحثية، لأسباب ذاتية من ناحية، ولأسباب موضوعية مرتبطة بقلّة البرامج التدريبية والتطويرية لهم وعدم مواكبة التطورات في مجالات التخصص بالأشكال التي تُنَمّي قدراتهم الذاتية، إلى جانب غياب البرامج الملائمة أو الرؤى الواضحة لتدريب أعضاء هيئة التدريس وبناء قدراتهم، حيث أن النسبة العالية منهم لا يملكون الإمكانية المعرفية ولا حتى الرغبة في التغيير والتطوير نحو الأفضل تماشياً مع الثورات العلمية الهائلة والسريعة في العالم، إلى جانب عدم إتقان معظم هيئة التدريس في الجامعات للغة الإنجليزية، وأثر ذلك الوضع على ضعف وهشاشة الأبحاث العلمية.وهنا لا بد من الاشارة إلى عوامل أخرى ذات علاقة بكيفية توظيف أعضاء هيئات التدريس ضمن اقتصاد المحاسيب المرتبط بقيم السوق والزبائنية المستشرية والتي خلقت شبكات علائقية معولمة بين جزء من أعضاء هيئات التدريس وبعض مدراء منظمات الأنجزة وامتداداتهم العولمية وهذه الشبكات باتت الأخطر (على الإنتاج العلمي والبحثي التحرري)  في الدفاع عن مكاسبها المادية ولها قدرات في استقطاب أصحاب النفوذ السياسي وكسب تحالفهم ، وكذلك حالات الفساد المستشري والتي باتت توصفها تهكمات نشطاء الوسيشال ميديا (عظم الرقبة)،مع ضرورة التمييز بين جامعة وجامعة ، فلا يجوز وضع الجميع في سلة واحدة.

وقدّم المفكر غازي الصوراني، عدداً من الاقتراحات في إطار السبل المطلوبة للخروج من الأزمة سنتناول أبرزها ما يلي:

· وضع استراتيجية واضحة للجامعات والمعاهد والمراكز البحثية من قِبَل لجان متخصصة عالية المستوى لها دراية واسعة بمحاور التعليم العالي والبحث العلمي.

· تفعيل تطبيق معايير الجودة فيما يخص التعليم العالي والبحث العلمي وكل ما يرتبط بهما من مَهام، وتشكيل لجان مركزية لمتابعة تنفيذها على جميع الأصعدة، وذلك بإشراف وبقرار مجلس التعليم العالي.

· اعتماد مبدأ ديمقراطية العمل الجامعي لكل منتسبيه بعيداً عن الصراعات السياسية وما يرتبط بها من تدخلات حزبية وغيرها، وتأمين أجواء ومناخات ومقومات الحرية الأكاديمية التي تسهم في البعد المجتمعي للطلبة وتعزز قدرة بناء المواطن الفلسطيني المنتمي لوطنه، الواعي لدوره وحقوقه الديمقراطية، بما يضمن توفير مقومات الدراسة الجامعية وتشجيع الحوار والنقاش والنقد والبحث وفق معايير علمية وديمقراطية توفر أجواء الحرية الاكاديمية بصورة واقعية واضحة، وذلك انطلاقاً من المبدأ التالي: من الصعب توفر الدراسة الجامعية الحقيقية بدون توفر أجواء الحرية الاكاديمية.

· رصد المخصصات المالية الكافية والمناسبة ضمن الموازنة العامة المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي؛ فقطاع الجامعات له ديون بملايين الدولارات على السلطة الفلسطينية، وأحد أهم أسباب العجوزات المتراكمة منذ سنوات لدى الجامعات الفلسطينية هو عدم التزام السلطة بتسديد مخصصات دعم الجامعات، ولا يبدو لنا ان هذا الخيار سوف يكون متاحاً ضمن الزمن المنظور، بل المؤشرات الحاضرة تؤكد تفاقم هذا التهديد بفعل عديد العوامل كالظرف الاقتصادي العام ،وضعف السلطة جراء التهديد بتقليص تمويلها من قبل جهات الدعم الدولي المشروط، وضعف القطاع الخاص ودوره في دعم الجامعات ولا سيما عمليات البحث والإنتاج العلمي.

· منح استقلالية تامّة للجامعات والمراكز البحثية التابعة لها في التخطيط في سياساتها واتخاذ قراراتها في سبل تنفيذها، ضمن الاستراتيجية العامة المرسومة مسبقاً.

وأيضاً هذا الخيار غير قابل للتنفيذ في ظل المنظومة القائمة حالياً للسلطة بالضفة وغزة فأدوات الحكم تتدخل بكل واردة وشاردة داخل الجامعات وخارج أسوارها، وهناك قيود عقيمة تواجهها مراكز العمل البحثي بدواعي وحجج ذات طابع أمني يعمق من حالة عدم الثقة بين الجهات الحاكمة من جهة والجامعات ومراكزها البحثية من جهة أخرى وهذا يمس بشكل مباشر مبدأ الحريات الأكاديمية وهي الوظيفة الأساسية المرتبطة بتحقيق أهداف مؤسسات التعليم العالي بخلق المعرفة وتطويرها ونشرها وحفظها ،وتشكل انتهاكات الحريات الأكاديمية خطورة كبيرة على الوظيفة الأساسية للجامعات من حيث تجريف وتسطيح العلوم والمعرفة وقصور التناول الأكاديمي لقضايا ملحة وكذلك التأثير السلبي على العقلية البحثية الناقدة لدى الطلبة والباحثين وأعضاء هيئات التدريس بما يعيق تحقيق التقدم.

وقد أشار إعلان عمان للحريات الأكاديمية في العام 2004 إلى ما يلي:

- ضرورة إلغاء الوصاية السياسية عن المجتمع الأكاديمي.

- الحرية الأكاديمية تشمل حرية التعبير عن الرأي وحرية الضمير وحرية نشر المعلومات والمعارف وتبادلها، وحق إدارة المجتمع الأكاديمي نفسه بنفسه.

- تأكيد حق أعضاء الهيئة الأكاديمية العربية في الانسياب عبر الدول العربية وفي التواصل مع المجتمع الأكاديمي على الصعيد العالمي.

· تحديث المناهج الدراسية لكل تخصص، وإعادة النظر بمفرداتها بما يتماشى والتطورات العالمية بكل مضمار، وذلك عبر اللجان الاكاديمية المختصة بالتعاون والتنسيق مع رؤساء الجامعات ومجالس الأمناء.

· اختيار العناصر العلمية والإدارية الكفوءة المخلصة التي تحمل الرؤى الواضحة لواقع التعليم الجامعي والبحث العلمي واتجاهاته المستقبلية لتتبوأ المناصب ابتداءً من رئاسات الفروع والأقسام العلمية وعمادات الكليات والمعاهد ورؤساء الجامعات.

· الحد من التوسّع في الموافقات لفتح الجامعات الأهلية من غير الحاجة الفعلية لها شرط تأهلها بتخصصها ضمن المواصفات السليمة وحاجة سوق العمل الفعلية لخريجيها، وهنا وجبت الاشارة إلى أن هناك حالة انتشار لجامعات وكليات خاصة بمعنى تموضعها ضمن إطار الشركات والتي بدورها تقبع في قلب القطاع الخاص الفلسطيني الهادف في معظمه لتحقيق الربح على حساب الاعتبارات الأخرى.

· الاستفادة القصوى من الكفاءات الفلسطينية المغتربة وحثّهم للمساهمة في إعادة الثقة بالجامعات الفلسطينية والعمل على تقدمها وتطويرها.

· توفير المكتبات الحديثة المتطورة ورفدها بأحدث الكتب والمجلات العلمية وربطها إلكترونياً بالمكتبات الرصينة المعروفة بالعالم، كالمكتبة البريطانية ومثيلاتها.

· ضرورة تبني إدارة الجامعات الفلسطينية استراتيجية التنمية المستمرة لرأس مالها الفكري، لتقوم على التوجه للاهتمام بالعقول المتميزة ورعايتها بما يمتلكون من مهارات وقدرات وإبداعات ومعرفة، لتسخيرها لصالح الجامعة، إلى جانب الاهتمام بعنصر رأس المال البشري.

· العمل على وقف تمويل التعليم العالي من جيب عائلات الطلاب الفقراء الى نظام يجعل اما الحكومة أو المجتمع مسؤولان عن هذا التعليم وفق نظام ثابت كضريبة معارف تحول الى صندوق خاص بتمويل التعليم العالي، أو عبر رفع موازنة التعليم العالي.

· إعادة النظر في تشكيل مجلس التعليم العالي ومهماته.

 

ويختتم المفكر الصوراني دراسته بمجموعة من الدلالات والاستنتاجات أهمها:

- غياب الاستراتيجية الموحدة عن مؤسسات التعليم العالي بشكل جماعي وكذلك كل جامعة بشكل منفرد.

- غياب التنسيق والتواصل الفعال بين الجامعات، مما يعني في أحد جوانبه غياب القدرة على التخطيط المشترك لما فيه خدمة الطلاب وشعبنا في آن.

- غياب التنسيق والتواصل مع الجامعات العربية سواء على صعيد البحث العلمي وتبادل الخبرات أو على صعيد خلق فرص عمل للمتميزين والكفاءات من الطلاب.

- استنساخ الجامعات لذات التخصصات مجاراة للمسألة المادية، بعيدا عن الابتكار والإبداع في استحداث تخصصات ذات قيمة علمية وبحثية.

- ضرورة العمل على اغلاق او تجسير الفجوة بين الجامعات من ناحية وقطاعي الإنتاج الرئيسيين (الصناعة والزراعة) من ناحية ثانية، بحيث يصبح التكامل بينهما واضحاً عبر الممارسة، الأمر الذي سيؤدي الى المزيد من حفز وتشجيع القطاع الخاص لدعم الجامعات والأبحاث العلمية النظرية والعملية التطبيقية في جامعاتنا .
ويفتح المفكر الصوراني أفاقاً رحبة للتفكير الجدي بالدراسات الاستشرافية ومدى حاجتنا لها ،وكذلك ضرورة التركيز على الذكاء الاصطناعي وعلوم النانو تكنولوجي فهذه بوابة ولوج مجتمع المعرفة المستقبلي وذلك ضمن حاضنة تقدمية ثورية ديمقراطية تحررية.