Menu

الشيخ حسين شحادة.. شلّالات الحنين

4858585.jpg

"الزمان مكان سائل والمكان زمان متجمّد" يقول محي الدين بن عربي، وزمان النجف ليس ماضيها ولا حاضرها، إنه زمانها المستمر بلا انقطاع، منذ أن أصبحت مدرستها ولّادة، فقد مضى عليها أكثر من 1000 عام، يوم جارها الإمام الطوسي في العام 448 هجرية المصادف العام 1027 ميلادية والمتوفي في العام 460 هـ ملتحقاً بجامعتها وعاملاً على تطوير مناهجها الدراسية وتجديدها.

       والنجف التي تحتضن مرقد الإمام علي بن أبي طالب (الخليفة الراشدي الرابع) الذي اختار الكوفة عاصمة للدولة الإسلامية حينها، تشتهر بالعديد من الأسماء منها الأكثر شهرة "الغري" و"وادي السلام" و"المشهد" و"النجف السعيد"، وتكنّى "خدّ العذراء" التي ورد ذكرها في كتاب " تاج العروس" وهي مسنّاة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو منازلها وحين تعيش في النجف لا يمكنك إلّا أن تكون حاضراً في مجلس النفري وتقرأ وتسمع قصائد أبو الطيب المتنبي وتستمتع بـ خمريات محمد سعيد الحبوبي وتمرّدات محمد مهدي الجواهري ووجوديات عبد الأمير الحصيري، إنهم مثل البرق يأتون في كل موسم وفي كل حقبة وفي كل زمان... ليس بعيداً عنهم حركة أخوان الصفا وثورة الزنج ومدرسة الكوفة وحركة النهضة برموزها: الأفغاني الذي درس في النجف والكواكبي والطهطاوي ومحمد عبده والتونسي، والجدل بين حركتي " المشروطة والمستبدة" والدين والعلم في واحة الأدب الفسيح، ناهيك عن الديني والسياسي والحكومي والشعبي، وغير ذلك من الموضوعات التي تتعلق بالقدامة والحداثة والتراث والمعاصرة، والتقليد والتجديد.

       وأستعير هنا وصفاً جميلاً للشاعر عدنان الصائغ في بحثه القيم والمرجعي عن "النجف وإسهاماتها الحضارية" والذي يقول فيه " ومدينتي هذه ذات الألف مدرسة يلتقي في أروقتها منذ ألف عام وحتى اليوم طرفة بن العبد والغفاري وأبو ذر والجاحظ وبشّار بن برد وابن الرومي ودعبل الخزاعي وأخوان الصفا وعلي بن محمد قائد "الزنج" والحلّاج والمعرّي والخيام عمر وداروين وماركس والأفغاني والكواكبي ومحمد عبده والسيد محسن الأمين العاملي وكاشف الغطاء محمد حسين وأخيراً الجواهري".

        وحين تتجوّل في النجف أو تقضي سهرة عند أحد الأصدقاء وفي ديوانه الذي يسمى بـ"البرّاني" تلتقي بـ الشبيبي والشرقي وأحمد الصافي النجفي وحبيب شعبان وجعفر محبوبة وجعفر الخليلي وسعد صالح وأمين الريحاني ونزار قباني والمخزومي وعلي جواد الطاهر ويوسف العاني وجواد سليم والسيّاب والبياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة ولميعة عباس عمارة ومظفر النواب وحسين مردان وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمود درويش و غسان كنفاني ولوركا وآراغون وديستوفسكي وزرياب وسارتر وكولن ولسن والخميني وفهد وميشيل عفلق وحسين الشبيبي والسيد محسن الحكيم والسيد الحسني البغدادي والسيد أبو الحسن ونوري السعيد وفاضل الجمالي وخليل كنّة ومحمد مهدي كبّة ومحمد رضا الشبيبي وسلام عادل وحسين جميل وكامل الجادرجي وفؤاد الركابي وحسين مروّة الذي تعرّف على ماركس في النجف كما يقول، وكلّ هؤلاء يجمعهم هارموني التناقض المحبب وجوار الأضداد ولكنه جامع العقل والتفكير والإبداع، تلتقي معهم وكأنهم يعيشون معك في حيّ واحد أو حتى في منزل واحد أو تصادفهم في السوق أو الصحن الحيدري أو في الاجتماعات السرّية، وذلك لكثرة ما تتردد هذه الأسماء على أفواه الناس.

       الشيخ حسين شحادة نهل من تلك المجالس والمحافل وعاش عبق تلك الأجواء، وحاول أن يجسّد روحها، إضافة إلى طباعه الخاصة، فهو الهادئ الأنيس الجليس، المتمدن الكريم فحين يكتب أو يتحدّث يسكب روحه من خلال القلم أو عبر لسانه، جملته أنيقة ومفردته رشيقة وعبارته حلوة وهارمونيها متّسقاً، إنه إنسان محبٌ للحياة ويعرف معنى الجمال والحب والوفاء حق المعرفة، لذلك أراد أن يعيشها بالطول والعرض بشرف وعزٍ مدافعاً عن قيم العيش المشترك والسلام والتسامح واللّاعنف، وكل ثروته في هذه الدنيا مكتبة عامرة وذاكرة خصبة وضمير حي وروح متسامحة وتواصل مع الآخر وفكر منفتح على الحياة.

       الحيرة السادسة- حين أكتب عن الشيخ حسين شحادة، فأنا لا أتناول سيرته، وقصارى حديثي عنه أنني سأتناول حصتي منه فقط، ولن أستعير شيئاً مما سمعته أو كتبه الآخرون، وهذه حيرة مركّبة، لأنني سأتحدّث عن نفسي، وأعوذ بالله من كلمة "أنا" على حد تعبير الروائي والصحافي العراقي شمران الياسري (أبو كاطع)، فالناس في هذا المعرض صنفان: الأول- من يشعرون بالخيلاء والزهو وتضخيم الذات، أما الثاني، فهو الذي يُظهر التواضع المصطنع والتعمّد في إخفاء أو التقليل من أي دور لكي يحصل على ما يريد، ولست من الصنف الأول كما أنني لست من الصنف الثاني، مثل صديقي الشيخ حسين شحادة الذي أحتفي به في هذه السردية، فلسنا انطوائيين نضنّ بوقائع حياتنا وتجاربها عندما يتطلّب الحديث ذلك، وقد حملنا على أكتافنا أعباء عشرات الكتب والأبحاث والدراسات والاجتهادات ووطابنا مملوء وحضورنا قائم، فقد عشنا واجتهدنا، أخطأنا أم أصبنا، لكن لكلّ منّا قسطه من المساهمة الفكرية وكل في ميدانه وإبحاره.

       ولذلك فإن حديثي هو حديث النقد الإيجابي فشيخ حسين فقيه واقعي في نظرته إلى الدين باعتباره "دين العقل" وإلى الفقه باعتباره "فقه الواقع"، وفقه الواقع يحتمل كلّ ما في الحياة من معانٍ للجمال والخير، إنه ابن الطبيعة حيث الجبال الشامخات في الجنوب اللبناني وامتداد الغابات والمروج والأشجار والزهور والكرامة والشجاعة.

        ويمكنني القول إن بعض الناس يسحرونك لكتاباتهم وأسلوبهم ورشاقة مفرداتهم وعمق معانيها، وبعضهم يسحرك بنبرات صوته وأوتار حنجرته وقدرته في التأثير على المتلقي، ليس بقوة المنطق والحجة، بل بقدرته على شدّ الجمهور على المتابعة والانتباه لطريقة عرضه الهادئ وترابط موضوعه، بحيث لا يتيه ليعود فيسلط الضوء حول الجوهري من الأشياء، أما الشيخ حسين فقد اعتمر القبعتين حسب المثل الفرنسي، فهو حين يكتب فإنه صاحب منهج وأسلوب، فكرته عميقة ومعبّرة وحروفه نظيفة، وحين يتكلّم وإن كان صوته خفيضاً لكن نبرته واضحة ومسموعة ومؤثّرة،وحسب جلال الدين الرومي "أخفض صوتك فالزهر ينبته المطر، لا الرعد".

فقيه الواقع وسادن الجمال

       في رسالته الموجهة إلى الاحتفال الذي التأم في تونس لتكريمي بدعوة من المعهد العربي للديمقراطية والجامعة الخضراء ومنتدى الجاحظ، العام 2016 (صدرت وقائعه في كتاب بعنوان: عبد الحسين شعبان - تونس والعرفان، دار الفارابي، بيروت، 2018)، أطلق عليّ الشيخ حسين لقب "فقيه التسامح" و"سادن الحرية"، لأمرين اثنين: أولهما -يتعلّق بأطروحاتي حول التسامح والسلام واللّاعنف والعيش المشترك، وثانيهما -أراد أن يذكّرني بموقع عائلتي في سدانة الروضة الحيدرية للإمام علي التي احتفظت به منذ 5 قرون بموجب 3 فرامين سلطانية من الدولة العثمانية، لكنه أضاف إليهما الحريّة، وهي انتماء طوعي وجهاد أكبر مع النفس، في أن تكون حرّاً وأن تكرّس حياتك للحريّة، وقد سُئل الرسول محمد عن قوله "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر "، فهل هناك جهاد أعظم من جهاد الكفار؟ قال نعم: جهاد النفس، أي الانتصار على هوى النفس وهو ما تبنّاه المتصوّفة.

        أما أنا فسأطلق عليه " فقيه الواقع" و"سادن الجمال"، وصفة ثالثة سأوضحها لاحقاً، ولأنه كذلك، فحتى في غربته في أفريقيا أو في لندن، كان محور استقطاب لحداثة عقلانية منفتحة على الآخر ومستجيبة لروح العصر ومتناغمة مع الواقع لذلك استطاع استقطاب شخصيات وتيارات عديدة كان يمثل بالنسبة لها مشتركاً إنسانياً ودائرة للتنوّع والتعددية. وأستطيع القول أنه تعدّدي بالفطرة والاكتساب أيضاً، في النشأة والتكوّن، حيث خالط شعوباً وأقواماً وأمماً ولغاتٍ وحكوماتٍ وحركاتٍ ومؤسساتٍ مختلفة، منذ دراسته الأولى في الحوزة النجفيّة، وتلك مسألة أساسية ظلّت تشكل محور تفكيره.

       أما الجمال فهو صنو الخير فقد ظلّ سمة لصيقة به يسعى إليه ويستلطفه ويحبّذ النظر إليه فعلاً وسلوكاً فما بالك حين يجتمع الجمال بالحكمة ويزدانان بالصبر وطول النفس؟ ولعلّ ذلك ما يسعى إليه الإنسان في صراعه التاريخي مع الشر والقبح والتوحّش، لاسيّما بـ"أنسنة" إنسانية الإنسان جوهراً ومظهراً، مضموناً وشكلاً، فـ"الله جميل يحب الجمال"، والجمال قيمة ترتبط بالمشاعر الإنسانية والعواطف البشرية، وبقدر ما فيه من قوة مادية، ففيه قوّة روحية، غامضة أو ظاهرة، لاسيّما في إنارة القلوب، فالنور الذي في العين ليس إلّا أثراً من نور القلب، وهذا نور الله، حسب جلال الدين الرومي، ونور الشيخ حسين في قلبه.

ياسمين العشق

       الحيرة السابعة - أننا نتنافس في عشق حبيبة واحدة، لكنه تنافس إيجابي تكاملي وتضامني وليس تنافسيًا إلغائيًا استحواذيًا أنانيًا، لقد وقعنا في حب الشام وهمِنا في عشقها، وكثيراً ما كنت أتغنّى معه بنص جميل كتبه في الفترة الأخيرة يقول فيه:

"أعيش بقوة الحب وكم أنا متعب يا دمشق بالياسمين وفي اليوم الأخير من عمري لن أترك أحلامي سأمنح هذا الخراب صرخة الورد تحت دمي وتحت الحجارة وأموت حباً يا إلهي فخذني إليك".

       أظن أن علاقته بالشام كانت هي الأقوى والأعمق وهي الحب الأكبر في حياته وهناك برز في السيدة زينب خطيباً تارة وناشراً تارة أخرى وباحثاً في ثالثة ومفكراً في رابعة وعالم اجتماع مرّات كثيرة، لاسيّما أبحاثه في "سيولوجيا الدين وإيقاعاته". وفي كل ذلك كان عاشقاً أضناه سقم العشق.

       لا نخطأ حين ننتمي هو اللبناني وأنا العراقي إلى الشام، فقد ذقنا ثمارها وشربنا من مائها وشممنا ترابها وفتحت لنا أبوابها، بل خزائنها: دخلناها سالمين من أبوابها المختلفة من باب توما إلى باب شرقي التي دخل منها خالد بن الوليد وباب غربي التي دخل منها أبو عبيد الجراح وتتعدّد الأبواب الباقي منها والذي كان أن ينقرض، لكن أثره قائم: باب كيسان وباب السلامة وباب سريجة وباب الجابية وباب الفراديس والباب الصغير في الشاغور وباب الفرج وباب النصر وباب حنين وباب البريد وباب الحديد، وكلّها في سور المدينة، حيث تتصدّر قلعة الحميدية من جهة ومن الجهة الأخرى ينتصب قاسيون شامخاً مع مرور الزمن.

       كنّا قد تربيّنا على قصيدة الشاعر أحمد شوقي "دمشق" التي كانت تمثّل رمز مقاومة الاحتلال الفرنسي والتي عاشت في وجداننا ودائماً ما يستذكر الشيخ حسين البيتين اللذين كانا عنواناً للجمال والتحدي:

سلام من صبا بردى أرق / ودمع لا يكفكف يا دمشق

وللحريــة الحمـراء بــاب / بكـل يـد مضرّجــة يــــدق

 

       ويطربُ لقصيدة الجواهري الكبير الذي عاش في الشام من العام 1981 ولوفاته العام 1997 والتي يعتبرها أحمل وأفضل أيام حياته برعاية كريمة من الرئيس حافظ الأسد:

شمَمْتُ تُرْبَكِ لا زُلْفى ولا مَلَقا /   وسِرْتُ قَصْدَكِ لا خِبّاً، ولا مَذِقا

وما وَجَدْتُ إلى لُقْياكِ مُنْعَطَفاًإلاّ إليـــــــكِ،ولا أَلْفَيْتُ مُفْتَرَقـــــا

وسِرْتُ قَصْدَكِ لا كالمُشْتَهي بَلَداً / لكنْ كَمَنْ يَتَشَهّى وَجْهَ مَن عَشِقا

قالوا (دِمَشْقُ) و(بَغْدادٌ) فقلتُ هما / فَجْرٌ على الغَدِ مِن أَمْسَيْهِما انْبَثَقا

مَن قالَ أنْ ليسَ مِن معْنىً للفْظَتِها /  بــــلا دِمَشْقَ وبَغدادٍ فقد صَدَقا

       ولقد كان لسان حالنا يردّد ما يقول الأخطل الصغير:

"قال تحب الشام؟ قلت جوانحي/  مقصوصة فيها وقيل فؤادي"

       الشام البلد الأنوف والأمين وقبلة العشاق والمحبين والغرباء واللاجئين، فما من إنسان سوي دخلها إلّا ووقع في غرامها، وكم نتذكر محي الدين بن عربي الذي هام في حبّها وهو صاحب الطريقة الصوفية في وحدة "الوجود الحق" متمثّلة بالله، فالشيخ حسين شحادة اقتفى أثره وعاش حيرته وانكشفت له بعض دروبه ومسالكه، فانعقدت بينه وبين نصوصه علاقة حسيّة في المناجاة والكينونة والجوهر.

       كان الشاعر عبد الوهاب البياتي يزور قبر ابن عربي كلما كان يأتي إلى دمشق وأوصى بدفنه بالقرب منه حين وافته المنيّة (3 آب/أغسطس/ 1999) حيث عاش فيها أيامه الأخيرة ضيفاً على الدولة السورية ودائماً ما كان يستعيد أيامه في شام الخمسينات ونهر بردى الذي كان جارياً حتى ساحة المدينة الرئيسية (المرجة)، ولا زلت أتذكّر النهر الذي يعبر المدينة حتى سبعينيات القرن الماضي، وقد طلبت من البياتي، في أمسية دمشقية في باب توما وفي حانة "قصر البلوّر"، أن يسمعنا مقطعاً من قصيدته الأثيرة عن دمشق"عين الشمس أو تحوّلات محي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق" والمنشورة في مجموعته "قصائد حب على بوابات العالم السبع" العام 1971، والتي كان يذكّرني بها صديقي علي ناجي بر في برلين، الذي كان كلما انتشى بكأس نبيذ يتغنى بهذه القصيدة.

 

أحمل قاسيون

غزالة تعدو وراء القمر الأخضر في الديجور

ووردةً أرشق فيها فرس المحبوب

وحملاً يثغو وأبجدية

أنظمة قصيدة فترتمي دمشق في ذراعه قلادة من نور

أحمل قاسيون

تفاحة أقضمها

وصورة أضمها

تحت قميص الصوف

أكلم العصفور

وبردى المسحور

فكل اسم شارد ووارد أذكره، عنها أكني واسمها أعني

وكل دار في الضحى أندبه، فدارها أعني

توحد الواحد في الكل

والظل في الظل

وولد العالم من بعدي ومن قبلي

 

       وكنت قد تعرفت على البياتي في القاهرة في شباط (فبراير) 1969 وأهداني حينها مجموعته الشعرية "الذي يأتي ولا يأتي".

       لم تترك دمشق مبدعاً مرّ فيها دون أن يتغزّل بها ويقع في حبّها، ففيها تغزّل البحتري وأبو تمام وأبو نواس وأحمد شوقي وأيليا أبو ماضي وسعيد عقل وأحمد الصافي ونزار قباني وأدونيس وعبد الرزاق عبد الواحد ومظفر النواب وسعدي يوسف ومحمود درويش، أفليس من حقنا أن نعشق الشام ونتغزّل بها ونتنافس في حبها؟وحسبنا أن نردد مع ابن عربي "وحق الهوى، أن الهوى، سبب الهوى، ولولا الهوى في القلب ما وجد الهوى".

       في دمشق اغتنت صداقات الشيخ حسين وتنوّعت وازدادت عمقاً مع عرب وسوريين من ألوان مختلفة أدباء وكتّاب وفنانين وعلماء دين مسلمين ومسيحيين ودارسين في الحوزة، وكان قد أصبح "مرجعاً" يلتجئ إليه كثيرون وقد حظي باحترام الدولة نال ثقة المجتمع المدني التي كانت عميقة وقوية، وفي كل زيارة إلى الشام كنت أحضّر نفسي للقاء خاص بالشيخ حسين، ولكنه لا يكتفي بذلك، فيجهز لقاءً ثقافياً مجلسه العامر المتنوّع بدعوة شخصيات عديدة: كوليت خوري، جورجيت عطية، ميشيل كيلو، صادق جلال العظم، أحمد برقاوي وأكثر من مرّة حضر الصديق عبد الإله بلقزيز وآخرين. وحين تدهورت الأوضاع اضطر إلى مغادرة دمشق، ومثلما دخلها خفيفاً نظيفاً، خرج منها طاهراً وناصعاً، فقد أحبّ كل ما هو سوري مثل حبّه للبنان و فلسطين وسوريا الكبرى، دون أن ينسى النجف والعراق، حيث احتل التنوّع والتعددية جزءًا لا يتجزأ من تفكيره وحياته.