رحل عن عالمنا يوم الثلاثاء 21 يونيو/ حزيران، الكاتب والروائي العسقلاني الغريب الذي اشتق هذا الاسم من غربته وابتعاده قسرًا عن بلده عسقلان إبان النكبة الفلسطينيّة في العام 1948، فقد رحل الكاتب الفلسطيني إبراهيم عبد الجبار الزنط المعروف باسم "غريب عسقلاني" تاركًا وراءه إرثًا عظيمًا للأجيال القادمة.
الراحل عسقلاني، نعته وزارة الثقافة الفلسطينيّة قائلةً: "برحيل غريب عسقلاني تفقد الحركة الوطنية الثقافية رمزًا من رموزها وعلمًا من أعلامها الذين أسسوا للوعي الإبداعي وأثروا المشهد الثقافي بفكرهم وإبداعهم الخلاٌق، منذ وقت مبكر وفي فترة كانت تمر بها البلاد باحتلالها الثاني، فكتب عسقلاني أوجاع البلاد وهمّ العباد".
ورأت الوزارة، أنّ "العسقلاني وهو يرحل عنّا ترك إرثه بين الأجيال التي تتلمذت على يديه مربّيًا ومعلمًا في مدارس غزة ومبدعًا في صالوناتها الثقافية وموجهّا في نصائحه للأجيال من خلال دوره الأصيل في الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين؛ كي يظل رمح الثقافة شاهرًا في مواجهة رواية النقيض وولَّادةً كما أرادها غريب عسقلاني".
وفي الإطار، يروي الكاتب والروائي الفلسطيني حبيب هنا لـ"بوابة الهدف الإخباريّة"، كيف تعرّف على عسقلاني وعايشه: "تعرّفت عليه من خلال أوّل رواية كتبها تحمل اسم "الطوق"، حيث قرأتها في سجون الاحتلال عام 1976م، ولاحقًا خرجت من السجن وكُنت أكتب القصة فجمعنا القاسم المشترك في الكتابة، ومن هُنا نشأت هذه العلاقة بيننا، وفي البدايات كان غريب عسقلاني يتنقّل ما بين رام الله و القدس والناصرة وقطاع غزة ليطلع على انتاج الكتاب الفلسطينيين، وهذه العلاقة الحميميّة ربطت ما بين عدد من كتّاب القطاع وكتّاب الضفة الغربيّة وكتّاب فلسطين المحتلة عام 1948 دفعت باتجاه تأسيس فرع لاتحاد الكتّاب في غزة".
ويُتابع الروائي هنا: "في هذه الفترة خرجت أنا من السجن وكنت أحد المساهمين في تأسيس هذا الاتحاد في قطاع غزّة في بدايات الثمانينات، حيث كان عددنا لا يتجاوز عدد أصابع اليد، إذ جمع الاتحاد عددًا من الكتّاب الأساسيين أذكر منهم: عبد الحميد طقش، ومحمد أيوب، وصبحي حمدان، وغريب عسقلاني، وزكي العيلة، عبد الله تايه، وتوفيق الحاج، وكانت العلاقة الأدبية التي تجمعنا أقوى من العلاقات الحزبيّة في الوقت الحالي باعتبار أنّ الكتابة كانت مُطارَدة من قبل الاحتلال الصهيوني".
ولفت خلال حديثه "للهدف"، إلى أنّهم كانوا يقرأون الأعمال الأدبيّة ويحاولون التدخّل في بعض الصياغات لتكون أمتن، ومن ثم عرضها على كاتبها قبل الطباعة وتدور هناك نقاشات من أجل أن يخرج العمل بأجمل صورة "وأحيانًا صاحب العمل يستجيب وأحيانًا يصر على الفكرة التي وضعها في الكتابة، ومن هنا نمت العلاقة وبرزت أسماء الكتاب هؤلاء وبعض الدكاترة النقّاد الذين لم يكتبوا الرواية أو القصة بل كانوا متخصصين فقط في النقد، وبحسب النظام الداخلي للاتحاد فيجوز أن يحصل الدكتور المتخصص على عضوية الاتحاد، وكان أعضاء الاتحاد يشاركوننا هذا التفاعل وعدد من دكاترة الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر".
وبيّن هنا أنّه "وقبل قدوم السلطة بدأت الموازين تختلف، فأصبح هناك توجّه لاستثمار مجيء السلطة بشكلٍ فردي لدى بعض الكتّاب، وأصبحت المصلحة الخاصة تطفو على المصلحة العامة، ورغم أنّ الكاتب غريب عسقلان التحق بالسلطة إلّا أنّه استمر في العمل الإبداعي وتميّز به ومارس نشاطه حتى على مستوى تشكيل بعض المراكز الثقافية التي فيما بعد أنتجت الأدب مثل (نادي القصة القصيرة، نادي كتابة الشعر) وكان له دورًا كبيرًا في تأسيس هذه المراكز"، مُشيرًا إلى أنّه "ليس بالضرورة أن يكون للكاتب عدد كبير من الكتب ليصبح أفضل كاتب، ولكن عسقلاني قدّم روايات إلى حدٍ كبير تستحق الوقوف أمامها جيدًا".
وأردف بالقول: "قرأت له الرواية الذاتية، وكانت قمة في الابداع وحملت اسم "جفاف الحلق"، وأصبح عامًا بعد عام يتطوّر انتاجه بشكلٍ ملحوظ واستحق الجائزة عن كفاءة التي منحه إياها الرئيس أبو مازن وهي "جائزة مستوى الابتكار" في 2016، وهذا ساهم في رفع معنويات غريب عسقلاني في الفترة الأخيرة، وحتى في فترته الأخيرة كان مستمرًا في الكتابة ولكن وفقًا لظروفه الصحيّة بحيث كان آخر كتاب له وقّعه في حفل بجمعية الشبان المسيحية قبل ستة أشهر، ولذلك أطلق الكتّاب عليه لقب "شيخ الكتاب" لأنه الأكبر سنًا".
وحول الوفاء لمن يرحلون من أصحاب الفكر والثقافة، يقول هنا في ختام حديثه لموقنا، إنّ "الكثير من الكتاب رحلوا وظلّت كتاباتهم خالدة ومنارة للكتاب الجدد ليستنيروا بها، وعندما استشهد العظيم غسان كنفاني بقي إرثه موجودًا إلى يومنا هذا، واليوم رحيل غريب عسقلاني سيترك أثرًا لا شك، ولكن إرثه سيظل موجودًا، ومن باب التكريم نقول أنّ على وزارة الثقافة وأهل الكتاب والمؤسّسات الرسمية للكتّاب تخصيص جائزة تحمل اسم الكاتب الراحل تكريمًا له، فهذا يعطيه حقه ويشجّع الآخرين من الكتّاب بأنّنا لن ننساهم في حياتهم وفي رحيلهم".
السيرة الذاتية للكاتب الراحل غريب عسقلاني:
ولد عسقلاني، في الرابع من نيسان/ أبريل 1948م في مدينة المجدل، وكان سادس اخوته العشرة لوالد يعمل تاجراً للحبوب والمواد التموينية.
لجأت عائلته في عام نكبة فلسطين (1948) إلى مخيم الشاطئ بمدينة غزة، وكان عمره آنذاك أقل من سنة.
نشأ وتلقى دراسته الابتدائية في مدرسة هاشم بن عبد مناف (الهاشمية) ودرس الاعدادية في مدرسة غزة الجديدة للاجئين بمخيم الشاطئ.
أنهى دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين عام 1965.
غادر غزة والتحق بكلية الزراعة في جامعة أسيوط، ثم انتقل إلى جامعة الاسكندرية، ونال شهادة البكالوريوس في (الاقتصاد الزراعي) عام 1969م، بتقدير جيد جداً.
رفضت قوات الاحتلال السماح له بالعودة إلى القطاع بعد نكسة حزيران سنة 1967.
سافر إلى الأردن وانخرط في صفوف حركة فتح عام 1970 وبعدها انتقل إلى سوريا وعمل في مؤسسة "استثمار حوض الفرات" شمال سوريا.
عاد عسقلاني إلى الوطن بعد اغتراب قسري، بواسطة طلب (جمع شمل العائلات).
بدأ عسقلاني حياته العملية مدرساً في حقل التعليم لطلبة الثانوية العامة خلال الأعوام (1974-1994).
حصل على دبلوم الدراسات العليا من معهد البحوث والدراسات الإسلامية بالقاهرة عام 1983.
بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، عمل عسقلاني في وزارة الثقافة الفلسطينية، مديراً للإبداع الأدبي، وناطقاً إعلامياً لمعرض فلسطين الدولي للكتاب، ومديراً لدائرة الإعلام الثقافي، ومشاركاً في الكثير من النشاطات الثقافية في فلسطين وخارجها، ومثَّل فلسطين في موسم ربيع الثقافة الفلسطينية في باريس عام 1997.
شارك في سلسلة من الأعمال التطوعية منذ عام 1976م، والتي كانت تنظمها جمعية الهلال الأحمر مع العديد من البلديات والجامعات في الضفة الغربية وأراضي عام 1948، مثل: (جامعة بيرزيت، وبلدية الناصرة).
صدر له: (رواية الطوق) و(زمن الانتباه)، و(نجمة النواتي 1999)، و(جفاف الحلق 1999)، و(زمن دحموس الأغبر) 2001، و(ليالي الأشهر القمرية 2001)، و(عودة منصور اللداوي 2002)، و(أزمنة بيضاء 2005)، و(ضفاف البوح 2006)، و(الأميرة البيضاء 2007)، و(أولاد مزيونة 2009)، و(هل رأيت ظل موتي 2011)، و(المنسي 2016).
وفي القصة صدر له: (الخروج عن الصمت 1979)، و(مجموعة حكايات عن براعم الورد 1991)، و (النورس يتجه شمالاً 1996)، (وغزالة الموج 2003)، و(عزف على وتر قديم 2005، ومذاق النوم 2010)، بالإضافة إلى (أول المرايا، ومقامات الوجد، والعزف على الوتر الثامن، وغناء لقمر بعيد، والتي ضمها كتاب أعماله القصصية الكاملة الذي صدر عام 2017).
وقد شارك عسقلاني بقصص قصيرة في أكثر من مجموعة مشتركة باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وكذلك في موسوعة الأدب الفلسطيني الحديث في الولايات المتحدة الأميركية باللغتين العربية والإنجليزية، الصادرة عن مؤسسة (بروتا)، والتي تشرف عليها الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي.

