كان للتطور الذي مر به المجتمع المصري وللظروف التي تضافرت بأنواعها لتخلق واقعًا يخضع لمؤثرات جديدة، الأثر على أوضاع المرأة التي أحسَّت بأهمية دورها بعد أن أزاحت الستار عن جمودها وتخلصت من انزوائها وخرجت تشارك في جميع الميادين، متسلحة بعقيدتها وإيمانها بقضيتها لتحارب الرافضين لتبوئها المركز الذي تجاهد من أجل الحصول عليه، لتعلن من على منبره نجاحها في تحقيق مطالبها. وعلى هذا الطريق الطويل والشاق، وتلك المصاعب التي واجهت المرأة في كل خطوة تخطوها، تتعثر مرة وتتقدم مرة أخرى، وترفض الظروف التي تخضع لها، وتعمل على الإطاحة بها وتطالب بحقوقها، وترفع صوتها وتقدم على قلمها وتتحدي وتتمرد مسيطرًا عليها الإصرار وقوة الإرادة والعزيمة لا تتراجع. وإن تكاتفت العوامل لتعوقها تكافح لتتخطاها، مستخدمة جميع الوسائل التي تمكنها من الوصول إلى أغراضها، ولإن لم يكن بالطرق القانونية ولكن بالواقع الذي فرض نفسه، وأخذ بيدها وأقنع الجميع بالحالة الجديدة التي وصلت إليها.
ومن هذا المنطلق كانت دراسة الدكتورة لطيفة سالم، التي تتبعت خطواتها ونفذت إلى أعماقها ولازمتها في جهادها وانتقلت معها عبر أعمالها، ومن خلال تلك المعايشة خرجت هذه الدراسة لتطرق قضايا جوهرية أثرت في المرأة وشكلت التغييرات التي طرأت عليها.
وانقسمت الدراسة إلى خمسة فصول بالإضافة إلى فصل تمهيدي وآخر ختامي، والفصل التمهيدي "المرأة قبل ثورة 1919" وهو مدخل يعرض عرضًا سريعًا لحالة المرأة من خلال عصور مصر التاريخية، وأسس التحديث لسياسة محمد علي، والتجديد الذي أقدم عليه إسماعيل، والتيارات الفكرية التي ارتبطت بتحرير المرأة ونتائجها العلمية المتمثلة في الحركة الثقافية وانعكاساتها.
وشمل الفصل الأول "العمل السياسي" الدور الذي لعبته المرأة في ثورة 1919 باشتراكها في المظاهرات واجتماعاتها وتأسيس خلالها التنظيمات النسائية التي بدأت بلجنة الوفد المركزية للسيدات، ومن خلالها تم التخطيط لاشتراك المرأة في سياسة حزب الوفد من أجل القضية الوطنية، وخضوعها للمؤثرات التي طرأت على الحزب وانجرافها في تيار الانقسامات التي أسفرت عن ميلاد اللجنة السعدية للسيدات والاتحاد النسائي المصري، ثم لجنة السيدات الأحرار.
ومضى كل منها يعمل بالطريقة التي تتفق والانتماء السياسي، وإن تجمعت حول رغبة المرأة في المشاركة السياسية وإحساسها بمسئولياتها تجاه وطنها وبواجبها في العمل علي تحريره والنهوض به، وشوهدت الدلائل التي سجلت للمرأة مواقفها الوطنية الحماسية، وبالطبع شكلت مسألة حصول المرأة علي حقها السياسي في الانتخاب والترشيح مسألة جوهرية في كفاحها.. وبذلت كل المساعي واستخدمت جميع الطرق لتمكنها من دخول البرلمان حتى تتم مشاركتها للرجل ولكن لم يتحقق ذلك.
واحتوى الفصل الثاني "المشاركة الاجتماعية" على المؤسسات التي أسستها المرأة للعمل الاجتماعي الذي وجدت فيه المناخ المناسب للظهور، ولإثبات شخصيتها من ناحية، وخدمة المجتمع من ناحية أخرى.
وبالطبع كانت الجمعيات هي الأساس الذي اعتمدت عليه في تنفيذ سياستها، وتعددت تلك الجمعيات وكثرت وبذلت القائمات عليها المجهودات، وتنافسن في الوصول إلى النتائج التي وشمها برنامج كل جمعية، واستمرت الخطوات العملية والتحركات لتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية؛ فطرحت المطالب التي التمست تغييرًا جوهريًا في وضع المرأة علي المسئولين وفي الصحافة، وأعلنت في الاجتماعات وترددت في اللقاءات، ولقيت الكثير من التشجيع والتأييد وشغلت الرأي العام ردحًا من الزمن. ويوضح الفصل الثالث "التعليم والثقافة" الأهمية التي اعتمد عليها في تشكيل وتكوين المرأة الجديدة، وفيه اتضحت السياسة التعليمية التي أجبرتها الظروف على الاهتمام بتعليم البنات، فأنشئت المدارس والمعاهد وأرسلت البعثات. وكان الإدراك والوعي واضحين في تلك المسألة، وقد تمكنت الفتاة من إثبات قدرتها، مما أجبر المسئولين على التوسع في التعليم.. وما لبثت الجامعة أن فتحت أبوابها للراغبات في إتمام تعليمهم، فدخلنها بكل ثقة وتفوقن فيها على زملائهن، أيضًا مثلت عملية نشر الثقافة بين النساء مهمة ملموسة كللت بالنجاح، وتهيأت لها الفرصة فحالفها التوفيق في إتمام رسالتها، وأثر المجال التعليمي عامة على وضع المرأة وكيانها وبلور شخصيتها بعد أن تحررت من قيودها ووأدت الجهل الذي لازمها زمنًا طويلًا.
ويصور الفصل الرابع "ميدان العمل" والتقدم الكبير الذي وصلت إليه المرأة بعد أن تفجرت قضية خروجها إلى الحياة العامة وانتصرت على النظرية التي تنادي ببقائها في بيتها، وأن مهمتها العمل داخله وليس خارجه، وتعددت المجالات التي عملت فيها.
وفي البداية فرضت مهنة التدريس نفسها عليها، فعملت بها ونجحت فيها وتغلبت على الصعوبات التي واجهتها، والتحقت المرأة بالوظائف العامة، ورغم التضييق الذي حوصرت به إلا أنها تمسكت بوظيفتها.
وجاء عمل خريجات الجامعة ليضع الأسس الراسخة لحق المرأة في العمل بعد أن تساوت شهادتها مع الرجل، ووضح الأمر مع المحاميات ثم باقي الخريجات.
وكان عمل المرأة بالصحافة تغييرًا هامًا لأنه أعطاها المكانة في الوقت الذي تمكنت فيه من تبني قضاياها وغرضها إثارة الأفكار والآراء حولها، وأخيرًا نجاحها في تحقيق كثير من أهدافه.
كذلك شاركت المرأة في الميدان التجاري، وقادت الطائرة وعملت في البوليس، وامتهنت الفن بأنواعه، التمثيل والإخراج والموسيقي والفن التشكيلي. وأخيرًا العاملات اللاتي طحنتهن ظروف الحياة وشاء قدرهن أن يكن أسفل السلم الاجتماعي رغم محاولات التحسين من أوضاعهن.
ويبين الفصل الخامس "المطالب في دور التحقيق" جهاد المرأة في تحسين قانون الأحوال الشخصية، ووضع حد للجنوح الذي استغلته أيدي العبث عن طريق الترخيص الذي منح في عدة قضايا أنزلت بقدر المرأة، منها الزواج ونجحت في وضع قواعد له، وتعدد الزوجات ومحاربته، والطلاق والمساعي لتقييده والحد مما يتبعه من إجراءات قاسية، والنسل وتحديده، والمبالغة في طلب المساواة التامة مع الرجل، ثم الثورة على الحجاب وإقصائه، وإعلان السفور وتشجيعه والاختلاط والدعاية له، وردود الفعل علي المجتمع عامة والمرأة خاصة.
ويأتي الفصل الختامي "النشاط الدولي" ليعرض المجهودات التي قامت بها المرأة خارجيًا وداخليًا من أجل القضايا الدولية، وخاصة ما يمس منها أوضاع المرأة.. وقد برهنت المرأة المصرية من خلال المؤتمرات والأحداث أنها كفء لمسايرة المرأة الأوربية، ولا تقل عنها في الرأي والفكر، ولم يثنها عن عزمها العقبات التي اعترضتها؛ فأثبتت قدرتها وأوضحت النتائج المرضية للمبادئ التي نادت بها وحققتها بعد أن برزت على الصعيد الدولي لتكون شاهد عيان للجميع لما وصلت إليه المرأة المصرية من قدرة ومكانة ورقي.
وفي النهاية جاءت الخاتمة لتسَّطر بضع كلمات حول نتائج الدراسة التي يتبين منها أنها اعتمدت علي الدوريات بالدرجة الأولي، والبحث فيها لاستخلاص المعلومات ومقارنتها للوصول إلي الحقائق.
وعلى أية حال، فإن أوضاع المرأة عامة لم تمض على وتيرة واحدة كالتي خضعت لها فترة طويلة منذ أن دخلت مصر في حوزة الدولة العثمانية إلى نهاية سيادتها عليها؛ إذ كان التحرك السياسي والذي لازمته المشاركة الاجتماعية عاملًا هامًا فيما حققت المرأة في تقدمها. كما نهض بها التعليم والعمل؛ فاستطاعت أن تقف على أقدام ثابتة، وتطالب بحقوقها بكل قوة بعد أن دعمت موقفها بالخطوات الشرعية التي اجتازتها.. ورغم قصر الفترة الزمنية من عام 1919 إلى عام 1945 إلا أن المرأة تمكنت من اكتساب النقاط في صالحها الواحدة تلو الأخرى، وكل منها هي حصيلة لمجهودات مضنية سلكتها وضحت من أجلها.
ومما لا شك فيه أنه كانت هناك ردود فعل لم ترق في أعين الكثيرين وأثرت في المجتمع بناء على التغييرات الاجتماعية لأوضاع المرأة وضحت من خلال الدراسة والتي عاقت المسيرة بعض الشيء، وذلك عندما فهم البعض من النساء معني الحرية فهمًا حاد بها عن الطريق المطلوب، ولكن ما لبث الأمر أن تلاشت تلك الثغرات ليأخذ التقدم مساره السليم الذي رسم له من البداية وهذه طبيعة التغير، فلا يخلُ من هفوات سرعان ما تزول لتسجل المرأة الفوز في النهاية.

