Menu

فن الدراما عند رشاد رشدي

عطا درغام

بدأ رشاد رشدي الكتابة للمسرح عام 1959 عندما قدم له "المسرح الحر" مسرحية "الفراشة".. ولكن اهتمامه بالمسرح بدأ قبل ذلك بوقت طويل يرجع إلى أوائل الأربعينيات بحكم عمله بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة القاهرة ثم رئاسته لها..     

وكان يقوم بتدريس النقد والدراما وتخرج على يديه كثيرون ممن يعملون الآن في ميادين الفن سواء الذين يشتغلون بالخلق الفني أو بالنقد الفني التحليلي.. ولذلك فإنه من الطبيعي بالنسبة لرشاد رشدي أن يستفيد بخبراته الفنية في هذا الميدان المبكر بالنسبة للوطن العربي، وخاصة له محاولات قبل ذلك في الخلق الفني كما نجد في مجموعته القصصية "عربة الحريم" وأيضًا في مسرحيات الفصل الواحد التي كتبها باللغة الإنجليزية.   

ولذلك فإنه ليس من قبيل الصدفة أن يكتب رشاد رشدي للمسرح لأن مسرحياته امتداد حي لنشاطه الأدبي والنقدي.. بدليل أنه أقام مسرحياته على آرائه النقدية التي اعتنقها منذ اشتغاله بالنقد، بل وأحالها في بعض الأحيان إلى تطبيقات عملية لها.   

وإن كان هذا قد غلب الناقد داخله علي الفنان في بعض الحالات إلا أنه استفاد من أبحاثه النقدية في تجنب التسطيح والمباشرة والتقرير والمواقف ذات البعد الواحد والشخصيات التي نراها من جانب واحد.. إلخ.. أي أن الصفة الأساسية التي تميز أعماله عامة تكمن في الموضوعية البحتة التي تنأى عن شخصية الكاتب وآرائه الخاصة في الحياة.. وهي الصفة التي كثيرًا ما نفتقدها في الأعمال الادبية المعاصرة التي تعتقد أن البلاغة الأدبية هي التعبير الصادق عن إحساس صادق.. يقول رشا رشدي عن "بلاغة العمل الأدبي" في كتابه: ما هو الأدب؟

"البلاغة في مفهومها القديم هي التعبير الصادق عن إحساس صادق، ولذلك نجد النقاد يربطون البلاغة بالأسلوب، ويعتبرون الأسلوب البليغ هو الأسلوب الذي يعبر تعبيرًا صادقًا عن شخصية الكاتب".     

ولقد ظل هذا المفهوم للبلاغة سائدًا إلى أن قام "النقد الجديد" بعد الحرب العالمية الأولى بقليل، فغير مفهوم البلاغة كما غير المفهومات الأخرى للأدب والنقد- فنجد ت.س. إليوت يكتب في سنة 1919، فيقول "إن الفن ليس تعبيرًا عن إحساس صادق مهما بلغ الإحساس أو التعبير من الصدق، كما أنه ليس تعبيرًا عن شخصية الفنان، فالفنان لا يخلق فنًا عظيمًا بمحاولته التعبير عن شخصيته تعبيرًا متعمدًا مباشرًا، بل هو يعبر عن هذه الشخصية بطريق غير مباشر عندما يركز جهده في خلق شيء محدد.  

تمامًا كما يصنع النجار الكرسي أو المهندس الآلة، وكلما ازداد انفصال الشخصية عن عقلة الخالق، زاد اكتمال الفنان وازدادت قدرة عقله الخالق على تفهم المشاعر المختلفة التي هي مادة الفن وعلى إحالتها إلى شيء جديد وهو العمل الفني..".

ومن هنا كان اهتمام رشاد رشدي بالشكل وعلاقته الحية بالمضمون الذي يدور حول الخصائص المميزة لفن الدراما عنده، والتي تمثلت في الدافع الجنسي، والدور الذي تلعبه أوهام الماضي في تشكيل الكيان النفسي للشخصيات وتفكيرها، ووظيفة الرمز داخل النسيج، والدور الذي تلعبه أوهام الماضي في تشكيل الكيان النفسي للشخصيات. ورغم أن هذه الدراسة التي قام بها الدكتور نبيل راغب بعنوان (فن الدراما عند رشاد رشدي) حللت كل خاصية على حدة في فصل مستقل بها، فإن هذا لا يعني الفصل والعزل بينها لأن الدراسة تقوم على التحليل الذي يدرس العنصر الواحد في ضوء علاقته بالعناصر الأخرى، ولا تعتمد علي التشريح الذي يدرس العنصر الواحد كوحدة مستقلة بذاتها مما يحيل العمل الفني إلي جثة فاقدة للحياة.

ولذلك تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول تعالج "الشكل الفني" و"الدافع الجنسي" و"وظيفة الرمز" و"أوهام الماضي".. ليس سوى افتراض نقدي من أجل التحليل لأنه في نهاية الدراسة، سنجد أن الفصول الأربعة بدأت من العمل الفني ككل عضوي وانتهت إليه كجسم حي أيضًا.. وهذا رجع إلى إيمان رشاد رشدي بقيمة الشكل.. يقول في نفس الكتاب في فصل تحت عنوان "ما هو الشكل؟"  

"والشكل هو أن يُثير الفنان في نفس القارئ أو المتفرج أو المستمع رغبة طبيعية ويرضيها، فإذا مهد الشاعر في نفس القارئ لحالة شعورية معينة كان لا بد له أن يتبع ذلك بما يرضي هذه الحالة ويشبعها".      

كما أن في الموسيقي ما من نغمة إلا ولها ما يقابلها.. ومن هنا كانت الحتمية في العمل الفني، لأنه يندرج بنا من مرحلة إلى مرحلة أخري حتمتها المرحلة الأولي عن طريق المفارقة أو الاقتران أو التنويع أو التوحيد أو التكرار أو المقابلة أو أي شكل من الأشكال الطبيعية التي تزودنا بها الحياة، والتي يحسمها العمل الفني في تفاصيله وفي مجموعه.. وإن شئت فقل إن العمل الفني إنما هو بمثابة الرداء الذي يكسو به الفنان هذه الأشكال الطبيعية فيكسبها فردية تمكنها من أن تثير في نفوسنا إحساسًا بها بغض النظر عن الرداء نفسه. فالحدث الذي تقوم عليه قصة ما لا قيمة له في نفسه وإنما قيمته في قدرته على تجسيم الشكل.

وكذلك الظلال والألوان في الصور والنسب والأبعاد في التمثال والأنغام في الألحان في الموسيقي لا قيمة لها في ذاتها، وإنما في تتابعها في نظام معين يحقق إثارة إحساس بالطبيعي، أي بالشكل لأن الشكل هو إخضاع الحقائق لإثارة إحساس معين لا السعي وراء الخالق في ذاتها ولذاتها؟