يصطف الجنود على الرقعة في انتظار الخطوة ألأولى للهجوم، وأحياناً في انتظار لحظة الدفاع، ليس محور الحديث هنا، بل تكمن الفكرة أن الجنود مهمتهم الأساسية الدفاع عن القيادة التي تقف خلفهم، "خصوصاً الملك"، تبدأ المعركة بين كر وفر، وربما تنتهي من الخطوات الأولى، وربما تستمر لخطوات عديدة، تكون طويلة ومعقدة، ولكن النتيجة النهائية أن الملك يجب أن لا يسقط عن الرقعة، ومن أجل ذلك يتقدم هؤلاء الجنود في استماتة غبية لبقاء العرش، وحماية المملكة التي يقودها سارق التاج من الخلف، فهم بالنسبة للملك عبارة عن مرتزقة على الرقعة للدفاع عن نرجسية قطعة واحدة، حيث يموت الأغلبية في سبيل الأقلية، وهنا المفارقة العجيبة.
يحاول الملك الهروب إلى المربع الأسود غالباً عندما يبقى وحيداً، ومراوغا مرة أخرى عبر المربع الأبيض عندما لا يستطيع أن تحميه القطع الأخرى، ولكن لا بديل ثالث أمامه، أما السقوط قتيلاً، أو الاستسلام والاعتراف بانتصار الخصم، ومهما حاول اللعب على العاطفة فالمصير أصبح حتمياً، والتوبة أمام مواجهة الحقيقة في هذه اللحظة غير مقبولة، حيث التاريخ هنا يثأر من دكتاتورية اللعبة، ومن اللعنات التي سقطت مع الجندي الأول، كأن الرقعة تسأل: لماذا لم تكن في الصف الأول أنت؟
العجيب في اللعبة أن الملك لا يموت بسكتة قلبية قبيل بدء المعركة، أو حتى قبلها، وحتى لو مات طبيعياً دون حرب هل يكون ذلك ثأر؟
بالطبع لا، إن انتظار الملك أن يرحل دون قتال، كأن هناك امرأة سوف تلد طفلاً دون زواج، مع الاحترام طبعاً لمريم العذراء، وماذا يعني أن يموت الملك هكذا دون سبب، دون جزاء؟
ذلك يعني جريمة بحق الرقعة بالإساس، القصد هنا أن على الملك أن يتجرع من الكأس الذي تجرع منه الجنود.
لماذا لا تهزم الرقعة عندما يموت الجنود؟ فالجنود هم رأس الحربة والأكثر عدداً، وجرأة، وشجاعة، وبسالة، ويخوضون المعركة من زقاق إلى زقاق، محاولين اقتحام السد، ومدافعين عن مربعاتهم، ولذلك لن تكون هناك عدالة على رقعة الشطرنج طالما لا يتساوى الجندي مع الملك في حالة الحرب وفي حالة السلم، وللبحث عن إجابة لهذا السؤال نستطيع القول أن المعركة بالإساس ليست للجنود فيها ناقة أو جمل، بل هي بالجنود، وخصوصاً عندما يبقى الملك الأبيض فقط على الرقعة مع الملك الأسود يتقاسما الغنائم، ولا عجب في ذلك، حيث الملكان هنا معجونان من نفس الطين.
على الجنود عند الوقوف على الرقعة أن يقوموا أولاً بإزاحة الملك من اللعبة قبل بدء المعركة، لتصبح المواجهة ممتعة، بالطبع الحديث يدور هنا عن تحطيم أحد أبرز قواعد اللعبة، ولكن لنأخذ الحديث بجدية، وليصبح الهدف ليس الحفاظ على حياة الملك بل الحفاظ على الرقعة، حيث تصبح اللعبة هنا أكثر استمتاعاً، لأن الجندي هنا يموت في سبيل وجوده، لا في سبيل وجود ملك سوف يتصافح مع الملك الخصم عندما يموت الجميع.
وعلى الجنود أيضاً أن يقوموا بإزاحة الملك، حيث الملك لا يخوض المعركة بهم على الرقعة دفاعاً عن مدارسهم، وكنائسهم، ومساجدهم، وحفلات طهورهم، وأحلامهم، ومستقبلهم...، بل دفاعاً عن سجونه، وقصوره، ومائدة طعامه، وخزينة دولته، وحدود إقطاعتيه، وقبور معارضيه، والقائمة تطول...
أكبر خطيئة يرتكبها الجنود الذين خرجوا من اللعبة دون موت، ولكنهم حتماً خرجوا مهزومين، هي القبول بحرب جديدة مع ملك جديد، لأنهم شاهدوا رفاقهم يموتون في سبيل قضية غير عادلة، وهم خرجوا مثقلين بجراح عديدة، فالملك الجديد هو الابن البار للملك المقتول في المعركة السابقة، خصوصاً إذا قام بوضع الجنود السابقين في الصف الأمامي، ولذلك على الجنود أن يتعلموا شيئاً، أن من يجلس في الصف الأول في المدرسة هو الطالب الذكي، والذكي لا يقبل أن يخوض معركة ليست في سبيل الجميع، إلا إذا كان مهزوماً من الداخل.
أصعب ما يجري على الرقعة هي أن الوزير، والفيل، والحصان، والقلعة جميعهم جاؤوا ليحموا الملك، ليس فقط الجنود يفعلون ذلك، وهذه الحقيقة تدركها القيادة ربما في الصف الثاني على الرقعة، فقبل ذلك ربما كانوا في مناصب عدة، مستمتعون بمراكزهم، ولكن عند بدء المعركة يتساوون مع الجنود، وذلك يحدث ليس تطوعاً، بل رضوخاً للملك وشهواته، والغريب أكثر أنهم يقاتلون فعلاً، ويموتون.
هؤلاء الجنود يبدو عليهم أن يدركوا أنهم ليسوا بحاجة ملك، بل بحاجة قائد منهم جندي سابق يفهم خطة المعركة، ويفهم أكثر أن أحد الجنود يحمل في جيب قميصه العسكري صورة عشيقته التي يتمنى أن يعود لها حياً منتصراً، لا أن يعود لها دموعاً وعويلاً، وبقع دماء، وقبر مليء بالزهور، ذلك لا ينجب أطفال، ويبدو أيضاً أن الجنود عليهم إدراك أن أي معركة لم تكن من أجل الرقعة سوف يخسرون أنفسهم أولاً، وسوف يخسرون الرقعة أبداً، ومن أجل ذلك عليهم أن يصرخوا في وجه الملك "كش.. كش ملك"، ولتكن حرب الجنود، وإذا قتلوا ها هم ماتوا محاولين، وإذا عاشوا ها هم منتصرين.

