Menu

العصيان المدني قادم..

تقريرحراك نقابة المحامين.. صوتنا العالي في وجه الظلم والفساد

أحمد بدير

الضفة المحتلة _ خاص بوابة الهدف

تستمر نقابة المحامين الفلسطينيين في معركة النضال النقابي التي تخوضها دفاعًا عن مبادئ الحق والعدالة ورفضًا لإنفاذ القرارات بقوانين المعدّلة للقوانين الإجرائيّة وقانون التنفيذ، حيث أصبحت هذه المعركة محط اهتمام الشارع الفلسطيني، وسط حالةٍ من الدعم والمؤازرة الغير مسبوقة من النقابات المهنية ومؤسّسات العمل الأهلي والقوى الوطنية والقطاع الخاص وانخراطها في الخطوات الاحتجاجيّة المشروعة المعلن عنها من قِبل النقابة.

جاءت هذه المعركة النضاليّة انتصارًا لفكرة الدفاع عن حقوق المواطن الفلسطيني من عسف التشريع الاستثنائي، والتي ما لبثت أن طوَّعت القواعد الدستوريّة على خلاف سموِّها وعلوِها، لذلك أخذت نقابة المحامين على عاتقها مسؤوليّة الدفاع عن حقوق وكرامة المواطن الفلسطيني، ومستمرة في فعالياتها المركزيّة بمدينة رام الله وسط الضفة المحتلة.

في مقابل ذلك، وفي ظل استمرار هذا الحراك القانوني المتصاعد لنقابة المحامين في الشارع، يُقابل كل ذلك بتهميشٍ وصمتٍ مطبقٍ من قبل الحكومة الفلسطينيّة والجهات الرسميّة المختصة، إلّا أنّ النقابة وجموع المحامين يصرّون على الذهاب إلى نهاية الطريق حتى تحقيق كافة المطالب المشروعة.

ما هي القرارات بقوانين التي فجّرت الغضب؟

يقول أمين سر نقابة المحامين الفلسطينيين داوود درعاوي لـ"بوابة الهدف الإخباريّة"، إنّ "ما فجّر الأزمة الأخيرة هي القرارات بقوانين المعدلة لقانون الإجراءات الجزائيّة وقانون أصول المحاكمات المدنيّة والتجاريّة، وقانون التنفيذ، باعتبارها القوانين الإجرائية الناظمة للعمل القضائي، أي هي التي ترسم حدود التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة، والعدالة الناجزة، هذه النصوص التشريعيّة التي تضمنتها هذه القوانين أقرت أمام المجلس التشريعي المنتخب والتي استغرق إقرارها وقتًا طويلاً بمُشاركة خبراء ومرورًا بعدّة قراءات في المجلس التشريعي، اليوم وبجرّة قلم أُفرغت هذه القوانين الإجرائيّة من مضمونها، والتي تمثّل ضمانات لحقوق الانسان في ممارسة الحق في التقاضي واللجوء إلى القضاء والقاضي الطبيعي، وخاصّة تلك التي طالت قانون الإجراءات الجزائيّة المتعلّقة بالقرينة في البراءة، والحق في الدفاع ،والحق في المثول الجسدي أمام قاضي التوقيف وغيرها..".

وأوضح درعاوي خلال حديثه: "على سبيل المثال ألغي مبدأ علنية التقاضي أمام محكمة الاستئناف في القضايا الجزائية، أي أصبحت تُنظر هذه القضايا من قِبل قاضيين وليس ثلاثة قضاة تدقيقًا، أي دون حضور الأطراف ولا محامي الدفاع، وتصدر أحكامًا بالذات في الأحكام الصلحية التي تصل فيها العقوبة فيها إلى ثلاث سنوات، ويكون القرار الصادر عن قاضيي الاستئناف قرارًا قطعيًا غير قابل للنظر أمام محكمة النقض باعتبارها درجة التقاضي الثانية، وأصبح عبء إحضار شهود الدفاع من مهمة المتهم، والذين هم في الغالب أفراد الضابطة القضائيّة، وبكل تأكيد لا يستطيع المتهم إحضار شهود الدفاع لأنه ليس لديه القوة التنفيذيّة لإحضارهم بنفسه للشهادة والمحاكمة، وإذا لم يحضرهم يعتبر عاجزًا عن تمثيل الدفاع".

295836189_5512680065477600_5020257440219203585_n.jpg
باب الإفلات من العقاب سيُفتح أمام الجناة

ويُتابع درعاوي: "أيضًا عدّلوا نصوص تتعلّق في منح حصانة تشبه حصانة أعضاء المجلس التشريعي للقائمين على إنفاذ القانون وأفراد الضابطة القضائيّة ولا يجوز ملاحقتهم على الجرائم التي ترتكب من قِبلهم أثناء أداء عملهم إلّا بإذن خطّي من النائب العام، وهذا ما سيفتح الباب أمام إفلات الجناة من العِقاب، لأنّه وبموجب هذه التعديلات لا يجوز ملاحقتهم إلّا بإذن من النائب العام، وأيضًا من النصوص الخطيرة التي طالتها التعديلات هي تمديد توقيف المتهمين أثناء فترة التحقيق خاصّة أولئك الذين يُنقلون ما بين المحافظات دون حضورهم الجسدي أمام قاضي التوقيف، لأنّ الحضور الجسدي للمتهم في فترة التحقيق أمام قاضي التوقيف هو الضمانة لعدم ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية والحاطّة بالكرامة، لأنّ القاضي يوثّق ويُسجّل في جلسة التمديد مسألة تعرّض المتهم للتعذيب، ولإخفاء مسائل لها علاقة بالتعذيب خاصّة بحق من يتم نقلهم بين المحافظات إلى اللجنة الأمنية سيئة الصيت والسمعة في أريحا، مع العلم أنّه لا يتم نقل أي متهم إلى هذه اللجنة الأمنية إلّا لغرض التعذيب وانتزاع الاعترافات، وآثار التعذيب تكون بادية على أجسادهم، وهذا النص جاء ليحمي ممارسي التعذيب من الملاحقة وعدم تثبيت وقائع التعذيب في جلسات المحاكمة".

ويُؤكّد درعاوي أنّ "هذه هي بعض الملاحظات التي جاءت عليها القوانين، عدا عن مسألة التبليغات وإنكار التوقيع على الأوراق التجاريّة، والأخطر في هذه التعديلات ما جاء في مسألة مضاعفة رسوم المحاكم مئات المرات، بحيث تحول جميع هذه الإجراءات دون وصول المواطن الفلسطيني البسيط إلى مرفق القضاء، وهذا المرفق سيكون في القضايا التجاريّة والمدنيّة وقضايا التنفيذ هو خاص وحكر على شريحة مقتدرة ماديًا من الشعب الفلسطيني، وأصلاً هذه الشريحة بطبيعة حالها لا تحتاج إلى القضاء كي تحل مشاكلها، بل يكون لهذه الشريحة إمكانيات نفاذ داخل السلطة التنفيذيّة تُسهّل عليها إنهاء قضاياها دون اللجوء إلى القضاء، لكن المواطن الضعيف والبسيط هو من يلجأ عادةً إلى القضاء، وبعد هذه التعديلات تصبح تكلفة لجوئه إلى القضاء أعلى بكثير من قيمة الحق الذي يُطالب به، ومعيقات التقاضي التي تنال من ثقته في إجراءات وضمانات سير المحاكمة ستدفعه حتمًا بعيدًا عن المحاكم وباتجاه أن يأخذ حقّه بيده وهذا هو الخطر الذي يُهدّد السلم الأهلي ويُلقي بمزيدٍ من الحطب أمام النار المشتعلة في مسألة السلم الأهلي".

العصيان المدني قادم..

من ضمن الإجراءات القاسية التي هدّدت نقابة المحامين باتخاذها في سياق هذه المعركة النقابيّة إذا واصلت الجهات المختصة صمّ آذانها هي الدعوة لاجتماع غير عادي للهيئة العامة من أجل الانتقال الجماعي الطوعي لسجل المحامين غير المزاولين، وهو ما يعدّ شكلاً من أشكال "العصيان المدني"، ويُعتبر سابقة في تاريخ نقابات المحامين في العالم.

وفي هذا الإطار يقول درعاوي: "نحنا حذّرنا سابقًا من أقسى خطوة ممكن أن نتخذها على صعيد النقابات المهنية، وهي اللجوء إلى وسيلة العصيان المدني، وهي وسيلة مشروعة وسلميّة، وهذه الخطوة استدعتها الحركة الحقوقيّة عالميًا في مواجهة القوانين الجائرة والظالمة، ونحن في نهاية شهر تموز/ يوليو الجاري إذا لم تتوقّف هذه القرارات بقانون ستجتمع الهيئة العامّة غير العاديّة لنقابة المحامين وستتخذ قرار الانتقال الجماعي إلى سجل المحامين غير المزاولين، وهذا السجل يضم محامين لا يزاولون المهنة لأسبابٍ عديدة منها: السفر أو العمل في وظيفة عموميّة أو أوضاع صحيّة وأسبابٍ أخرى، ولا يستطيع المحامي إذا كان مدرجًا في هذا السجل المثول أمام المحاكم أو التوقيع على أيّة عقود أو المثول أمام النيابة العامّة أو المثول أمام الدوائر الرسميّة والمؤسّسات الأهليّة في القطاع الخاص، وهذه الحالة التي لا نتمنى الوصول إليها لأنّها ستطيح بالنظام القضائي الفلسطيني بشكلٍ كامل إذا ما تم الإصرار على هذا النهج والعبث التشريعي وإدارة الظهر لنقابة المحامين والتعاطي مع حراكها وكأنه موجود في دولةٍ أخرى، وبكل تأكيد ستكون النتائج وخيمة ومدمّرة".

دقّوا جُدران الخزّان

وشدّد درعاوي على أنّ "النقابة منفتحة منذ البداية على الحوار ومسألة الشراكة، لأنّنا شركاء في بناء العدل، وإذا ما كان هناك استجابة ووقف لهذه القرارات بقانون فستكون الأمور وخيمة، خاصّة وأنّ نقابة المحامين اليوم لا تخوض معركةً خاصّة بالمحامين، بل تخوض هذه المعركة نيابة عن أبناء شعبنا الذين عانوا من غياب ممثلهم الأساسي وهو عضو المجلس التشريعي الذي يجب أن يكون نتاج مجلس منتخب بانتخابات عامّة، وأن يُعاد الاعتبار للتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع ليعود مبدأ سيادة القانون ويقف على الركائز الأساسية لاستقلال القضاء، لأنّ الشعب مصدر السلطات، وكل ذلك جعل المواطن الفلسطيني تحت رحى عملية طحنٍ ممنهجة منذ الانقسام الفلسطيني وحتى هذه اللحظة، فهذا المواطن لم يعد يعلم من أين يتلقّى عملية الطحن والظلم، سواء من الاحتلال أو من الوضع الداخلي أو من حالة الفساد والظلم والجور المستشري في النظام الشمولي أو غيرها".

295949767_5512680588810881_7352143246326184699_n.jpg
وفي ختام حديثه مع "بوابة الهدف"، أكَّد درعاوي، أنّ "المواطن الفلسطيني في هذه الحالة لم يعد أمامه سوى أن يدق جدران الخزان، لأنّه في جميع الأحوال يموت صمتًا وخوفًا وطحنًا بفعل الظروف القاهرة التي فرضت عليه، لذلك لابد من طرق جدران الخزان وبقوّة، لأنّه إذا كان لابد من الموت، فلنمت بشرف وعزّة وكرامة".

معركة النقابة تُدافع عن الكل الفلسطيني

في السنوات الماضية كانت هناك العديد من الحراكات النقابيّة المطلبيّة في الضفة المحتلة، سواء حراك المعلمين، أو الأطباء، أو السائقين وغيرها من حراكات النقابات التي تدافع عن حقوق أعضائها، ولكنّ كان لافتًا حجم الالتفاف حول المعركة النضاليّة التي تخوضها حاليًا نقابة المحامين لأهمية وقداسة صوتها المرفوع في وجه السلطات بالنيابة عن أبناء شعبنا وخاصّة الفقراء والمعوزين منهم.

في هذا الجانب، يرى المحامي مهند كراجة، مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة"، أنّ "أهمية المعركة النضاليّة التي تخوضها نقابة المحامين تنطلق من أنّ هذه المعركة تدافع عن الكل الفلسطيني، ولا تدافع عن المحامين بشكلٍ أساسي، بل تدافع عن الناس في وجه القوانين التي تمس حرياتهم وبضمانات المحاكمة العادلة، في ظل أنّ القوانين المقصودة لا تمس مهنة المحاماة حصرًا، بل تمس المجموع الفلسطيني وخاصّة الطبقات الفقيرة والمهمّشة".

ويلفت كراجة في تصريحٍ لـ"بوابة الهدف"، إلى أنّ "المميّز في هذا الإضراب هو أنّ هؤلاء المحامين يدافعون اليوم عن حقوق الناس، وكل التعديات التي تمس مهنة المحاماة هناك موافقة من الحكومة على تعديلها وحتى إلغائها، ولكن سقف مطالب نقابة المحامين لا يتحدّث عن المهنة بقدر ما يتحدّث عن المطالب التي لها علاقة بحقوق الناس".

وبحسب كراجة، فإنّ "هناك تدخلات من أجل الوصول إلى حل، ولكن حتى هذه اللحظة لا يوجد تقدّم حقيقي، والأهم هو أنّ هذه القوانين تم نشرها والعمل فيها قبل شهور تم وقف العمل فيها بعد العديد من الإضرابات والوعودات بتعديلها وعليه تم وقف الفعاليات الاحتجاجيّة في السابق، إلّا أنّ السلطات أرجعت نفس القوانين دون أي تعديلٍ يُذكر".

التعديلات تعبث في النظام القضائي

ومن جهته، شدّد ماهر العطّار، رئيس التجمُّع الديمقراطي للمحامين والقانونيين، الإطار النقابي للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، على مساندة ودعم التجمّع للفعاليات النقابية المستمرة الرافضة لإنفاذ القرارات بقوانين المعدلة للقوانين الإجرائية وقانون التنفيذ، التي أقرّها الرئيس محمود عباس في شهر مارس/ آذار الماضي والتي دخلت حيز النفاذ الشهر الجاري.

وأشار العطار خلال مقابلةٍ مع "بوابة الهدف"، إلى أنّ "التعديلات المعمول فيها بدأت كما هي دون الأخذ بأيٍ من ملاحظات النقابة التي قدمتها بمذكرةٍ قانونيّة، ولذلك تخوض النقابة فعاليات من أجل العدول عن هذه التعديلات"، مُؤكدًا أنّ "التجمُّع يُساند ويدعم نضالات وفعاليات نقابة المحامين ضد التعديلات القانونيّة التي أدّت للعبث في النظام القضائي، وهذه القوانين هي بالأصل تقوم على عمل المحاكم وفيها اهدار كبير لحقوق الناس".

وختم العطّار حديثه مُطالبًا "بإلغاء كافة التعديلات القانونية والقرارات بقانون المعدلة للقوانين الإجرائيّة وقانون التنفيذ، والمشاركة الجماعيّة في الضفة و غزة في المعركة النقابيّة العادلة، والانتصار لواجب المحامين المقدّس في الدفاع عن مبدأ سيادة القانون والدفاع عن حقوق المواطنين وحريّاتهم العامة".

وتعترض نقابة المحامين على تعديلات أُدخلت على قوانين التنفيذ وأصول المحاكمات المدنيّة والتجاريّة والإجراءات الجزائيّة، كونها تمسّ المحاكمات العادلة والحقوق والحريّات، وتمسّ المحامي وتجعل منه متّهمًا بحسب النقابة، فيما يؤكّد مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني أنّها جاءت ضمن السعي إلى "تقليل أمد التقاضي والوصول إلى العدالة الناجزة".

295992208_5512677015477905_865497812520235095_n.jpg
296108165_5512674455478161_6153743970542160267_n.jpg
295902601_5512681512144122_6664095017886681686_n.jpg