Menu

الانتهازيّ

عبد النور الهنداوي

... إنها تزغرد لنفسها، وهذه مهنة رائعة، ما دام الانتهاك يغتسل أمامها بالزجاج، بسرعة البرق امتلأت بالزمن، وبالأسئلة الجارحة، واستعملت غوايتها بجدارة، لتظلّ قريبة من مأواها؛ ممّا يحفّزها على التقاط صور فوتوغرافية لجسدها كي لا تجتاحها الخرافة. وجهاً لوجه، صنعت الانتهازية تمثالاً لأصابعها لتمارس معناها على أكمل وجه.

وقبل الدخول في قرائتها، علينا أن نجيد العزف على أي شيء من أجلها.. كي لا نتكئ على ظِلالنا، وبعد ذلك، نطلب من الدهشة أن تظل واقفة على باب القدر.. لنشهد من أجلها حين كانت تراقبها الدموع!

الانتهازية كلمة مرادفة تماماً للخيانة، ومهمتها تعذيب الحرية حتى تصير بنكهة الرماد، متواطئة مع الدم المسفوح الذي هو دم أهلها في الانتماء.

بكل ما نزَفَت في مكاننا، تنزف أصابعها في مكان آخر من بلادها.. لأن الحرية التي لا نعرفها، هي الحرية المتوحشة. هذا النوع من الكلام، يتطلّب نوعاً آخر من الآهات، وكأن لسان الحال يقول: لقد حان الوقت لنكون جميعاً ضدّ المكان في المكان، وخارج المكان في آن.

الانتهازيّ.. لا يحق له أن ينام بين الأزهار والأزهار كي يُحدث أزمة في الدهشات، مع ملاحظة دقيقة، استبداله الوردة بالحائط! صحيح أن الانتهازي اكتشف أنّ لديه إمكانية تحطيم أفواهنا، إلاّ أنه وبشكل خفيّ، احتفظ بفضائحه الأيديولوجية وإن الله أوصاه أن ينام ساخناً ويقرأ ساخناً ويكتب أشياء ساخنة لم يسمع بها أحد، هو يكتب دائماً عن ما وراء الجثث، وعن ثلوج تلوّح لعِظامنا، لأن الحاكم العربي.. من خلاله تماما، أكلنا وترك عظامنا وراء الباب ليُقنع الآخر انّ نصوصه تدلّت للتوّ من الله.

الصياغة اللغوية للانتهازيّ، يتمّ وضعها في سياقها التاريخيّ، دون تضاريس، لأنه يطارد وعيه الذي بدورهِ يطارد ذاكرته التي من "القشّ".

قد لا نتذكّر في هذه اللحظة، تلك الصورة التي يعيشها، لأنّ التصدّع البنيوي لشخصيته.. هو ذلك الميت الذي ملأ الدنيا صراخاً، لأن الزمن الذي يتحدّث فيه لا يزال وراء القضبان!

كلّنا يعرف أن السيد الانتهازيّ، سواء أكان مبعثراً، أو أن التاريخ بعثره، أو كان الالتزام بمفهومه المتواطئ والذي اشغل النار بين الأهل والأهل، سيظل حائراً حين لا يكون أمامه غير العراة!

_ الانتهازيون_ هم أنفسهم العراة، وغاسلي الصحون القذرة ويستخدمون ما أمكن تعرية الآخر، حتى ويمنعون الملائكة من ممارسة مهامهم، ويتسلّقون

كتفي _ ميكيافيلّي _ ويطلقون النار على الصخب، ويستعملون صراخهم للعبث برائحة الظِلال. كل هذا، يشبه إلى حدّ ما، ما خلفتْه الأيديولوجيا الفردية، لأن الانتهازي الذي أعنيه هو الذي يتناول كمية من الدم ليقف بقوة ضدّ حياة المعنى، لأنه يعني موت الهواء، وموت الكتابة، وموت الحياة.

الانتهازي يعرف أنه أن كائن من خشب، أو من زجاج، يرتبط بكليته في البعد الأخلاقي، ويضعه وجها لوجه أمام التاريخ. ولأننا نحن العرب، من أول وتدٍ في خيمة جدّنا..

_ قُسّ بن ساعدة الإياديّ _ حتى تعليب آخر عربي يخرج من مغارته الأولى ليدخل في مغارة ثانية، هو نفسه الذي "يُتوّج" أميراً داخل الأضواء الباهرة.

بفعل الانتهازي، صارت أرض العرب مرتعاً للكائنات الأخرى، وإننا صرنا بضاعة بشرية كاسدة لا أكثر ولا أقل، وهذا ما جعلنا نعتاد على نمط معيّن من الثقافة، ومن استقبال التراب الذي يصبّ في العيون. يبدو أنّ داخل كل كلمة عربية، صورة للانتهازي الذي لا يهمّه انقراض النوع، أي انقراض نوع العرب، لأن كمية التراب، التي نعرفها، صارت أقل، حتى التراب لا يصدّق نفسه أنه يتناقص، وإن الوجوه الميتة أيضاً لا تصدّق نفسها.. لأن العربي الحقيقي صار انتهازياً بالفطرة، وعبثاً يُستعاد تاريخه لأنه يجب أن يوضع

خارج التاريخ، إلى أن تموت العلاقة الجدلية بينه وبين عودته إلى تضاريسه الطبيعية.

الانتهازي، يعيد لنفسه صياغة المعرفة بكل ما يمتلك من أدوات تعتمد كليّاً على نظريته التعبيرية للآخر، ولا يهمه المساس بالأعراف والمفاهيم والقيم وكيف حدث أو صار الانتماء منصّته أمام النفعية ذات الروائح الغامضة.

بفعل الانتهازية، تمّ تفريغ الإنسان من الإنسان، فدخلنا في أجسادنا الحزينة لأن الماضي لا يصلح للبقاء، ولأن الماضي أيضاً توقف قليلاً عن تحطيم الأوطان، لأنه أعلن أمام الملأ الثورة آجلاً أم عاجلاً على السماء.

صحيح أن الأزمنة السيئة للانتهازي تقتات من أحزاننا، وإننا نعرف كيف تتعامل الأقنعة مع السقوط، وضوء القمر مع أفواهنا، وإن التاريخ الحقيقي الذي يصنعه الفكر ليس كالتاريخ الذي يصنعه الانتهازي، إذ ثمّة ذاكرة في التاريخ لا تتعفّن فيها قصائد الشعراء والقصص، والروايات، واللوحات الفنية التشكيلية الحلوة والجميلة والهادفة بنفس الوقت.

الانتهازيّ، يرسم دائما صوراً خليعة ومتهتّكة، ومخاتلة، وشمولية، ولا إنسانية، وربما قاتلة؛ هو اعتاد أن يُدخل الأرصفة كلّها في فمه لتخرج على شكل (هباء منثورا) الانتهازي في كل شكل من أشكاله، مبدعاً، مفكّراً،

سياسياً، وإنساناً عادية، يهيئ نفسه سلفاً وقبل أن يلقي بأفكاره _لينقل الله من يدٍ إلى يده الثانية _ وإن ثمّة اكتشافات إضافية هائلة في الالتزام والانتماء وأيضاً كميات هائلة من الأفكار والخبز للإرادات الممزقة

وإنه يضع همومه نصب عينيه، ويرتاد المقاهي، والخطابات امام مجتمع هشّ ومحطم ويعوزه هذا النوع من الخطاب!

الانتهازي يعرف إنه ينزف رياء وتواطئاً.. وفي كل لحظة من اللحظات يصنع لنفسه كلاماٍ أيديولوجياً بامتياز حين يقدّم اعتذاراً شخصياً للسماء.. لأن ظهره لم يعد يتّسع لكل هذه الأقدام المهترئة، مع ان صورته الفضّة تسلّلت من خلاله رويداً رويداً إلى العالم الذي يعيشه والعالم الآخر أيضا، وإنه شاهد بأم عينيه أولئك الذين يحفرون قبوراً في الماء والدم لموتاهم لإحداث ثقوب في البحر تهبط من خلاله الجثث إلى السماء.

أعرف تماماً أن الانتهازي يعمل مثلما تعمل القطارات الفارغة، وإن لديه ناصيات خائبة، وعبث أخّاذ لإقناع الآخر باختفاء كميّة العار الذي في دمه.

الانتهازيّ يغسل دائماً الهواء من الهواء، ليغسل وجهه بالنهاية من الخطيئة.

الانتهازي لديه قناعة أن الحفاة يشعرون أمامه أنهم يرتدون ثياب الملائكة وأنهم يكتفون بفرع الطبول، وإن أوطانهم وحياتهم ليست حطاماً.

الانتهازي، يضع عِظامه وأزهار وخبزه اليوميّ وسعاله وجدران منزله في حضنه، كي لا تجتثّه البربرية، أو ليتعرّف على دماء إضافية لإضاءة المشهد، وكيف تُحتجز الآهات داخل الأزمنة.

الانتهازي ليس لديه فائض دلالي أو بنيويّ، لأنه المميّز العَلَم عن اي كائن يمدّ يده ليتعرّف على الانتماء.

الانتهازي يستثمر الصدمات التي تخدم خيانته من أجل الحفاظ على أمامه، لأن خطابه الساخن يريد أن يظلّ ساخناً أمام مشهديته التي انتهت في داخله، ولم يعد بحاجة إلى الاعتراف بما بحمله على الإطلاق.

يدان من السخام تبتهل للخيانة ليدخل بظلّه الزجاجي ليمارس مهنة الفاتحين. إنه شخصية ضائعة في مهمة ضائعة، وعلى الآخرين الموت ولو في منطقة مسوّرة بالأدغال. إنه الذي ابتعد بإرادته عن إيقاعه الواقعي وأصبح سريالياً بفعل الذين لاقوا حتفهم بوسائل صنعها بأدواته ليفتح أفواه الضواري وتصبح عبقريته الهمجية تحاور قبائل القرود!