Menu

غسان.. مُتَمَثلُّ الثقافة بعمق حد الشهادة!

د. وسام الفقعاوي

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة الهدف الإلكترونية

كان أُولَى ما قرأته لغسان روايته رجال في الشمس وذلك مع بداية انطلاق الانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987، حين بدأ وعي الفتى في ذلك الوقت؛ يتشكل وينصهر في أُتون تلك الانتفاضة وما زَرَعتهُ فينا من أمل كبير. ففي الوقت الذي جذبتني الانتفاضة إلى دوائر فِعلّها، جذبني غسان إلى مشروعه الأدبي والثقافي ومن ثم السياسي الذي تكتشف من خلاله بأنك أمام مشروع ثقافي – أدبي – سياسي متكامل. وعليه؛ يمكن القول - بلا حذر – بأن غسّان كنفاني سيبقى إحدى الشّخصيّات الخالدة على قِصر السنوات الّتي عاشها؛ كون هذه السّنوات لم تكن عاديّة في حياته؛ لأنّها لم تكن عاديّة في حياة الشّعب الفلسطيني (تقسيم وتشريد وتهجير ومخيم ولجوء...) الذي كرّس جل إنتاجه المُتنوع من أجل قضيته/حريته، لذلك لم يكن مُستغرَبًا ذلك الاحتفاء الشعبي المُميّز والمُلفت الذي يحظى به غسان وحظيَّ به في ذكراه الخمسين ومن أجيال مختلفة، وهذا الاحتفاء المُستَمِر يَفتَحُ على أسئلة عدة: لماذا حظي غسان وما زال يحظى بهذا الحضور الممتد رغم طول فترة الغياب الزمني، مع قِصر عمره الفعلي الذي لم يتجاوز (36) عامًا؟ وهل هذا الاحتفاء من الأجيال الحاضرة فيه جانب من التعويض النفسي عن غياب النموذج الذي مثله غسان عن واقعنا الراهن؟ أم هو "قلق" الأسئلة التي أجاب عليها غسان مبكرًا لكننا لم نكن بمستواها، وبالتالي استمرت المصائب والنكبات والهزائم تلحق بنا؟ أم كل ما سبق من أسئلة وغيرها؟!

لقد كان غسان سواءً في تجربة حركة القوميين العرب ومن ثم تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، من الأفراد المُؤهَلِين - وبكل ما تعنيه الكلمة - القادرين على طرح الأسئلة الصحيحة على الأقل والذين بدرجة أو أخرى؛ أسهموا في إنتاج/تكوين ما يُمكن تسميته نواة فكر سياسي بالمعنى العلمي.. وهنا أُسجلّ بأن غسان وإن طغى على سُمّعَتِهِ الطابع الأدبي، لكنه كان بنفس الدرجة مفكرًا سياسيًا رفيعًا وصاحب ثقافة واسعة وعالمية، لم تتوفر لأقرانه في زمنه، وإن احتوت تجربة الحركة ومن ثم الجبهة على أسماء اشتهرت في مجالات الفكر والثقافة والاقتصاد فيما بعد، لكن دون مبالغة أو تجني؛ كان غسان ألمعهم وأكثرهم قراءةً واطلاعًا ومتابعةً وإنتاجًا، على ضيق وقته!

إن ألمعية غسان كمفكر سياسي تبرز في راهنية ما كتبه قبل خمسين عامًا. وعليه؛ إذا ما عُدّنَا لدراسته التي كتبها مطلع السبعينيات، بعنوان: "المقاومة ومعضلاتها كما تراها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؛ نجد فيها ما يكفي للتدليل إذا ما نَسَجنَا ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الماضي بالحاضر، حيث يقول: "نحن إذًا أمام معضلة مثلثة: النظرية، والممارسة، والأسلوب الذي هو في جوهره مسألة تنظيمية، وذلك يعني أن أي بحث نقدي لحركة المقاومة لا يستطيع أن يجتزئ طرفًا من هذه الأطراف الثلاثة، ويسكنه، ويجعله الميزان الأوحد لتقويم ما يحدث، وإذا فعل ذلك فإنه يسقط على التو في أخطاء قاتلة. لم يعد من المقبول، ولا من المُجدي؛ أن يكون "العمل الثوري" مجرد ممارسات تجريبية غير مسلحة بالفكر السياسي، وكذلك فإن الفكر السياسي أو النظرية، من دون ممارسة فعلية تقود إلى ثرثرة داخل حلقة مفرغة؛ على أن المسافة القائمة بين النظرية والممارسة لا يمكن تغطيتها ميكانيكيًا؛ فالعلاقة بين الفكر السياسي وممارسته، بين النظرية والتطبيق؛ تطرح مسألة ثالثة موازية هي المسألة التنظيمية... ذلك أن المسألة التنظيمية ليست مسألة تكنيكية، لكنها طرف في العلاقة الجدلية المتنامية بين النظرية (الفكر السياسي) والممارسة".

سيبقى غسان كنفاني هو كاتب النص السياسي للمستقبل الفلسطيني؛ فهو لم يكن "صدىً" للثقافة بل تَمَثلَّهَا بعمق حد الشهادة!