Menu

حكاية حسن طوبار: صفحة من النضال الوطني

عطا درغام

في نضال الشعوب رجال وقفوا في وجه العدو الغاشم رفعةً لأوطانهم وحماية لشرفهم، وعزتهم وكرامتهم، واثقين بالله وبأنفسهم، ولم يلههم ترف العيش ولا الفراش الوثيرة، وإنما جادوا بما لديهم حتى فارقتهم الحياة، لتظل ذكراهم خالدة خلود أوطانهم.      
فلو رجعنا إلى حركة النضال والمقاومة الشعبية ضد الغزو الفرنسي في الفترة ما بين (1789- 1800) على بلاد "البحر الصغير"، أقاليم (المنزلة- دمياط- المنصورة)، وحركة المراكب المصرية الجريئة في "بحيرة المنزلة" بقيادة شيخ العرب الكبير "حسن طوبار"، ومهاجمتها المستمرة للأسطول الفرنسي لتحرير "دميان" والتصدي لأسلحته ومدافعة بإمكانيات بسيطة، كانت تملكها أهالي المناطق، وما دونه التاريخ من جرأة واستبسال المصري محافظًا على كرامته، معتزًا بنفسه.. أعطته كل هذه المقادير القدرة على الوقوف ضد هذا المحتل الغاصب قوة وصلابة. 
لقد كان لهذا النضال الأسطوري العظيم الذي قاده الزعيم "حسن طوبار" شيخ إقليم المنزلة وكامل المشايخ، أهمية بالغة في تغيير معالم تاريخية لا زلنا نجهلها، وكذلك في تغيير جغرافية المنطقة، وسائر الأقطار التي تمتد من مصر إلى الشام إلى تركيا إلى الهند.      
لقد تباهى "نابليون" بانتصاراته العظيمة على أوربا، ونرى ذلك في مقولته عندما أقام احتفالًا عسكريًا بميدان الأزبكية في القاهرة بمناسبة عيد الجمهورية الفرنسية "22 سبتمبر 1789" حين قال: "أيها الجنود نحتفل اليوم بمستهل السنة السابعة للجمهورية. منذ خمس سنوات خلت كان استقلال الشعب الفرنسي مهددًا، ولكنكم جاهدتم فاحتللتم (طولون)، وكان هذا الاحتلال فاتحة انهيار صرح الأعداء. 
ولم ينقض عام حتى هزمتم النمسويين في (ديجو)، وفي السنة التالية رفعتم علم النصر فوق "جبال الألب" ومنذ عامين كنتم تهاجمون (مانتو) وحزتم ذلك النصر الباهر في (سان جورج)، وفي العام الماضي بلغتم مناب نهري (الدراف والأيسونزو) بعد أن انتصرتم في "ألمانيا"، فمن كان يظن يومئذ أنكم ستكونون اليوم على ضفاف النيل في بطن القارة القديمة".   
لقد ظن "نابليون" أن الطريق إلى مصر مفروش له بالورود، إلا أنه وجد شعبًا يستعذب الموت في سبيل الحرية.
وغاب "نابليون بفرحته هذه لتلك الانتصارات وقال: "ما أوربا إلا حجر فأر، وما وجدت العظمة إلا في الشرق".
فالمواقف البطولية للزعيم "حسن طوبار" في "بحيرة المنزلة" والأقاليم المجاورة ضد الغزو الفرنسي، كانت لها كبير الأثر في إعطاء الفرصة الكافية لتمكين "أحمد باشا الجزار" حاكم عكا من عمل الاستحكامات القوية لحصونه، والتي ساعدت على الانتصار على جيوش "نابليون" فكانت عكا هي الصخرة التي تحطمت عليها آمال "نابليون" في الشرق.       
فلو قُدر" لنابليون" الانتصار على "عكا" لواصل مسيرته لاحتلال "الأستانة" ثم "الهند"، وبهذا تكون قد تحققت نبوءته في إنشاء إمبراطورية شرقية كبيرة تخضع تحت العلم الفرنسي، وفي نفس الوقت يستطيع ضرب تجارة إنجلترا في الهند والانتصار عليها. 
لقد كانت مواقف الزعيم "حسن طوبار" وحروبه المستمرة عثرة أمام تحركات جيوش "نابليون"، فهي المفتاح الوحيد لتوسعاته في الشرق للهجوم منها، أو لتصدي الهجمات، كما كان يريد تأمين مواصلات جنوده ما بين دمياط والمنصورة والصالحية وبلبيس..   
لقد اعترف "نابليون" وهو في منفاه في جزيرة "القديسة هيلانة" قائلًا: "لو أنني استوليت على "عكا" لوصلت إلي "الأستانة"، ولأسست أسرة بها".
وقال أيضًا إنه حينما عزم على إنفاذ مشروع الحملة علي القطر المصري، كان يقصد إنشاء إمبراطورية شرقية كبيرة، وكان ينوي توطيد مركزه في مصر، وكذلك غزو الهند، وكان يقدر الوصول إليها في شهر مارس 1800م، ولقد كان للزعيم "حسن طوبار" الدور الأكبر في التصدي والصمود أمام جيوش "نابليون".    
وحسن طوبار شيخ إقليم المنزلة وكامل المشايخ، والده شيخ العرب الكبير حسن المتولي طوبار شيخ إقليم المنزلة. وتوارث المشيخة من أربعة أو خمسة أجيال سابقة، يتبعه أربعون رئيسًا من مشايخ البلاد، وتعلم وحفظ القرآن الكريم، ويحب الشعر، وفتح الكتاتيب على حسابه الخاص، وكان يعطي المعلمين أجورهم، كما أوقف بعض الأراضي الخيرية لمساندة المحتاجين، وبنى المساجد والمضايف لاستقبال الغرباء عن البلدة.  
كان "حسن طوبار" شغوفًا بتربية الخيول الأصيلة، وكان له حصانه الخاص، وسرجه المطهمة، وسيفه المرصع بالأحجار الكريمة.
كان "حسن طوبار" من أغنى أغنياء القطر المصري، وربما أغناهم، له سلطة تقوم على نمانته في النفوس، وثروته وعصبيته، ومن ذوي قرباه وأتباعه وأشياعه وأرقائه، وعلى مؤازرة العرب له، فهو واحد من أكثر ملاك مصر ثراءً. وتقول عنه التقارير الفرنسية " لعله الوحيد الذي تجرأ على تكديس هذا الكم من الأموال والأملاك العقارية التي كان يمتلكها وعائلته من أكبر عائلات المنزلة".     
"كان حسن طوبار يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية حقولًا وبساتين في "المنزلة" و"دمياط" وبعض النواحي الأخرى. بالإضافة إلى العديد من المتاجر والوكائل، وكل مصانع حلج الأقطان، والغزل والنسيج والصباغة، ومعاصر زيت السمسم ومضارب الأرز وآلات لتبييضه، واهتم بصناعة السفن والقلاع، وكان له أسطول بحري تجاري وآخر لصيد الأسماك، وعند قدوم الحملة الفرنسية على مصر اهتم كثيرًا ببناء القوارب على حسابه الخاص وتسليح المتطوعين، لمهاجمة الفرنسيين.    
وكان من أملاك "حسن طوبار" وأخيه "شلبي" وآثارها في أماكن متعددة بدمياط. مبني المحافظة، وعمارات الأوقاف ومبني المحكمة، وسوق الحسية، ومضرب البدري، و11 بيتًا كانوا مهجورين. كما كانت أراضيهم الزراعية في دمياط. ابن قفل وجريبة وشط جربية وغيط العنب وغيط النخيل والبستان وحوض طبل ونواح أخرى.  
وكان لحسن طوبار قصران كان أحدهما في "حوض السيد" بين دمياط والخياطة والآخر في حوض"ابن قفل ناحية شط جربية".      
ويقول أحمد لطفي السيد: "إن قبيلة حسن طوبار من القبائل المتحضرة في الدقهلية وخاصة في نواحي المنصورة". 
ويقول الجنرال" أندربوسي" أحد قواد الحملة الفرنسية البحرية: إن هذه القبيلة (طوبار) مستقرة في مدينة "المنصورة" كما أنها احتكرت حق الصيد في "بحيرة المنزلة" وكانوا يستطيعون الوصول إلى ترعة "بحر مويس" عن طريق الصالحية التي يتفرع منها، ومن هنا يبلغون "البحيرة" للاتصال بسكان "المنزلة والمطرية"، ويتحكمون في كل "البحيرة" والبلاد الواقعة على شطآنها.
وامتد نفوذ هذا الشيخ الأسطوري العظيم امتدادًا، وكان اسمه يتردد علي الشفاه ما بين "المنزلة" و"دمياط" و" المنصورة" وما حولها حبًا وتقديرًا له.
ويقول عنه الجنرال لوجيه أحد قواد الحملة الفرنسية: "في كل جهة مررنا بها من المنصورة إلى المنزلة كنا نسمع ثناء الأهالي على "حسن طوبار" وهو محبوب بينهم حبًا شديدًا، وهو غني تقدر ثروته بالملايين، يمتلك الأراضي الواسعة، ومصانع القطن ومصانع الصباغة والمتاجر الكبري.       
ومما لا شك فيه أن هذا الشيخ الأسطوري العظيم، استطاع أن يوطد روابط قوية بينه وبين أقربائه والأهالي والأقاليم المجاورة، لما كان يحمله من صفات طيبة؛ لمساندة الجميع في السراء والضراء، في أفراحهم وأحزانهم، حتى الأرقاء كان يقيم لهم أفراحهم بزواجهم من بعضهم البعض. كل هذا الترابط كان يجعلهم في أمن وأمان، كما كان يقدم الهدايا والتحف لذوي القربى، ومشايخ البلاد، ويساعد المحتاجين، ويُقطع بعضهم وبعض العرب الوافدين الأراضي لزراعتها والعيش فيها.   
ولم يأت ذلك من فراغ؛ فإن أصوله العريقة التي كانت تتميز بالحكمة والعدل ساعدته على امتداد سلطانه إلى مختلف الطبقات، وأصبح نقطة التقاء بين الجميع لحبهم له.
وبالرغم من هيبته بين الجميع، إلا أن أبواب قصوره كانت مفتوحة دائمًا للفقير والغني، وكان يستقبل الكثير من أهله وهم كانوا كثيري العدد، كما كان يستقبل عرب الصحراء، وعرب "غزة" و"الشام" وكانوا يجلونه ويحترمونه احترامًا شديدًا، وكانوا يتركون خيولهم وجمالهم على مساقة من القصر، ويأتون إليه مترجلين، إلا أنهم كان يقابلهم بحفاوة وتكريم ويستضيفهم ببذخ وسخاء، ويجل مكانتهم، حتى أن بعضهم استقر في تلك المنطقة التي كانت أكثر أمنًا واستقرارًا رزقًا لهم.    
وكان حسن طوبار يحتفي بالمناسبات. ففي شهر رمضان يكثر من قراء القرآن الكريم، والتواشيح الدينية، وتُذبح الذبائح وتوزع علي الفقراء، كما كانت تُوزع الكساوي والياميش والحلوى والأرز والسكر والتمور.
وبالرغم من أن "حسن طوبار" كان واسع الثراء، ونفوذه قوي وحب الناس له، كل ذلك كان كفيلًا بأن يُبعده عن الأحداث والحرب، ويعيش منعمًا، مستغرقًا في ثرائه، مبتعدًا عن المواقف التي تقلق حالته وتهدد حياته وثرواته، منذ احتلال القوات الفرنسية لمصر، إلا أن حبه وولاءه لوطنه، ووطنيته العظيمة دفعته تلك للتضحية بروح عالية، رافضًا الاستسلام وأن يكون تحت ظل علم أجنبي، وكان مبدؤه لا مال ولا حياة دون عزة وكرامة..    
لقد كان "حسن طوبار" زعيمًا ذكيًا، وخصمًا عنيدًا لا يستهان به؛ فالفرنسيون كانوا يعملون له حسابًا كبيرًا ويكرهونه، ولا يأمنون جانبه؛ لأنه كان "العقل المدبر" لحركات المقاومة ضدهم في بلاد "البحر الصغير"، بخططه وخداعه لهم.
لقد حاز اهتمامات جنرالات فرنسا في كثير من تقاريرهم المتبادلة، حتى أن هؤلاء الجنرالات وجنودهم كانوا ينزعجون منه في "بحيرة المنزلة". وحاولوا أسره أو تدمير أسطوله البحري أو خداعه أو مهادنته أو التقرب إليه، أو محاوله إرسال الهدايا إليه، إلا أنه كان رافضًا، كما كان يرفض كل مطالب الفرنسيين ومتيقظًا لكل الاحتمالات. 
فقد حاول الجنرال "فيال" قائد منطقة "دمياط" في ذلك الوقت أن يقدم له سيفًا مذهبًا، إلا أنه سخر منه ورفض مقابلته، وحاول الجنرال "داماس" مقابلته إلا أنه رفض أيضًا، كما رفض محاولات الچنرال "دوجا" مع قواده. ولما أرسل إليه " نابليون" بعض الهدايا الثمينة رفضها كما رفض مقابلة القائد الفرنسي.
وعندما استولى الفرنسيون على " المنزلة " وتجولوا في شوارعها، راع انتباههم قصور "حسن طوبار" لسعتها وجمال تنسيقها على الطراز الشرقي البديع، فأراد الفرنسيون دخولها، إلا أن الأهالي والحراس رفضوا تسليم مفاتيحها. فقام الچنرال " لوجيه " ومعه بعض الضباط بفتح أحد الأبواب، وارتادوا داخل حجرات القصر؛ فراعهم سقوفه المنقوشة بالألوان المذهبة الزاهية، تتدلى منها الشمعدانات بأقواس من الكريستال الملفوف الرائعة الجمال وجدرانها وأعمدتها ذات الفخامة وجمال تأثيث هذا القصر.    
ولاحظ الضباط شدة غضب الأهالي والحراس لانتهاك حرمة منازل "حسن طوبار"، فخشي القائد الفرنسي ثورة غضبهم فانسحبوا من القصر، واحتلوا دارًا أخرى بالمنزلة جعلوها المعسكر العام للحملة.      
لقد عجب هؤلاء الضباط لهذا الرجل العظيم، الذي لم يقبع في فراشه الوثيرة بين الخز والديباج وراح يحاربهم.  
ونجح الكاتب أحمد طوبار في الكتاب الذي يحمل عنوان (حكاية حسن طوبار: صفحة من النضال الوطني) في رسم صورة قلمية لحلقة مهمة من حلقات مسلسل المقاومة الشعبية للحملة الفرنسية، التي تعتبر أول تحد غربي لمصر في التاريخ الحديث، بشكل مبسط وعرض علمي بعيدًا عن التعقيد ملتزمًا بالتسلسل المنطقي للأحداث، من خلال إلقاء الضوء على شخصية " شيخ العرب حسن طوبار" وهو من أهم الشخصيات التي تصدت للحملة الفرنسية، وكان له دور كبير في تحطيم حلم الإمبراطورية الفرنسية.