Menu

غسان كنفاني.. البحث عن الهوية والوطن في أعماله الروائية

أ. د. حسن عليان

نشر هذا المقال في العدد 40 من مجلة الهدف الإلكترونية

المدخل:

تفتحت عينا غسان كنفاني في فلسطين على الاحتلال البريطاني، وهو يعمل بكل طاقاته على تهويد فلسطين، وإقامة دولة عنصرية ودينية، مسوقاً باستراتيجية واضحة، تقوم على شرذمة العالم العربي، وتمزيق كيانه، وبعثرته في كانتونات صغيرة واهية، للحيلولة دون وحدته مستقبلاً، وحتى يظل الغرب مسيطراً على مقدرات الأمة، ومتحكماً في منافذ أفريقيا وآسيا العربية، تسانده في ذلك القوى الغربية، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية· ولعل خوف الغرب، وقلقه من النفوذ الصهيوني في أوروبا والولايات المتحدة، الذي هو دفع الغرب إلى خلق هذه الدولة، للملمة شتات اليهود، تخلصاً من نفوذهم.

لقد وعى غسان كنفاني روح الصراع العربي الإسرائيلي، والمخططات الاستعمارية في أبعاد الوجود الصهيوني في فلسطين، وماذا تعني الدولة العبرية، وماذا تريد المنطقة، ووعى من المنطقة العربية تكتيكاً واستراتيجية.

فهي من وجهة نظره تقف في وجه الفعل التاريخي، وتحاول أن تغير مساره الفكري، وحركته الطبيعية الدائبة نحو المستقبل، ووعى غسان كنفاني نتائج الحركة الصهيونية بعد أن أقيم لها دولة عنصرية ودينية على حساب الوجود الفلسطيني. فعلى الصعيد الفلسطيني عايش غسان حياة الفقر والبؤس، وسقف الفلسطيني الواطئ في مخيمات اللجوء والذل والجوع، صدر عنها في أعماله الروائية: (رجال في الشمس، وما تبقى لكم، وعائد إلى حيفا، وأم سعد) بوعي لمراحل هذا الصراع، فكانت روايته الأولى (رجال في الشمس) صورة لحياة الفلسطيني ببعديها الزماني والمكاني بعد هزيمة عام ١٩٤٨م.

وكان غسان حاضر البديهة، واعياً مأساة الفلسطيني برؤية متطورة، فجاءت أعماله الروائية دالة على التفرد والأصالة، وعلى مدى التلازم بين الفن وقضية الإنسان، ومدى استعداد الفنان لأن يجعل فنه في خدمة الشعب، وقدرته على الاحتفاظ بالتوازن الضروري بين الإثارة الفنية المتجددة، والحاجة الشعبية المتطورة؟

كان غسان متوحداً بفلسطين، ولم يخرج يوماً عن التفكير في قضيتها، فهي هاجسه الأبدي، ويحس دائماً أنه في لحظة الشروق، ولم يكن ليقبل تهاون أصحابه في الدفاع عنها، أو الانسحاب من سلكها، وكان يثور إذا أحس شيئاً من ذلك، فقد كتب لصديقه فضل النقيب في واشنطن، يرد على رسالة أحس فيها فتوره في الحماس للوطن، يقول فيها: "تريد أن تنسحب؟ لماذا؟ لأنك بعيد؟ إذا كان فضل يبعد عن القضية ألف ميل، فنصف شعبه يبعد عنها ألف سنة. المسافة لا قيمة لها لمن يعيش في لحظة الشروق. تريد أن تنسحب؟ لا بأس، ولكن صدقني يا فضل أن الانسحاب أصعب بكثير من التحدي. لقد حكم علينا بألا ننسحب.

ووفق هذه الرؤية وهذا الالتزام أحالتنا رؤيته الواعية في أعماله إلى المفردات، التي رغب غسان في أن يحيلها إلينا، لنتعرف إليها بقوة، حتى تخلق فينا الباعث القوي على التأمل، والتفكير، والتململ، والحركة، والفعل وتمثلت المفردات في علاقة الشخصية الروائية بالأرض، وأن الإنسان والوطن قضية.

أولاً: علاقة الشخصية الروائية بالأرض

تفاوتت علاقات الشخصيات الروائية في أعمال غسان كنفاني بالأرض، وتقاطعت، وتشابكت، فجاءت صورتها متاحة، ومتقطعة، ومتقاطعة، ومتصلة، ولم تكن العلاقة المنـزاحة في رواية (رجال في الشمس) اختيارية، بل مفروضة بقوة الاحتلال لأجزاء كبيرة من فلسطين عام 1948، مما أجبر الشخصيات على البحث عن الخلاص الفردي، وهو الأمن النفسي والغذائي والاستقرار، البحث عن الهوية والانتماء، والخلاص الجماعي. وعلى الرغم من ذلك ظلت العلاقة النفسية بالوطن قوية التشكل بأمشاجها في رحم التكوين النفسي، والوجداني، والفكري.

لم تكن شخصيات رواية (رجال في الشمس) على نفس الحدة، والدرجة، والنوع من الاتصال بالأرض الوطن، فمروان ابن الخمسة عشر ربيعاً لم نر له جذوراً نفسية، وفكرية، وصلات مادية بالأرض الفلسطينية، فظروفه الأسرية والمعيشية كانت كافية لإشغال نفسه وفكره في البحث عن الأمن الغذائي. أما الشاب أسعد فكانت صلته بالوطن أكثر وضوحاً لقنوات الانتماء إلى حزب محظور، منه – كغيره من أبناء جيله: أن الأحزاب هي أقرب مسافة بين نقطتين في طريق العودة إلى فلسطين. وقد اختلفت صلة أبي قيس بالوطن عن سابقيه، فصلاته النفسية قوية وحادة، تشكلت لحماً، ودماً، وكياناً، لكنها لم تترجم إلى عمل قبل الاحتلال وبعده، ليكون الاتصال بالوطن أكثر فاعلية. فأبو قيس بظروفه الاقتصادية والنفسية، بالإضافة إلى ضغوط أخرى، أجبر على التوجه إلى الكويت ، لعله يعلم ابنه، ويشتري عشر شجرات من الزيتون، ويبني غرفتين للعجوز مساحة هي أحلامه.

خرج غسان على الأساليب التقليدية في بناء الرواية، واعتمد التجريب لغة بطرق متعددة، أهمها تيار الوعي المتدفق عبر تداعيات الأفكار والمعاني، والحوار الداخلي، والفلاش باك، والاستدعاء التاريخي والحدثي، حتى نقف على ما يعتمل في عالم هذه الشخصيات، وما يجول في ذهنها، وفكرها، ونفسياتها من رؤى وأفكار، وعواطف، ومواقف، ومواطن لذة وألم، وفرح وحزن.

لا شك أن الواقع الراهن العاقر/صحراء الكويت كان المثير والمنبه لأبي قيس، فكل ما حوله بانوراما التيه، والضياع، والضباب الذي لا لون له، والمنبه لغسان في آن معاً، حيث لم تخرج صورة الكويت لدى غسان عن الضباب الأسود، والأغربة التي تحلق في كبد السماء، يقول غسان في مذكراته: "إن الضباب الأسود غير موجود في الطبيعة، ولكن من ذا الذي يؤكد أنه ليس أبعث على الراحة من الضباب الطبيعي الذي لا لون له".

لقد استدعت صورة الواقع الراهن بالضرورة، صور الماضي المتحركة، والثابتة، مقترنة بشحنات عاطفية ونفسية، فجاءت الصورة واقعية حية بألوانها، وظلالها، ونسبها، وأبعادها في فكر أبي قيس، وعاطفته، ووجوده، وكأنه يتأسى بها على واقعه المجهض، وهو يستدعي الماضي بكل صوره. ولم يأت هذا التقابل عفوياً، أو مفروضاً على فكر الشخصية، وعاطفته، وأحاسيسه، بل جاء توافقياً، استحضر به واقع الشخصية الممض، ويتجسد لنا ذلك في حوار أبي قيس الداخلي، وهو يطرح فرضية، لكنه سرعان ما ينقضها، وينفيها بقوة وهو يرى الواقع المؤسف، يقول لنفسه: "الأرض الندية – فكر هي بلا شك بقايا من مطر أمس، كلا أمس، لم تمطر، لا يمكن أن تمطر السماء الآن إلا قيظاً وغباراً! أنسيت أين أنت؟ أنسيت؟".

وتتداعى صور الماضي، بعلاقاتها الحميمة بين الإنسان والأرض، بأسلوب تيار الوعي، الذي جاء نامياً، وخصيباً، وقوياً، وهو يبسط أمامنا علاقة الشخصية الروائية بالأرض، وفاعلية هذه الصورة على صعيد التصور، وليس على صعيد الحركة والفعل الإيجابي. ويسجل تيار الوعي صورة المعادل الموضوعي لعلاقة شخصية الرواية بالأرض، كشف به عن رؤية هذه الشخصية، ومدى تماسها بمساحة وعيه وفكره وقلبه. ويبدو المعادل الموضوعي في صورة المرأة؛ الوجه الآخر للخصب، والنماء، والديمومة ويمكننا هذا التصور من وعي علاقة أبي قيس بالأرض، وكنهها المادي، والروحي، وهي تعكس العشق الروحي والأبدي بفعل الحوار النفسي الداخلي لأبي قيس، والتقابل الموضوعي بين هاتين الصورتين "فكلما تنفس رائحة الأرض، وهو مستلق فوقها، خيل إليه أنه يتنسم شعر زوجته حين تخرج من الحمام، وقد اغتسلت بالماء البارد الرائحة إياها، رائحة امرأة اغتسلت بالماء البارد، وفرشت شعرها فوق وجهه، وهو لم يزل رطباً؛ الخفقان ذاته، كأنك تحمل بين كفيك الحانيتين عصفوراً صغيراً".

ولما لم يكن المناخ العربي السياسي قد نضج بعد، بفواعله الاقتصادية والعسكرية والأمنية، والنفسية، والديمقراطية، والاجتماعية، والفكرية، والثقافية، على الرغم من التحولات السياسية بعد ثورة (٢٣) يوليو عام ١٩٥٢ في مصر، وقيام الوحدة المؤقتة بين مصر وسوريا، فقد أثر ذلك على المناخ الفلسطيني؛ لذا لم يشهد هذا المناخ تحولاً جذرياً في الرؤية والتصور. ولعل رواية (ما تبقى لكم؟) دليل قوي على ذلك، فحامد بطل الرواية، ابن السبعة عشر ربيعاً لم يستطع البقاء في غزة بعد أن طعن في كرامته بحمل أخته سفاحاً من زكريا. وقد برزت العلاقة غير الشرعية محمولة على بنية النص الروائي بتيار الوعي، أسلوب التواقت بين شخصيات الرواية: حامد، ومريم، وزكريا، والساعة، والصحراء. وجاء تيار الوعي بصورة مركزة موحية على هيئة لوحات، ولقطات متداخلة لشخصيات الرواية في فترة زمنية قصيرة، هي عمر الرواية، استغرقت رحلة حامد عبر صحراء النقب إلى الأردن، لكنها لم تنته إلى غايتها. وكان لا بد أن يجتاز حامد صحراء النقب ليلاً، خلاف الرجال في رواية (رجال في الشمس)، فلم يستطيعوا اجتياز الصحراء، لأنها لم تمثل حاجزاً يجب اجتيازه، بل مكاناً قاتلاً أدى إلى موت الثلاثة داخل الصهريج.

ويمكن القول إن شخصيات غسان في روايتيه: رجال في الشمس، وما تبقى لكم؟ بينت أن الإنسان لا يمكن أن يعيش في الحياة دون جسر، ومن ثم لا يمكن أن يكون للحياة معنى إلا بوجود رابط، وإذا فقد هذا الإنسان هذا الجسر، أصبحت حياته مهددة بالموت إذا لم يقم علاقة جديدة مع الحياة. لذا انفصمت عرى الحياة بين شخصيات (رجال في الشمس) والواقع القائم، وأصبح العجز، ومن ثم الموت، البديل الطبيعي لحياتهم، كما يرى د. إحسان عباس.

حاول حامد أن يخرج على قانون النسبية في رواية (ما تبقى لكم؟) إلى المستوى الفكري الفلسفي، لكنه أثبت أخيراً أن علاقة الإنسان بالأرض من وجهة نظره الفلسطينية، وبالنسبة له ولكل فلسطيني - علاقة ثابتة ودائمة، قوامها الحميمية والانتماء، وهو مغروس في رمال صحراء النقب، وبدت علاقة حامد بالأرض مختلفة ومغايرة لعلاقة أبي قيس برمال شط العرب، لاختلاف المناخ – العلاقات بكل أوجهها –، والوعي، والحركة، والفعل. وعلى الرغم من اضطجاع كليهما على الأرض، وتماسهما المباشر بها، إلا أن شعورهما إزاءها يختلف تماماً. ففي الوقت الذي يحس فيه حامد أن الأرض ترتعش تحته كعذراء في علاقة الحب والانتماء، في الوقت نفسه يراها أبو قيس في رواية "رجال في الشمس" مقلاة الجحيم.

وتشير هذه الصورة إلى النقلة النوعية في رواية (ما تبقى لكم؟)، وإلى الوجه الآخر – زمن الفعل – في حقل الوعي، والمعرفة، والتخطيط بالنسبة لغسان كنفاني، وهي ترصد تطور المناخ الفلسطيني، الذي يتحرك فيه حامد الرمز أو النموذج لأبناء جيله في الستينات من القرن المنصرم. وجاء تحركه إشارة ضوئية إلى ضرورة انزياح القيادات الفلسطينية التقليدية، حتى لا تتعرض لنفس مصير الرجال في (رجال في الشمس).

وتجدر الإشارة إلى أن زمن الفعل يتطلب وعياً، وفكراً، ورؤية، وتخطيطاً، ويحتاج إلى رجة نفسية، وفكرية، وثقافية، وإلى مناخ جديد تتحرك فيه الشخصيات بفاعلية، لينداح الطوفان. لذا عمد غسان برؤية واعية، وتخطيط مسبق، إلى وضع شخصيات رواية (عائد على حيفا) على محك التجربة بعد غياب عشرين سنة عن الأرض والوطن، ولم يبقَ لها منه سوى مجموع الذكريات. لكن العلاقة بالأرض الوطن تطورت، وهي تتخذ منحنى آخر عبر رؤية الشخصيات، وعلاقاتها النفسية، وتشكل بعداً جديداً أن ارتطمت بالمتغيرات في الرؤية، والوعي، والمواقف، والسلوك. لقد وضع غسان كنفاني شخصياته الروائية، سعيد. س، وفارس اللبدة على طريق التنوير والتثوير، أو بالأحرى ترك لها حرية الحركة، والبحث، والكشف، والفعل في زمن النكبة الثانية، فاكتشفت أن الاتجاه نحو الشرق هو الطريق الخطأ، فالبحث عن الهوية، والوجود الإنساني لا يكون إلا بالانتماء للتراث، والوطن، والقضية. كما اتضح لديها أن الوطن ليس بمجموع الذكريات، والبيت، والمقتنيات، بل هو المواجهة والتعبئة لها مادياً ومعنوياً؛ لبناء كيان، ووطن، وهوية.

ولعل التقنية الجديدة للرواية، ذات الإيقاع الشعري المنساب بأسلوب تيار الوعي، وهو يبسط النفس الإنسانية في حالات قوتها وضعفها، وملامحها الإنسانية في حالاتها المتعددة، والمضطربة، والمتناقضة، والانتقال بين الأزمنة، وتداخلها وتخارجها الرئيسية للرواية الجديدة – كان عملاً مهماً في تفجر مخزون ذاكرة سعيد. س، دفعة واحدة في رواية (عائد إلى حيفا). فقد انهالت الذاكرة في رأسه دفعة واحدة، وانضغطت العشرون سنة الماضية/عمر النكبة، ومرارتها بين مكبسين جبارين حتى استحالت إلى ورقة شفافة، نرى من خلالها مساحة الوطن مفتوحة على مصراعيها، بأبعادها، ومكوناتها التاريخية والإنسانية، والروابط، والعلاقات، والآلام، والآمال، وكل ما يتعلق بعالم الإنسان، وقد اندفع الماضي أمامه كسكين، كما يندفع البركان، فسقطت رحلة التيه، والضياع دفعة واحدة، وتوحد التراب الفلسطيني لأول مرة، لكن تحت حراب الاحتلال؛ اندفع بفعل تيار الوعي، لنرى مخبوءه النفسي والفكري، وهو يرى الماضي والحاضر، وعلاقاتهما المتشابكة، فتحدث عن الحرب والهزيمة، وبوابة مندلبوم، والجرارات التي هدمتها، وعن العدو الذي وصل إلى النهر، والقناة، ومشارف دمشق خلال ساعات، وعن وقف إطلاق النار، ونهب الجنود الأثاث، ومنع التجول، وعن قلق الفلسطينيين والعرب من نتائج الحرب، وعن الجنود الثلاثة، الذي قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى فيكتوريا، وهو يدخل حيفا، وحين عبر الشارع، ودخل إلى الطريق الرئيسي انهار الجدار كله، وضاعت الطريق وراء ستار من الجموع، ووجد نفسه يقول لزوجته صفية: "هذه حيفا يا صفية".

ويجسد غسان كنفاني معنى الحياة، المخرج من دوامة الموت، والآلام الداخلية المكبوتة، والمعاناة الإنسانية له، ولمن يماثله في الشتات والمنفى والمعتقل بقوله: "في الحقيقة إن المخرج الوحيد من هذه الدوامة الموحلة، هو أن يؤمن الفرد بأن العطاء هو المقبول فقط لدى إنسان الحضارة، وأن الأخذ عمل غير مرغوب، أن يعيش الإنسان باذلاً نفسه ولا مقابل سواه. إنني أحاول الآن أصل إلى هذا الإيمان بطريقة من الطرق، أو أن الحياة تصبح – بلا هذا الإيمان – شيئاً لا يحتمل على الإطلاق".

ويشير هذا القول إلى أن هول الصدمة، والانفتاح على الماضي بكل مغرياته ومقوماته، حقائق يجب مواجهتها، والاستفادة منها، وتجاوزها للعمل على طريق تحقيق المستقبل المضيء للأمة.

وفي ضوء هذه الرؤية خرج سعيد. س وفارس اللبدة من دوامة الذهول إلى ساحة العمل، وإن اختلفت صوره؛ فسعيد. س اقتنع في النهاية أن السلاح هو اللغة الوحيدة، التي يفهمها العدو، لاسترداد الأرض والهوية، وشعب المعتقل، لذا تمنى أن يكون ولده خالد قد التحق بالعمل الفدائي قبل عودته، في حين اختصر فارس اللبدة الطريق، ودروب المعاناة عندما التحق بالثورة، وتتجه هذه العلاقة بالوطن إلى مرحلة أكثر تطوراً، وهي أن الإنسان والوطن قضية.

ثانياً: الإنسان والوطن قضية

كان غسان كنفاني على معرفة واسعة بمراحل تطور قضيته التاريخية، شأنه شأن كبار كتاب المسرحية والرواية التاريخية، أمثال: كورني، وراسين، وشكسبير، وألفرد دي موسيه، ونجيب محفوظ، وغيرهم كثير، وإن خرج غسان من معطف هذه الرؤية، فهو لم يكتب رواية تاريخية بالمعنى المفهوم للرواية التاريخية، لكنه أحال الواقع الموضوعي لشعبه إنسانياً، واجتماعياً، وسياسياً، وثقافياً، وفكرياً، وأخلاقياً، إلى رؤية فنية في أعماله الروائية؛ جسد بها الواقع بفنية رائعة، وهو يرسم معاناة شخصياته، وحركتهم، وتوجهاتهم نحو القضية والالتحام بها. ويشير التطور في الوعي إلى إدراك غسان كأديب: "أنه المستحيل أن يكف عن كونه فرداً في هذا القرن العشرين، حين يحاول الحكم على من الماضي ويتعامل معه، وأن للماضي، ووقائعه البعيدة والقريبة وظيفة أساسية داخل العمل الأدبي، وهي تعميق معرفتنا بالحاضر، وتحصين دفاعات الوعي البشري من تكرار هجوم الأخطاء نفسها في المستقبل".

ويتدرج غسان في أعماله الروائية بوعي متعمد نحو واقعية صلبة "محدودة الحوافي، حاسية المظهر، مشمولة بمزيد من البساطة، ومزيد من الوضوح، ليقترب من الهدف، الذي أراده من القصة، وهو أن تكون وفق رؤيته واقعية مائة بالمائة، وبنفس الوعي تعطي شعوراً هو غير موجود".

ويتبادر سؤال: ما الذي أراده غسان من رحلة الموت في (رجال في الشمس)؟ لقد أراد ببساطة شديدة، ومتناهية تغيير حركة الفلسطيني، وتعديل مساره بدل التوجه شرقاً إلى الحركة الفاعلة غرباً، لإثبات الوجود، وتحقيق الأمن، والهوية. كما أراد تغيير نوعية القيادة الفلسطينية الممثلة في أبي الخيزران/ الرمز، بقيادة شابة جديدة واعدة، غير عنينة، وواعية لحركة التاريخ في علاقاته المحلية والدولية. لذا اختار حامد في رواية (ما تبقى لكم؟) ابن السبعة عشر ربيعاً، فهل نجح حامد في أن يقود الشعب نحو الغرب؟ وهل امتلك صفات القيادة الناجحة؟

يمكن القول إن حامداً، بمبناه الفكري والثقافي المحدود، وبوعيه لفواعل القضية كان مرحلة انتقالية بين مرحلتين، إحداهما عاجزة، والأخرى فاعلة، وكان مؤشراً لضرورة التحول نحو زمن حتمية الفعل – مواجهة العدو والالتحام به لتحقيق فكرة الخلاص بكل أبعاده، ودلالاته، وكأنه يقول: أيها الفلسطينيون احذروا الموت الطبيعي والمجاني". وكان التحامه بالعدو في صحراء النقب دون وعي أو تخطيط مسبق من كليهما، لكنه كان تبريراً واعياً ومتعمداً من رؤية غسان لضرورة تطور الحركة التاريخية عندما انتهت الرحلة في الصحراء، وأعلنت بذلك نهاية مرحلة، وولادة مرحلة أخرى جديدة، وبدا في ظل هذا الإطار أن الزمن الخارجي الحقيقي لا يشغل حيزاً في فكر حامد؛ لأن اللحظة الراهنة هي لحظة إثبات الذات بكل ما تعنيه من وجود، وهي زمن البحث عن الهوية المفقودة، بالمواجهة، والالتحام المباشر بالعدو، وبعبارة أخرى بداية زمن الفعل.

ومن أهم العوامل التي ساعدت غسان كنفاني على تشخيص أفكار شخصياته وتجسيدها؛ حية نامية ومتطورة، ترك حرية التفكير، والتصور، والحركة، والعمل لشخصياته دون التدخل في شؤونها، وفي وعيها وفكرها، ودون فرض رؤيته، وأفكاره. وتوجهاته عليها؛ فسعيد. س يقف أمام الواقع مشدوها، ومذهولاً في البداية، وكأنه وراء - ظهر العقل والمنطق بعد أن عجز عن التفكير، ونسي ما جاء لأجله، لكن الواقع - العودة إلى حيفا التي لا تصدق - ينمّيه، ويطوره، ويجسده كائناً إنسانياً، بملامحه وسماته الإنسانية على الصعيدين الخارجي والداخلي. ففي الوقت الذي ربط الصمت لسانه، وهو يدخل الحلـّيصة – حيه السكني – في حيفا، إذ انفتح الماضي بكل ملامحه الإنسانية على مصراعيه أمام عينيه، فإنه أدرك العوامل التي ابتنت هذا الواقع، بالرجوع إلى الماضي القريب، واستدعاء الحدث المرتبط بعنصري الزمان والمكان.

ولإيمان سعيد. س بحركة التاريخ فقد تجاوز علاقته بالماضي، لأنها كانت علاقة عابرة، فالإنسان في نهاية المطاف قضية، وكذلك الوطن. ويتساءل سعيد. س عن ماهية الوطن ومفهومه، ويسأل صفية عنه: أهو الطاولة؟ أم هو ريش الطاووس؟ وصورة القدس على الجدار؟ وما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة والبنوة؟ ما هو الوطن بالنسبة لفارس اللبدة؟ ما هو الوطن؟ أهو صورة أخيه معلقة على الجدار؟".

وكنتيجة حتمية لهذه الرؤية تأكد سعيد. س أن فلسطين/الوطن والإنسان، لن يعودا إلا بالحرب، رغم أنه دفع حصته الأولى - خلدون/دوف، ويجب أن يدفع أيضاً حتى يسترد البيت والولد. ويكشف سعيد ذلك بالحوار، يقول لمريام ودوف: "تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب". وأدرك أن الوطن ليس هو الماضي، وليس التفتيش تحت غبار الذاكرة، بل هو المستقبل - الجيل الجديد الذي سيصبح أخطاء الماضي، وأخطاء العالم كله، يقول لزوجته صفية: "لقد أدرك خالد ذلك قبلنا. آه يا صفية. آه".

ثالثاً: إشكالية الرمز والوطن وزمن الفعل

1. إشكالية الرمز والوطن

بدأ الافتراق واضحاً بين قطبين متنافرين في دائرة الجذب المغناطيسي بفلسطين، ويمثله إنسان المعتقل – داخل الأرض المحتلة – وإنسان المنفى والتشرد واللجوء، ففي الوقت الذي كان فيه الوطن يعني – لإنسان المنفى – الأحلام، والماضي، وغبار الذاكرة، فإن الوطن يعني لإنسان المعتقل – رمز الفلسطيني داخل الأرض المحتلة – كيانه، وحياته، وهويته، ووجوده، وهو جزء لا ينفصل عنه أياً كانت المغريات والتهديدات.

2. إشكالية الشخصية الروائية والفعل

كان لا بد لولادة زمن الفعل الحقيقي من أتون يصهر الإنسان العربي، ويلملم أجزاءه، ويشكله بما يتفق وحاجات هذا الزمن من جديد، وليسمح له بحرية الحركة والفعل، فكانت هزيمة حزيران بكل مرارتها قد جثمت على صدر الإنسان العربي، وفكره ونفسيته، ووضعته في دوامة التساؤل عن كل أسباب هذه الانهيارات، إلى درجة جلد الذات، واعتماد الانتحار لغة لدى بعض المثقفين "تيسير سبول" نموذجاً احتجاجاً على الهزيمة، ورفضاً لها في آن معاً. كما أدت إلى انبثاق حركة الإنسان العربي بعامة، والفلسطيني بخاصة من رحم الهزيمة، لتعلن بدء زمن الفعل، ليس على الصورة الفردية في روايتي (ما تبقى لكم؟ وعائد إلى حيفا)، لكنه الفعل البطولي لحركة الإنسان الفلسطيني الجماعية عقب الهزيمة، وهي تجسد حركة الشعب في ثورته المسلحة، وتمد الجسور إلى الوطن والإنسان التي أشار إليها إنسان المعتقل في رواية (عائد إلى حيفا) فلم تعد الجسور صورة شهيد، لكنها حركة، وفعل، والتحام بالعدو، لاستعادة الصورة والإنسان والأرض.

لم تعد البطولة لدى غسان في رواية (أم سعد) بطولة، بالمعنى التقليدي فردية، بل كانت بطولة تجسد حركة الشعب، وقوامها الناس البسطاء، فهم المعلم الحقيقي، وصاحب الرؤية الصافية، وفيها "تكون الثورة جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء، وأكف الكدح"، وهم لا يفلسفون الأمور وبمعنى آخر هم صفوف الكادحين؛ أصحاب السقف الواطئ، وليسوا ممن يقتلون الوقت بالثرثرة على أرصفة المقاهي، وعبر الإذاعة، وشاشات التلفاز، وفي المنتديات، والصالونات المغلقة تشريحاً، وتنظيراً، وتقعيداً، حيث تنتهي بطولاتهم بمجرد انتهاء الثرثرة، التي لا تعيد حقاً ضائعاً، ولا وطناً مسلوباً، ولا تمنح حرية لإنسان معتقل.

إن حركة الفلسطيني في روايتي (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم؟)، منيت بالإخفاق وبالموت، الذي سيطر على مصائر الأشخاص، دون أن تدرك شخصيات (رجال في الشمس) أنهم هربوا من موت إلى موت، كما يرى د. إحسان عباس، ولم يدركوا أن قصتهم كتبت للذين ظلوا يمارسون الهرب غافلين. أما في رواية (ما تبقى لكم؟) فكان للموت معنى آخر، وهو يشير إلى بداية تشكل الوعي، وإرادة الفعل في رحم الصحراء الفلسطينية، أدرك به حامد أنه صاحب موقف، ورؤية، ووجهة نظر، لذا ثبت للمواجهة، فلم تلفظه الأرض كما لفظت شخصيات رجال في الشمس، بل تحدثت عنه بكل حب وشوق؛ لأنه إنسان آخر، ويصف الكاتب ذلك بقوله على لسان الأرض: "هذه المرة بدت وقفته حازمة ونهائية، وخُيّل إليَّ أن قدميه قد غرستا في صدري كجذعي نخلة لا تقتلع. لقد كنت على يقين لا يتزعزع بأنه لن يعود، ولكني اعتقدت لوهلة أنه لن يستمر أيضاً، وأنه سيظل مغروساً هنا ينبض وحده في العراء إلى أن يموت واقفاً مثل الساعة الصغيرة التي غادرها، تدق لنفسها حتى تقف دون أن يكترث لها أحد".

رابعاً: تطور المفاهيم والقيم

توضح شخصيات أم سعد القيادة الشابة – تطور المفاهيم والقيم بتطور الأجيال، والظروف، والمناخ، وتبدل المواقع القيادية بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧، الزلزال الذي هز الوعي العربي، وفكره، ووجوده، وقيمته، والحدث التاريخي المدمر، الذي كان ميداناً للدراسات في مسببات الهزيمة النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والأخلاقية، وذلك لوضع الإنسان العربي على طريق آلية الفعل، وعلى طريق تحقيق الماهية، والذات، والوجود.

لا شكّ في أن المناخ الجديد فتح الباب واسعاً لحركة الجماهير الفلسطينية والعربية لتسد الفراغ الأمني عقب هزيمة حزيران، وقد لعبت الحركة المسلحة دوراً مهماً في تشكيل لغة جديدة للتعامل مع المحيط العربي بدلالاتها المتعددة، وهي تبني نفسية جديدة، وسلوكاً جديداً، واتجاهاً يختلف عما سبق. فموقف سعد ورفاقه من المختار أدى إلى استخدام لغة جديدة، تعكس شحنات الثقة، والسخرية، والإصرار على العمل. كما أدى إلى التعامل والتخاطب بجمل دلالية تنبئ عن نفسية جديدة، ورؤية جديدة، ومواقف جديدة في حقل العمل. وبالمقارنة بين لغة شخصيات (رجال في الشمس) ولغة رواية (أم سعد)، نجد ثمة فرقاً كبيراً بين الدلالات المحمولة على متن الخطاب اللغوي في الروايتين، فأبو قيس في (رجال في الشمس) ينوء بحمله، ويظلع بهذا الحمل، لذا بدت لغته مشحونة بالألم والأسى، وثقل المسؤولية، وبالأماني التي تقف ضد سيرورة الإنسان، وحفظ نوعه. لقد عكس تيار الوعي، بفضل تداعي الأفكار، أعباء أبي قيس وتشاؤمه، وعدم رغبته في التواصل مع الحياة، بدا ذلك في حواره النفسي عندما أخبرته زوجته بأن موعد ولادتها قد أزف، يقول لنفسه: "بودي لو لم تلد المرأة بعد مئة شهر من الحمل: أهذا وقت ولادة؟".

أما أبو سعد في رواية (أم سعد) فقد تبدل حاله بعد اندلاع الثورة، وبدا مزهواً بأبنائه، معتداً بنفسه، وهو يرى ولده سعيد يصرع خصمه في حلبة تدريب أشبال الثورة، ويوافق قول الرجل العجوز على قوله: "لوهيك من الأول ما كان صار لنا شيء"، وعندما ضم زوجته إليه، وأشار لها قائلاً للعجوز: "هذه المرأة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، مي تُخلّف وفلسطين تأخذ".

وفق هذه الرؤية فقد تغيرت دلالات اللغة والجمل، والأساليب، كما اختلفت أدوات النص المعمارية في الروايتين، فرواية أم سعد ليست بحاجة إلى تيارات الوعي، التي تبحث في أعماق النفس البشرية، لتخرج المخبوء من حنايا هذه النفس. إن زمن الفعل بحاجة إلى لغة أخرى تتسم بالبساطة والعفوية والعمق في آن معاً، وتتسم بمعاني التحول، وهي تظهر زمن الفعل، وفواعله، وحركة البسطاء الأسطورية، بلغة بسيطة، شفافة خالية من التعقيد.

أما في رواية (رجال في الشمس) فقد تضافرت اللغة والزمان والمكان – الثالوث المشحون بالتوتر والموت على رسم نفسية الشخصيات، وقضاياها، ومشاكلها وسلوكها. ونلاحظ أن هذه العناصر الثلاثة اللغة والزمان والمكان قد وحدت الأفكار، ووضعتها في قالب واحد يسير في مسار واحد أولاً، ثم سارت برحلة الشخصيات إلى نهايتها – الموت. وفي ظل هذا التضافر توحدت هواجسهم بأحاديث الموت، بلغة بدت حية، ومعادلة تماماً للظرف التاريخي والاقتصادي الذي تعيشه شخصيات القصة. وتبدت حيوية اللغة وهي تثير كوامن الألم في نفسية أبي الخيزران، وتؤجج الصراع في داخله، وهي تنقب في أحفورات ماضية، وتنقله من الواقع الراهن إلى عمق الحدث الذي أفقده رجولته إبان أحداث عام 1948.

وتظهر اللحمة الاجتماعية في رواية (أم سعد) مقابل تفسخ العلاقات الاجتماعية والإنسانية في رواية (رجال في الشمس) و (ما تبقى لكم؟)، فأم سعد رغم الحياة الاجتماعية القاسية التي تعيشها في المخيم لا تبكي هذه الحياة. فحياتها أصبح لها معنى بالتحاق سعد بالثورة المسلحة، وبدنو تحقيق الهدف المنشود – العودة إلى الأرض والوطن. لقد صورت أم سعد رجال المخيم، ونساءه، وأطفاله، وهم يعملون بهمة لدرء خطر المزاريب السماوية بهمة، ونشاط، ودأب في إطار من الذل، والألم، والمعاناة، في حين وقف سعد متفرجاً وهازئاً، وهو يقول بلغة ذات دلالات واعية، وإرهاصات أولية، أراد منها دفعهم للخلاص من الواقع المُزري، يقول: "ذات ليلة سيدفنكم هذا الوحل".

وتتجسد صورة أم سعد في نساء الأرض المحتلة، حيث ظهرت المرأة العربية على حقيقتها بفعل الثورة، فهي لا تخاف الموت، ولا تخشاه، بل تندفع إليه، وتستقبله بالزغاريد وهي تؤبن الشهداء، كأنهم في حفلة عرس وطني. وتبرز العلاقات اللغوية بين شخصيات الرواية مدى التلاحم بين هذه الشخصيات، وبها تصبح كل امرأة فلسطينية هي والدة الفدائي، تصله بوشائج حميمة، فهو خلاصها من الفقر والجوع والاحتلال، وهو الأمل، الذي ترغب في تحقيقه.